أفضل 10 أفلام سينمائية في 2012 (ملف خاص)

كتب يوسف إدريس في عام 1964 ثلاث دراسات قَصيرة حملت اسم «نحو مسرح عَربي»، حاول من خلالها أن يُنشئ مَشروعاً مسرحياً يَعتمد بالأساس على «خَلق هوية مُرتبطة بالتراث العربي»، كأن تُقدّم أشكالاً للسرد والحَكِي تستغل فيها ما كان الناس في الشرق يقومون به قَديما قبل معرفة قواعد المسرح، كحكايات الأراجوز مثلاً، وتُتيح تفاعلاً ما بين المُمَثّل والمُتلقّي. نجح «إدريس» في مسرحياته التي حاول من خلالها خَلق «الهوية المسرحيَّة» التي يَطمح إليها، أحيانا وفشل في أحيان أخرى، لكن بَقَت الفكرة في النهاية. بعد قرابة النّصف قَرن.. قامت ثورة شعبيَّة في مصر، بدا أن كل ما ألفه الناس في حياتهم لعقودٍ يَجب أن يتغيَّر، ورغم أن ذلك لم يحدث في الكثير من الجوانِب، فعلى الأقل من المُهم أن يحدث في الفن.. كرهانٍ ما على ما يُغيّر في وجدانِ النّاس ويُشكّل وَعيهم ويُعبّر عنهم. كان هُناك «وصايا للسينما الإيرانية» يُطرح من خلالها التساؤل عن هويتنا السينمائية في المُقابل: «كيف استطاع السينمائيين الإيرانيين بعد ثورة شعبية وظرف سياسي مُضطرب شَبيه بما يحدث في مصر الآن أن يخلقوا شكلاً مميزاً ومختلفاً يعبر عن بلادِهم بشكلٍ حقيقي؟ وكيف استطاعت إيران دون دَعم رَسمي وخلال عقدين فقط أن تُصبح من أهم الدّول التي تُشارك بشكلٍ دَوري في المهرجانات السينمائية الكبرى؟ بل وتفوز في عدَّة مرات تاريخية بفضل فنانيها فقط؟، كيف تحوَّلت الحكايات الصَّغيرة والتفاصيل المُتناثرة والملامح العاديَّة لممثلين غير مُحترفين إلى سينما مُلْفِتَة وأفلام عَظيمة رغم الكَمّ الضخم من التضييقات السياسية والشعبية على الفن؟»، لم يكن السؤال حينها: «كيف نَتبع النموذج الإيراني في السينما؟» ولكن «كيف نَخلق نَموذجا مصريا يُعبر عنّ هويتنا؟»، أو بتعبير يوسف إدريس: «كيف نَسير نحو سينما مصريَّة؟».. تتجاوز ذلك التَّغريب المُستمر في الحكايات وطُرُق سردها وحتى أشكال مُمثليها، وتَحفر قليلاً في شيءٍ قد يُسمّى بـ«الهويَّة». وراء ذلك السؤال الكبير هناك ألف سؤال آخر: كيف يُمكن أن نستغل الثورة التكنولوجية الضخمة التي جرت في العالم خلال الأعوام الأخيرة وجعلت إنتاج الأفلام أسهل كثيراً من ذي قبل؟ هل نحن بحاجة إلى نجوم شباك وطموحات تجارية مُعقّدة كي نخلق «أفلاماً جيّدة»؟ في مصر الآن 10 أسماء لصناع سينما من جيلٍ شاب يُمكن أن يصنعوا فارقاً ضخماً في مسار السينما هُنا.. ووراءهم مِئات الشباب المُحِب والشَّغوف والمُتحمّس.. كيف يُمكن أن يستند هؤلاء على بعضهم «كجبلٍ يَرسي فوق جَبل» كي يصبحوا «جيلاً» ويتمكنوا من مُواجهةِ الواقع بالخيال؟ وما هي الطرق التي يمكن بها مُواجهة الكيانات السينمائية المُتوحّشة في مصر –شركات التوزيع تحديداً- التي تتحكَّم في مسارات الأمور بشكلٍ مُجْهِض للأحلام؟. إلى جانب كل ذلك.. كيف يمكن أن تكون «الكتابة عن السينما» جزء من الصناعة السينمائية والعملية الإبداعية ذاتها؟ أن يكون الأمر أقرب لشركاءِ خيال في هَمٍ مشترك يخص السينما المصريَّة وليس دائرة مُفرغة يَقوم كل طَرف بدوره على الناحيةِ الأخرى من الآخر؟. أغلب، إن لم يكن، كُل الأسئلة غَير مُجابة فعلاً، من المُفيد طَرحها والتفكير فيها والشعور بـ«الذنب» بشأنِ حِراك سينمائي مُفترض لم يَحدث بشكلٍ حقيقي بعد.. وذلك قبل التجوُّل في حصاد عام 2012 وأفضل الإنتاجات السينمائية التي تركها.


