“المحقق مولر”.. يعمل جاهدا.. لا يخشى المحن!

أيمن حسين

لا تزال قضية استمرار الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترامب في منصبه من عدمه، تحظى باهتمام الكثيرين داخل وخارج الولايات المتحدة، ولا تتوقف التكهنات والتنبؤات في وسائل الإعلام، خصوصا مع حدة وتيرة ترديد التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية الأميركية التي أجريت في نوفمبر 2016، وتبدو القضية أخلاقية أكثر منها سياسية بالنسبة للأميركيين، لأنهم غير مكترثين بالاختراق الروسي لنخبهم أو بلغة المصالح، بقدر الاهتمام بدرء “الكذب” ومجابهة “التضليل” واجتثاث “الخداع”.
ولأنني شغوف بمعرفة مآل التحقيقات، فقد سيطرت القضية على كل تفكيري، فبينما أركز في قراءة أحد الموضوعات السياسية المتعلقة بمنطقتنا العربية، سمعت صوت التلفاز يردد “المحق كونان.. يبدو واثقا.. يعمل جاهدا.. لا يخشى المحن”، فخُيِّل لي أن الحديث عن “المحقق مولر” – وهو روبرت سوان مولر الذي عينه المدعي العام الأميركي للإشراف على التحقيق المستمر في التدخل الروسي في انتخابات الرئاسية الأميركية – فاستفسرت من ابنتي، فأخبرتني أنه مسلسل أنمي ياباني لمحقق يدعى “كونان” يثق فيه كل المتابعين والمهتمين في كشف الجرائم التي تحدث في الحلقات المختلفة، وأنه يرسي مبادئ الصدق والخير.
هالني الإسقاط الإبداعي مع الواقع، وما أشبه الواقع بالخيال!.. فمسلسل الأطفال الذي أنتجته اليابان عام 1996 يقدم شخصية إبداعية لمحقق اتفق الجميع على نزاهته، والثقة في حياديته لكشف الجرائم، وفي نفس الوقت يعتبر “المحقق مولر” صاحب أفضل توافق أميركي على قدرته التحقيقية، فقد اختاره مجلس الشيوخ بالإجماع لتولي مهام التحقيقات الفيدرالية في 2001 بنسبة تصويت (98-0)، كما أن الجمهوريين والديمقراطيين توافقوا على اختياره للإشراف على التحقيق في تدخل روسيا في الانتخابات الأميركية عام 2016.
عنصر التشويق الذي يتمتع به مسلسل الأنمي الياباني في تناول “كونان” لكشف ملابسات الجريمة أو المخالفة، يطغى أيضا على “المحقق مولر”، فأعلن القائم بأعمال وزير العدل الأميركي ماثيو ويتيكر لموقع “يو اس توداي”: “يحدونى الأمل فى الحصول على تقرير المحقق مولر في أسرع وقتٍ ممكن”، لإيحاء المتابعين والمهتمين أن التحقيق في مساره الأخير.
“كونان” يتعامل مع شكوك، ولم يوجه اتهامات مباشرة للأشخاص دون دلائل دامغة، وهو نفس الحال عند “مولر” فلم يقدم اتهامات مباشرة للرئيس الأميركي؛ ولكنه تعامل مع شكوك ترجمها إلى بوادر اتهامات جنائية بحق مجموعة من مساعدي ومستشاري الرئيس الأميركي، تتعلق بشكل رئيس بالكذب حيال تواصلهم مع روسيا أو مع وسطاء على صلة بالرئاسة الروسية (الكرملين)، وأنهم استفادوا من الجهود التي بذلتها روسيا للتأثير على انتخابات الرئاسية لتوجيهها لصالح ترامب، فيما لم تطل أي من هذه الاتهامات شخص الرئيس الأميركي أو أيا من مسؤولي حملته الانتخاباية – بحسب وكالات الأنباء.
بطل مسلسل الأنمي عند اقترابه من حل لغز الجريمة يقول على لسان أحد أبطال المسلسل “عرفت القاتل” ويبدأ في شرح وقائعها دون أن يسمي المتهم، وها هو “مولر يوحي للقائم بأعمال وزير العدل الأميركي ماثيو ويتيكر بأن التحقيق “على وشك الانتهاء” دون أن يعلن نتيجة تحقيقه.
كونان يبعث برسالة للمتابعين لتوقع المتهم، وهو ما يظهر عند تلعثم المتهم في الحديث أو عجزه تقديم الجواب على أسئلته، وفي الجهة الأخرى، فإن محامي ترامب رودي جولياني قال ـ لوسائل الإعلام في يناير الجاري ـ إن الفريق القانوني للرئيس أبلغ “المحقق مولر” أن ترامب لن يجيب عن أي أسئلة أخرى بخلاف ورقة الأجوبة المكتوبة على أسئلة المحقق أواخر نوفمبر الماضي، لكن جولياني توقع أن يرسل المحقق أسئلة أخرى، وقال: “أخبرته قبل الكريسماس بأن ترامب لن يجيب.. بالنسبة إلينا كل شيء انتهى، لسنا مقتنعين بأن لديهم أسئلة لا يعرفون إجاباتها” – بحسب رويترز.
ولأن الدراما عمل إبداعي يستمد أفكاره من الواقع، فمن الطبيعي أن نجد تشابها بين شخصية كرتونية وبين أحد المسؤولين، خصوصا وأن كليهما يتعلق بمهام التحقيق، بل وتتشابه طرقهما ومحاولتهما توثيق الأحداث والجرائم، وسبل فك الألغاز؛ لكن إذا كانت التنبؤات في تحقيق “التدخلات الروسية في الانتخابات الأميركية” تشير إلى محاكاة نتائج “كونان”، فإن الرئيس الأميركي سيواجه العزل الفعلي من منصبه، ويثبت “المحقق مولر” أنه ـ بالفعل ـ يعمل جاهدا ولا يخشى المحن، وتنتصر الولايات المتحدة لقيم إنسانية وأخلاقية ـ بل وسياسية ـ افتقدتها كثيرا خلال العقود الثلاثة الأخيرة، مثل: النزاهة والشفافية، وإعلاء القانون والحق، وتعزيز المساءلة والتقييم، وترسيخ أسس الدولة، وهي القيم التي عكستها اليابان في مسلسل “المحقق كونان”.

iNewsArabia.com > أخبار مختلطة > جريدة الوطن