جوهر التنمية البشرية في تفجير طاقات الإنسان

مما لا شك فيه أن تنمية الإنسان وتطوير قدراته و إبراز إمكاناته وتفجير طاقاته هي لب العملية التنموية بل جوهر التنمية البشرية فصناعة الحضارة وبناء الأمم يبدأ بالإنسان لا بالهياكل الضخمة والانجازات المادية الكبيرة فبدون إنسان فعال ومؤثر ستنهار هذه الانجازات، وقد رأينا في كثير من الدول النامية التي ركزت على الانجازات المادية ولم تضع في حسابها تنمية الإنسان فكان مصيرها الفشل ومزيدا من التخلف والانهيارات السياسية والاجتماعية والثقافية.
والسؤال البديهي الذي ينبغي أن يطرحه كل باحث ومهتم بقضايا التنمية والتطوير هل للتنمية البشرية دور في الاقلاع الاقتصادي وتطوير المجتمعات؟
وحتى نجيب عن سؤالنا هذا ينبغي أن نحرر بعض المصطلحات ونضبطها معرفيا ومن بين هذه المصطلحات:

1- مفهوم التنمية البشرية أو تنمية الموارد البشرية أو التنمية المستدامة.
2-أهمية التنمية البشرية في الاقلاع الاقتصادي.

*********
1-مفهوم التنمية البشرية: يحاول الأستاذ أحمد مصطفى توضيح مفهوم التنمية البشرية فيقول:

( رغم ما يتميز به منهج التنمية البشرية من اهتمام شامل بالبشر إلا Hن تعريف التنمية البشرية على أنها توسيع الخيارات المتاحة أمام البشر، يعاني من عدم وضوح الرؤية حول المحتوى المادي وغير المادي الذي يشمله مفهوم التنمية البشرية. ومن ثم قد يكون المفهوم الأكثر تحديدا للتنمية البشرية هو أنها تعني توسيع الخيارات أمام البشر من خلال التمكين الذي يعنى ببناء قواعد المعارف والمهارات لدى الأفراد وبما يؤدd إلى تدعيم وتنمية قدراتهم على توليد المعرفة والثروة معا فضلا عن تكوين وبناء ثقافة دافعه للتغيير نحو الأفضل «وبهذا التعريف تحتوي التنمية البشرية على حقوق الإنسان والتنمية الشاملة والديمقراطية معا لHن أحد عوامل القوة الدافعة نحو التغيير إلى الأفضل هو العمل على تعدد البدائل وتوسيع مساحة الاختبار المتاحة والممكنة.
التنمية البشرية أوسع من أن يقيسها دليل واحد مركب. فدليل التنمية البشرية ـ
يعاني من العديد من أوجه القصور التي تحد من دلالته كمقياس للتنمية البشرية. فهو لا يعالج المسائل الأخلاقية والمرتبطة بالسياسة العامة من حيث ضرورة التمييز بين عدم الإنصاف وعدم المساواة في عملية القياس و من أبرز شوائب دليل التنمية البشرية المعدل بعامل عدم المساواة وعدم قدرته على تبيان الترابط بين الأبعاد وبالتالي عدم قدرته على قياس الفوارق المتداخلة. ولتفادي هذه المشكلة يجب أن يكون قياس جميع البيانات المتعلقة بكل فرد مستمدة من مسح واحد غير أن ذلك مستحيل في الوقت الراهن).
فأهم ما جاء في هذا التعريف هو عبارة» توسيع الخيارات أمام البشر» فعندما تتيح للإنسان أن يطور قدراته ويتعلم مهارات جديدة ويحسن من أدائه الوظيفي ويكتسب فنون التعامل مع الناس وكيف يتغلب على ضغوط العمل فأنت تساعد هذا الإنسان على تنمية وطنه بإتقانه لعمله وتجويد أدائه بل وتفعيل ساعات عمله وهذا يساهم في الاقلاع الاقتصادي والنهضة الصناعية.
وعكس ذلك أن تهمل هذا الإنسان فتتركه فريسة لأمراض العجز والكسل والهموم والأحزان وفقدان الرؤية على اتخاذ القرارات الصائبة.
وعندما نتأمل في دعاء النبي «صلى الله عليه وسلم « الذي يستعيذ فيه من هذه الأمراض التي تعطل عجلة النمو الاقتصادي والمجتمعي نعرف مدى أهمية تنمية الفرد من أجل التأثير وهندسة الحياة والعيش بإيجابية وحركة داخل المجتمع يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحَزَن والعَجْز والكَسَل والبُخل والجُبن وضَلَع الدَّين وغَلَبَة الرِّجال).
فهذه الأمراض إذا ما انتشرت في مجتمع دمرته فانتشار الأمراض النفسية كالاكتئاب والهموم والأحزان لعدم امتلاك القدرة على التغيير والتأثير والخوف من مواجهة الحياة والبخل المادي والمعنوي أي فقدان القدرة على العطاء والتضحية في سبيل الآخرين أي العيش في حدود الذات دون تطوع مجتمعي كل هذه الفيروسات تفقد الأفراد القدرة على الانجاز فيعيشون أمواتا في الحياة أجسادا بلا أرواح.
يقول مايكل هيبيل خبير تطوير الذات:(معظم الناس يتركون جودة حياتهم للمصادفة البحتة وهذا خطأ كبير، من الشائع هذه الأيام أن يتحدث الناس عن تحقيق ما يسمى بـ «توازن العمل والحياة « ولا أستطيع أن أمنع نفسي من التفكير في أن ذلك الزعم يفترض ضمنا أنك إذا حاولت أن تكون رائعا في جانب من جوانب حياتك فإن بقية الجوانب سوف تعاني وتتضرر من ذلك ،مما يجعلك تحتاج إلى «موازنة « الأمور ولقد بدا لي دائما أن هذه الفكرة مجافية للمنطق تماما حيث إنني أومن بأنك تستطيع أن تعيش حياة رائعة في كل جوانبها طالما أنك تعرف كيف تتعامل مع كل جانب بالشكل الذي يضمن لك الحصول على النتائج التي تستحقها.
وسوف يظهر لك هذا وبخطوات بسيطة وباستخدام أداة فعالة -تسمى عجلة الحياة-).
ومعنى ذلك حسب مايكل هيبيل أن التنمية الحقيقية وجودة الحياة تتضمن سبعة جوانب في «عجلة الحياة»:
1-الجانب الصحي.
2-الجانب العائلي.
3-الجانب المالي.
4-جانب العلاقات.
5-جانب الإسهام.
6-جانب الرؤية.
7-الوضع الوظيفي.
8-التنمية الشخصية.