Honorable Mentions (alphabetical):

The Avengers: واحد من «أمتع» الأفلام التي قدمتها سينما 2012، مُشاهدة «مارك رافالو» في دور «هالك» هو أحد الأمور المُفضَّلة هذا العام.

Bernie: «ريتشارد لينكلاتر» هو واحد من أعظم صُناع السينما في العصر الحالي، ومن أكثرهم قدرة على التفكير في الأفلام بشكلٍ مُختلف، إحياء قصَّة جرت في إحدى البلدات الصغيرة خلال الستينات من خلال شهودها يَصنع عملاً مُختلفاً بشدّة.

Ceasar Must Die: الفيلم الفائز بالدب الذهبي لمهرجان «برلين» هو واحد من أهم «التجارب» خلال السنوات الأخيرة، تقديم مسرحيَّة «يوليوس قيصر» عبر مجموعة من المساجين الحقيقيين، هناك بعض المشاكل وبعض الطاقات التي لم تستغل، ولكن مجملاً فإن فيلم الأخوين «تافياني» هذا قد استحوذ عليَّ إلى حدٍّ بعيد.

Rhino Seasons: «بهمان غوبادي» هو واحد من أهم صناع السينما في إيران خلال العقد الأخير، وبعد مشاكل عنيفة مع حكومة بلاده يسافر بعيداً ويقدّم أول أفلامه في تركيا عن قصةٍ حقيقية لشاعر سُجِنَ لثلاثين عاماً بعد الثورة فقد فيها كل شيء، «غوبادي» يَستنطق مشاعر الغربة والوُحْشَة والحُزن التي تربطه بالقصة التي يرويها، «قصيدة» حقيقية تَحْكِي السينما بالشّعر في واحد من أفضل الإنجازات البصريَّة خلال العام، فقط مشاكل النَّص وعثراته العنيفة في ثُلثه الأخير مَنعت تواجده في مرتبةٍ متقدمة.

Silver Linings Playbook: الفيلم الهوليوودي الذي يُقدّم مرة على الأقل كل عام، يَصِل هُنا إلى درجة عالية من اللُّطف بفضل «كيميا» اسثتنائية بين أبطاله، «برادلي كوبر» و«جينفر لورانس» و«روبرت دي نيرو» هم كل شيء بشأنِ هذا الفيلم، يجذبون انتباه المُشاهد عن الأحداث المتوقعة لنَص «ديفيد أوراسل» ويقدمون –ربما- «أفضل أداء جماعي» في فيلمٍ بـ2012.

أفضل 10 أفلام سينمائية لعام 2012:

(10)
Argo

الفيلم الثالث للمُخرج «بن أفليك»، والمُرشح الأوفر حظاً للتتويج بالأوسكار، هو في الحقيقة عمل رائع رغم مشاكل نَصُّه، وإن كان يُدين إلى شخصٍ بكل ما وصل إليه من مَديح فهو الأداء الإخراجي الرَّفيع من «أفليك» فقط.

قصة استخراج ستة رهائن من موظفي السفارة الأمريكية في إيران عقب قيام الثورة عام 1979، والتي حملت اسم «أرجو»، تتحوَّل إلى واحد من أفضل أفلام الإثارة في السنواتِ الأخيرة.

أكثر ما أقدره في هذا العمل هو أننا نَعلم في الحقيقة نهاية كل شيء منذ أول لحظة، نعلم أنه سيذهب إلى إيران بخطَّة تنفيذ الفيلم، وأنه سيواجه بعض المشاكل ولكنه سيتجاوزها ويخرج الجميع سالمين كي تُصبح حِكاية يُمكن أن تروى بعد أكثر من ثلاثةِ عقود على حدوثها، نحنُ نعلم ذلك بالضرورة، ومع ذلك نَجْلِس لنشاهد كل ما يحدث باستمتاعٍ وترقُّب، «بن أفليك» يتحكَّم في كل شيء، يتجاوز «قلة أحداث المُهمة» ذاتها بإنجازٍ كبير على مستوى الإيقاع، ويُراهن على بَث الإثارة والتوتر في فيلمه حتى اللحظات الأخيرة في إيران، والمُذهل أنه ينجح تماماً حتى عند إعادة المُشاهدة في جعلنا تَحت ضغط وخطورة ما يحدث.

«أفليك» يتبع «قِيَم هوليوود الكلاسيكية» بولاءٍ تام، في البناءِ والسَّرد وتَكوين البَطَل وتسيير الأحداث ، حتى في «الكليشيهات» العديدة التي يَمْتَلِئ بها وانفراجات اللحظات الأخيرة التي يُكررها دُونَ كَلَل، ولكن تلك «القِيَم» في النهاية كانت في أفضلِ صورها المُحتملة، ومع الوضع في الاعتبار المجهود البصري المَبذول هنا لخلق أجواء السبعينات.. والعناية الفائقة بتصميم فنّي بَديع كي نُلامس إيران أثناء الثورة.. والعَمل العَظيم على المونتاج وإيقاع الفيلم عبر مراحله .. ووصولاً إلى موسيقى «أليكساندر ديبلات» التي أضافت الكثير، فإن إنجاز «أفليك» الإخراجي يبدو واضحاً ومكانته بين مُخرجي العام تتجاوز قيمة فيلمه بينها حتى لو خَسِرَ ترشيحاً لأوسكار أفضل مُخرج في حادثة غريبة سيتم التندُّر بها لسنواتٍ بعد ذلك.

(9)
Holy Motors

هُناكَ مشاعر عدَّة قد تنتاب مُخرج يجلس في مَنزله لمدة 13 عاماً دون أن يقدمّ فيلماً جديداً: الاشتياق للسينما.. الغضب من عَصرٍ جديد بدأ ولم يَلْحَق به.. الحَنين لما كانت عليه الأمور قبلاً.. والحزن لما سارت إليه، وفوق كل هذا هو تساؤل صَعب عن ماهيَّة الفيلم الذي قد يعود به بين صنوف السينما المختلفة، الفرنسي «ليو كاراكس» يَخلِق فيلمه الجديد –والأول منذ عام 99- بناءً على كل هذا.

في مُستقبلٍ ذو صورة مُوْحِشة –دون أن يتم التركيز عليها- يَنتقل «كاراكس» مع بطله السيد «أوسكار» في «تسعة مهام» مُختلفة خلال يوم واحد، هي في الحقيقة «أدوار» يقوم بتأديتها وينتقل بينها في عوالمٍ مُختلفة: درامية.. موسيقية.. رومانسية.. جريمة.. خيال عِلمي.. وبالطَّبع «سيريالية» تَليق بكل الجنون الذي نراه.

مشاعر «كاراكس» طاغية جداً هُنا، ولذلك ففيلمه هذا عن «السينما» قبل أي شيء، يبدأ برجلٍ –يقوم بتأديته «كاراكس» نفسه لسببٍ واضح- يدخل إلى قاعة «سينما» ويقف بقربِ الضوء المُنبعث من آلة العرض قبل أن تبدأ أحداث الفيلم فعلياً، هو يُشير مُبكراً إلى أن كل ما سيحدث «تَمْثِيل» وعوالِم مُختلقة تماماً كالأفلام، لا يُفصح عن الكثير بشكلٍ محدد ولكنه يتركنا نتلمَّس التجربة كاملة، وأكثر ما أقدره فعلاً أن مع كل انتقاله لقصةٍ جديدة.. يستطيع «كاراكس» جعلنا مُنغمسين في نِصفها، قبل أن يجعل الصورة العامة في النهاية هجائية عَنيفة وحادَّة للمُستقبل والتطوُّر التكنولوجي الذي يحوّل كل شيء لآلات ويجعل العالم افتراضياً ويُجبر مُخرج بقيمته على الجلوس في منزله لسنواتٍ.

هذا واحد من أفضل الأفلام السيريالية التي قدمت خلال السنوات الأخيرة، قدرته في المشاهدة الأولى دون انغماس ولكنه استحوذ عليَّ تماماً لأيامٍ حتى شاهدته ثانيةً ولامست أكثر مقدار الشَّغف الذي يملأ مُخرجه اتجاه «السينما».. وحَلاوة أن يتركه يَفِيض هُنا دون أن يحاول إيقافه.