فالتنمية البشرية تهدف إلى إحداث توازن في حياة الفرد بين الجوانب الثمانية التي ذكرناها وهذا التوازن مهم حتى تسير عجلة الحياة إلى محطات الأمان.

2-أهمية التنمية البشرية في الإقلاع الاقتصادي:

ويذكر الباحث أحمد مصطفى أهمية التنمية البشرية في التنمية الاقتصادية فيقول:
( تشير الأدبيات وتجارب التنمية إلى أن رفع معدلات النمو المستديم يتم عن طريق زيادة الطاقة الإنتاجية والاستثمارات في الأصول الملموسة وغير الملموسة (مثل الابتكار والتعليم والتدريب)، وهو ما يشكل مركزا لتحقيق أهداف رفع الإنتاجية ومستويات التشغيل على آماد طويلة.
كما أن تعليم المرأة له أثر هام على النمو الاقتصادي حتى إذا لم يتم توظيف تعليمها في الحياة العملية، حيث أن المرأة الأفضل تعليما تؤثر في أطفالها تأثيرا يفوق بكثير تأثير الآباء في مجالات الصحة والتغذية).
وعندما تعتني الدولة بصحة مواطنيها بالكشف الصحي الدوري وبنوعية الغذاء الذي يتناوله الفرد فهذا يساهم في النمو الاقتصادي من خلال رفع الإنتاج وفعاليته.
فالصحة تؤثر إيجابيا على النمو الاقتصادي من خلال إنتاجية العمل ومن شأن تحسين الصحة والسماح للعامل بكفاءة أكبر، وزيادة كمية فعالية ساعات العمل، وخفض احتمال التغيب عن العمل، ومن شأن تحسين الوضع الصحي أيضا زيادة الحياة وبالتالي إطالة متوسط سن العمل الذي من شأنه أن يشجع الاستثمار في التعليم.
لأن العائد على الاستثمار في التعليم هو أعلى فعالة مع أطول وقت للعمل ومن شأن كل هذه القنوات أن تؤدي إلى تحسين الإنتاجية في العمل مما يؤدى إلى النمو الاقتصادي.
وتعليم الإنسان بعض المهارات كمهارة التواصل مع الغير تجنبه كثيرا من النزاعات والصراعات داخل مؤسسة العمل مما يجعل المؤسسة مستقرة لا إضرابات ولا انقلابات ولا أحقاد بل كل فرد داخل المؤسسة يفكر كيف يطور مؤسسته والنهوض بها.
وغرس التفكير الإيجابي لدى الإنسان سواء أكان موظفا أو رب أسرة أو مدير مؤسسة يساعده على النظر إلى الأمور بتفاؤل والتركيز على النقاط القوة الموجودة مما تسمح له في المساهمة الفعالة والإيجابية داخل المجتمع فانتشار التفكير السلبي والعجز والتواكل والنظرة السوداوية للأحداث تؤثر في قرارات الإنسان وتصيبه بالإحباط والتشاؤم والسلبية.
فعلى الدول الراغبة في النهوض الاقتصادي والثقافي أن تركز على بناء الفرد بالتعليم الجيد والرفيع وتطوير قدراته وإبراز مواهبه وإبداعاته من أجل نهضة متواصلة كما فعلت اليابان وسنغافورة وماليزيا وتركيا بعدما كانت دولا متخلفة صارت بفضل تطوير الإنسان وتنمية قدراته دولا عظيمة مؤثرة رغم أنها لا تملك في كثير من الأحيان الموارد البشرية كما تملكها دول العالم الثالث الزاخرة بالثروات المادية والفاقدة للثروة التنموية المتمثلة في الإنسان الحر المتعلم الذي يملك خياراته وقراراته.

كاتب متخصص في التنمية البشرية

جوهر التنمية البشرية في تفجير طاقات الإنسان

شدري معمر علي

iNewsArabia.com > أخبار مختلطة > القدس العربي
جوهر التنمية البشرية في تفجير طاقات الإنسان,