(8)
Life of Pi

بالرَّغمِ من «الخفَّة» التي طَبعت هذا الفيلم في بعضِ مراحله، تحديداً في تجاوزه للجانب القاسي من قصة رجل بقى في عرضِ البحر مع نَمِر لقرابة العام، ثم السهولة الشديدة التي وَصَلَ بها إلى شاطئٍ بعد ذلك –في مرحلة اختزاليَّة مُترنّحة من الفيلم- إلا أنه مَسَّني كثيراً في جانبٍ آخر منه.

هُناكَ فكرة إيمانية عَميقة عن «الله الذي يبقى دوماً بالجوار»، عن الأشياءِ السيئة –والسيّئة جداً- التي تَحْدُث دون أسباب واضحة، ويَقترب مِنّا القنوطِ في بعض الأوقات حين نتساءل عن جدوى ما يجري ولماذا لا يتحرَّك الإله نَحونا حين نُناجيه، بعدها.. بوقتٍ طال أو قَصِر.. نَستطيع أن نَرى كل شيء، الاختبارات التي تَصْلُب أرواحنا، و«الأفعال» التي نَقوم بها كـ«نتيجة» لمآسينا الشخصيَّة فتؤدي لأن نَتحرر من أشياء أو نكون أفضل في أخرى، والله فقط هو من يرى الأمر من البدءِ للمُنتهى. فيلم «أنج لي» هذا يُلامس ذلك تماماً بقيمةٍ أدبية رَفيعة في خِتام أحداثه، لم أقرأ رواية «يان مارتل» بعد ولكني أشعر بقيمته هُنا، كيف يَنسج كل شيء بهدوء ثم يَربطه في النهاية بقصةٍ تُصيب المَنطق الإيماني فعلاً: إن كُنت مؤمناً فأنتَ مع قصة النَّمِر والضَّبع والله الذي بقى بجوار «باي» ومَنحه الإشارات والطَّمأنينة في كل لحظة، وإن لَم تَكُن –هُناك تفسيرات إلحاديَّة مَتينة للرواية- فإن «الوَهْم الإيماني» يبدو خياراً مَفهوماً ومَلموساً بقوَّة.

قيمة أدبية واضحة يُلامسها «أنج لي» بحرفيَّة عَظيمة رغم مشاكل فيلمه، وإلى جانبها هُناكَ المَلهاة البصرية التي خَلقها طوال ساعتين عَرض، في أكثر الشَّرائط السينمائية –والبصرية- «أناقة» خلال العام.

(7)
Les Miserables

أكثر أفلام العام مشهديَّة، وأكثرها عاطفةً ربما، دائماً ما ارتبطت الأفلام «الكبيرة» في ذهني بما سيعيش منها معنا، دَعنا نتذكَّر: الافتتاحيَّة البَدِيعة للمساجين، مُناجاة «جون فالجان» لنفسه عند انتصار القدّيس لروحِه، إطلالة «فانتاين» الأولى في أغنية التراوح بين الخفَّة والثّقل «At The End of the Day»، ثم خلودها في الذاكرة مع «آن هاثاواي» وهي تَبلغ ذَروة كل شيء مع «I Dreamed a Dream»، صِدام «خافيير وفالجان» في المَشفي، قبل هروب الأخير مرةً ثانية لننتقل إلى باريس، كي نُقابل «جافروش»مع الافتتاحية العَظيمة vive le France، نتعرف على الشباب في Red and Black، وتَصل أوبرالية الفيلم وأسلوبه السينمائي إلى إحدى الذروات عند مشاركة الجميع في One Day More، قبل أن تبدأ الثورة.. فنَعْلَق بكل ثانية تَمر: الآمال العَظيمة، إحباطات الناس لهم/لنا، الإتكاء على أكتافِ الرّفاق، والوحدة إن رَحَلوا، الشعب الذي سيُغَنّي يوماً أغنية الرجال الغاضبين، وعَلَم الثورة الذي سَيَظلُّ عالياً رغم أي شيء.

شاهَدتُ ثلاث نُسخ من مسرحيّة «البؤساء» على «برودواي» بعد مشاهدة الفيلم، وعند العودة لمشاهدته ثانيةً تأكَّدتُ من مِقدار الحُسن الذي حَمله «توم هوبر» هنا، يُغامِر بقراره الجرئ أن يجعل الفيلم «أوبرالياً» -وليس موسيقياً- وبقراره الأجرأ أن يُغنّي الممثلين بداخل الأستوديو «حتى لا يفقدوا الإحساس بالشخصيات»، ويبدو ناجحاً تماماً بالنسبةِ لي.. إلى الحد الذي سيجعل الكثير من المشروعات الموسيقية تتأثر به في وقتٍ قريب، يَضَخ شُحنة عاطفيَّة قويَّة على مدار أحداثه، لا يُحاول التعمُّق إلى جوهِر شخصياته بقدر جعلنا نتعاطف معها كما نراها، ويُساعده على ذلك أداء كبير جداً من «هيو جاكمان» وعَظيم من «هاثاواي» التي تُقدّم واحداً من أقصر الأدوار التي سَتُخَلَّد سينمائياً، ثم التقاط دقيق لـ«روحِ الثورة» بعد ذلك.

مشكلتي الوحيدة مع الفيلم –إلى جانب بعض العُمق المفقود في تناول شخصيات مُعقدة كـ«جافير» و«فالجان» نفسه- أنه ينقسم بوضوح إلى قسمين: هناك «المُفتتح» وهُناك «الثورة»، وعلى عكس ما يحدث في الرواية فنحن لا نبدو مُهتمين فعلاً بمصائر شخصيات النصف الأول عند طُغيان الحدث على نصفه الثاني، ورغم ذلك فإن ما يُعوّض الأمر هو أن الجزئين عَظيمين فعلاً، بهم الكثير مما سَيَبقى.

(6)
This is Not a Film

السينما الإيرانية تستكمل وصاياها: حتّى السَّجن والمَنع والإقامة الجبرية لا يمنعوا إنتاج فناً، وفناً عظيماً.

لم أحب «جعفر بناهي» يوماً قدرما أحببته أثناء مشاهدة هذا الفيلم «الذي ليس فيلماً»، شغف استنثائي بالسينما، ومُلامَسَة حقيقية جداً لعلاقة رجل بفنه ووطنه عبر الوقوف أمام الكاميرا لقرابة الساعة يُحاول أن يحكي قصة فيلمه الجديد في صالة مَنزله، نُمارس معه المُحاولة، ونَشعر بغضبه حين يسأل عن جدوى ما يحدث، ونسترجع معه بعض الذكريات من أفلامِه السابقة كأننا نَجلس مع صديق عَزيز ونُحاول التَّخفيف عنه ولو بالسَّمعِ والمُشاركة، قبل أن ننظر إليه وهو يُشاهد مَدينته من فوق الدور الحادي عشر ويتساءل عن الباقي بينه وبينها: «ما هو السقف الذي تسمّيه وَطناً يا جَعفَر؟»

فيلم عَظيم عن السينما وعن الشَّغف وعن قَسوة المُجتمع وعن مأساةٍ غير مَنطوقة لمخرج يُقاوم قهره ويحاول أن يتغلَّب على حوائط غير مسموح له تَجاوزها، فيلم عَظيم بالتَّجربة وبأنَّكَ جُزءً منها: مشاهدتك فقط ستهوَّن على جَعفر وإعجابك سيجعله يَسعد بقدرته على الإخراج رغم تِلك الظروف.. كأنَّكَ تؤانسه من كُلّ هذا البعد وتخبره بأن لكل ما يحدث –على قسوته- مَعنى.

(5)
Looper

في المُشاهدة الأولى.. قدَّرت هذا العمل كثيراً، اعتبرته أفضل إنتاجات الخيال العِلمي في السنواتِ العشرة الأخيرة –تحديداً منذ فيلم Minority Report عام 2002- وواحد من أهم أفلام «الأكشن» بشكل عام، ورغم ذلك.. فإن المُشاهدة الثانية قد حَمَلَت تقديراً من نوعٍ مُختلف، أعمق وأبقى.

«ريان جونسون» يُحاول في فيلمه الثالث اكتشاف ماهيَّة الزَّمن، حقيقة الدوائر التي تَتَكرر دون أن تُغلق بشكلٍ حقيقي، يَسرد حكاية The Loopers الذين يعملون ضمن عصابة مُستقبلية لقتلِ الأشخاص، وينتهي عملهم حين يَقتلون ما سيكونون عليه بعد ثلاثين عاماً كي «يُغْلِقوا الحلقة»، ومع هروب «جو الكبير» -يقوم بدوره «بروس ويلس»- يُصبح على «جو الصغير» -«جوزيف جوردن ليفيت»- أن «يُواجه نَفسه» وقتل صورته المستقبلية من أجل الحفاظ على حياته في الحاضر، قبل أن ينتهي إلى خياراتٍ هي عَكْس كُل ما بدأ.

ما قدرته في المشاهدة الأولى كان الحَبكة المَعَمُولة جيداً وهَيبة فيلم خيال علمي جيد الصُّنع في وقت صار فيه نَدرة في الخيال، في المشاهدة الثانية كان ما قدَّرته فعلاً هو عُمقه الحقيقي: الزَّمَن.. الماضي الذي لا يُبارحنا ويحدد اختياراتنا طوال الوقت، «جو» الذي عاشَ حياته كلها غاضباً بسبب أمه التي تركته صَغيراً لينتهي مع تلك العصابة، وحين جاءه «الخيار» -ورغم أنانيته الظاهرة طوال الأحداث- فإنه مَنَح فرصة جديدة لـ«سيد» كصورةٍ صُغرى من نفسِه، ومَنَح حياةً لزوجة مُستقبلية لَن يرها مُطلقاً، «رأى الماضي كدوائر تدور وتدور» ولذلك فقد أغلقها.

السبب الآخر في التقدير الشديد للفيلم هي التناقضات الأخلاقية التي يَضَع فيها أبطاله، ويضعنا نحنُ بالضرورة: الزوج المُخلص الذي يتحوّل إلى قاتِل، المُدمن الأناني الذي يُضحي بحياته لغايةٍ أكبر، الطَّفل الذي يستحق فُرصة حقيقية ليكون شيئاً غير صانع مَطَر، والأم التي تُحاول «إغلاق دائرتها» والتكفير عما ارتكبته، من النادر فعلاً أن يحمل فيلم خيال عِلمي مثل هذا العُمق في بناءِ مَنطقه الأخلاقي ويُجبرنا على الوقوف أمام مشروعية «الوسيلة» مهما كان سُمُوّ «الغاية» ليلعب طوال الوقت على انتماءنا إلى أحدِ الجانبين.

هذا الفيلم سَيعيش طويلاً، وسيتحوَّل لاحقاً إلى واحد من كلاسيكيات سينما الخيال العلمي، حتى لو رآه البعض الآن «أخف» من ذلك.

(4)
The Master

في بداية الفيلم، يجلس «فريدي» في جلسة التأهيل النَّفسي بعد الحرب العالمية الثانية، يُحاول التهرُّب من سؤالٍ عن حُلمٍ يراه في منامه باستمرار، قبل أن يستسلم في النهاية: «كان حُلماً عن أبي وأمي وعنّي.. في الديار، كنا نجلس حول المائدة، ونَشرب، ونَضحك، ونوعاً ما ينتهي هُنا»، قُرب مُنتصف الفيلم يسأله «السيد» في مشهد عَظيم عن والده.. يخبره أنه مات سكراناً، «وأمَّك؟».. يتردد «فريدي» كثيراً كثيراً: «في مشفى للمجانين»، ذلك الأمر يَحكي الحكاية كُلّها.

نَحنُ ننتهي من الماضي ولكن الماضي لا ينتهي منَّا، «بول توماس أندرسون» يؤمن بذلك إلى درجة الثَّمالة، في فيلمه السادس ضمن مسيرة استثنائية لمخرجٍ شاب يتناول مُحاولة انعتاق روح من ألمِها وجنونها وماضيها، دراسة سلوكيَّة ونفسية عَظيمة جداً في شخصِ «فريدي»، الشاب الذي يَهرب من حبيبته خوفاً من جنونه.. يذهب إلى الحَرب ضمن خيارات عدة حمقاء بحثاً عن مَهربٍ.. قبل أن يَخرج مُحطَّمَاً ومُهتزاً ومهترءً بالكامِل، مُقابلة «السيد لانكستر» بالنسبةِ لـ«فريدي» كانت فرصة للتحرُّر من كل هذا، لا يأخذه بجديّة إلا عند لحظة الاختبار.. تِلك التي يُوَرّطنا فيها «بول توماس» تماماً: هذا الثُّقل الشديد في الماضي، ثم تِلك القطعة الهادئة لحُلمٍ مُتخيّل يعود فيه إلى «دوريس»، «فريدي» يخاف من نفسه، وحين يُخبره «لانكستر» في مرحلةٍ لاحقة أنه «الوحيد الذي يقبله» فإن ذلك يبدو حقيقياً تماماً، وقبول «لانكستر» هذا هو فرصة «فريدي» الوحيدة ليقبل نفسه ويتحرر من كل شيء، لذلك فهو لا يَقبل المساس بـ«السيّد».. ولا يحتمل الشَّك.. ويثور في ثلاثِ مرَّات على أيّ ممن يُشكك فيه، قبل أن يَذهب بعيداً لمرةٍ أولى ثم لمرةٍ ثانية، يحاول البدء من جديد، ويُنهي «أندرسون» الحكاية دون يَقين.. هو فقط يُتابع مُحاولة بطله.

هُناك العديد من التفسيرات للفيلم و«السيد» والأبعاد الفلسفية والتاريخية للحكاية التي تُسْرَد هِنا بجنون، وبعضها يبقى غامضاً بشدّة ويحمل تأويلات عدة، ولكن ذلك المسار الذي اتخذته شخصية «فريدي» هو الأمر الأساسي في مَكانة هذا الفيلم عندي بين أفلام العام، إلى جانب قيمته السينمائية الرَّفِيعة كأول فيلم على شريط 70 مللي منذ عام 1996.

«واكين فينيكس» و«فيليب سايمور هوفمان» يجسدان أفضل الأداءات الرئيسية والمُساعدة هذا العام، و«بول توماس أندرسون» يُبرهن من جديد على كونه صفوة مخرجي جيل التسعينات وامتداد لعظماء هوليوود القدامى، وأن كل فيلم جديد له هو «حَدَث سينمائي» يستحق الاحتفال والتأمُّل.

(3)
Amour

هُناكَ درس كبير نتعلمه ببطء في الحَياة، وهو أن التصوُّرات التي نَحملها عن سَير الأمور وطبائعها.. لَن تُوافق الواقع بالضرورة، لأن العالَم مكان صَعب للعَيْش، وقاسٍ أكثر من اللازم في الكثير من الأحيان.

خُذ مَثلاً، قصة عن رجل عَجوز في الثمانين من عمره يعتني بزوجته التي أصيبت بسكتةٍ دماغية، يبقى بجوارِها، يُمسك يدها طوال الوقت كي تعرف –حتى حينَ تغيب- أنه هُنا، يَجعل لأثرِ خمسين حَولاً أو يزيد من العِشرة والحياة سوياً مَعنى، تِلك قصة رومانسية للغاية، التصوُّر: كم أن هذا جَميلاً ورائعاً عن الحُب والوفاء، ولكن الواقع أصعب وأقسى من ذلك فعلاً، ماذا تعرف عن أوقات الألم، عن الأنينِ المُتقطَّع، عن غياب مَلامح الشَّخص القريب أمامَك كل يوم؟ ماذا تعرف عن بُطءِ الوقت؟ وعن يومٍ بطول 24 ساعة يتكرر إلى ما لا نهاية ولا يَحمل سَوى الموت؟، أنتَ لا تَعرف شيئاً عن كُل هذا، وبالتالي.. فالتصوُّرات لا مَعنى لها، يَنْبَغي أن تعيش لكي تَعلم.

طُوالَ شهور انتظرت فيها مُشاهدة فيلم المخرج النمساوي «مايكل هانِكه» الجديد «Amour»، الذي استقبل في مايو الماضي بعاصفةِ مَديح نقدية كبرى قبل أن يُتوَّج بالسعفة الذهبية لمهرجان كان، كنت أحمل هذا «التصوُّر»، وما إن شاهدته حتى «عِشت» الواقع، عَرفت حَقيقة الأمور.

هذا فيلم عَظيم عن الجوهَر الحقيقي للـ«حب»، وعن الخوفِ الشديد من الزَّمَن، «هانِكَه» يخاف فعلاً، من العجز ومن الوحدة ومن الاتكاء على الحوائِط والنَّومِ على الأسرَّة دونَ حَراك، ومن العُمر.. كعدوٍ يَختفي وراء كل هذا، طَويل البَال جداً، البطء هو ميزته الأساسية، «هانِكه» يجعلنا «نعيش» ذلك تماماً، يَحصرنا مع الزوجين العجوزين في الشقة التي تم فيها تصوير الأحداث كاملةً، بإيقاعِ فيه الكثير من بطءِ العَجائز، نَشعر بالأمور وهي تسوء في كُل دَقيقة أكثر من سابقتها، نَرى المرض وهو يُجهز على جَسد «آن» والخَوف يأكل روح «جورج»، ولا نَحْمِل – أو يَحملوا – سوى العَجز، وحين يَنتهي كُل ذلك.. ستكون قد عرفت الكَثير.. تجاوزت التصوُّرات ورأيت الواقع، وعَشَّشَت روحك في فيلمٍ.

(2)
Oslo, August 31st

في بداية عام 2012 كَتبتُ مُعالجة شِبة كاملة لفيلمٍ يَدور جانِب كبير من حَبكته عن الأطوار النفسية التي تَدفع شخصا ما لإنهاء حَياته. وفي نِهاية عام 2012 شاهَدت الفيلم النرويجي «أوسلو 31 أغسطس». شَعَرْتُ بأن قوساً قد أُغْلِق وحِكاية قد اكتملت هُنا. ورغم ذلك فإن هذا ليس السبب الوحيد لوجوده في تِلك المَكانة بين أفلام العام.. هو فيلم عظيم بغض النظر عن كل هذا.

أحد الأشياء التي أقدرها في السينما أكثر من أي فن آخر هو قدرتها على تحقيق «المُعايشة»، أمر ذكرته مراراً عن الفارق بين أن «تُشاهِد» فيلماً وأن «تَعيشه»، وبين كل الأفلام التي شاهدتها في حياتي.. «أوسلو 31 أغسطس» واحد من أكثرها قدرة على تحقيق ذلك، يَضعنا منذ بدايته في حكاية «أندرش لاي» الذي خرج من مصحَّة علاج الإدمان لأولِ مرة منذ عشرة أشهر، ثم يَتركنا معه في «أوسلو» خلال ذلك اليوم، لـ«نعيش» معه كل شيء، نُحاول الوقوف عمَّا تبقَّى له وما يُمكن أن يَستبقيه، قبل أن نرى الحياة وهي تَذْهَب منه ببطءٍ.

الفيلم عَميق جداً في اختصاره كل شيء خلال ذلك اليوم: الماضي الذي يَستعرضه في مشهدٍ طويل مع الصَّديق القديم.. الحُزن العَميق الذي يضرب في نفسِ «أندرش» وسأمَه الحقيقي من تكاليفِ الحياة، قبل أن نَخوض حاضره الذي يمتلئ بالعُزلة وعدم القدرة على المُقاومة.. مشهدي «مقابلة العمل» ثم «المَطعم» مُدهشين جداً في هذا الخصوص، وفي النهاية فهو وحيد ومنزوي ويعود –بمأساويَّة لا تُفصح عن نفسها- إلى الدوائر التي عاش شهور حياته الأخيرة مُحاولاً الهرب منها.

«يواكِيم تريه»، المُخرج الشاب الذي يُقدم فيلمه الثاني فَقط، يعرف الكثير عن الحُزن، وعن الخواطِر المَكسورة، يَعرف كيف يُمكن أن تُسلب الحياة من شُخوصِها، وكيف-في نهاية الطُّرق- يُعلق الناس بأملٍ لا يُريدونه أن يكتمل، «أندرش» كان لديه فُرصة أخيرة ليبدأ من جديد، تِلك الصورة الهادئة والبديعة للفتاة «ريبيكا» ولـ«أوسلو» في صباحٍ باكِر يُعطيان «الأمل» الذي يَحتاجه، ولكنه لم يعد يُريد ذلك فعلاً، «يواكيم تريه» يعرف -ضمن ما عَرِفه- أن الأمل مُرْهِق، وأن الحياة الطَّويلة مُتْعِبَة، وأن «أندرش» قد وَصل إلى درجة من الانكسار لا يُجدِي معها لَمْلَمَة روحه، لقد هَرِم. هَرِم. هَرِم. حتى لم يعد بحاجة إلى أي شيء إلا الصَّمت.

(1)
Moonrise Kingdom

يَحتاج الأمر أن تكون جزءً من «العائلة»، وقتها.. ستتفهم تماماً لماذا يتصدَّر هذا الفيلم القائمة.

لنحكي الحِكاية: «ويس أندرسون» مخرج أمريكي في عقده الرابع، يُحب ثلاثة أشياء: الألوان والسَّفَر والموسيقى الهِنديَّة، ومع بحث استمر طوال سنوات حياته الأولى وَجَدَ أن الشكل الفنّي الوحيد الذي يُمكن من خلاله أن يَجمع «شغفه» بما يُحب هو السينما.

مع صدور أول أفلامه عام 1996 بدا واضحاً أن ما يُقدَّم هنا هو مشروع سينمائي مختلف، «ويس أندرسون» يَجمع حوله مجموعة من الأصدقاء والفنانين يشاركوه مَحبته المُفرطة لبعضِ الأمور، يُكَوّن بهم ما هو أكثر من «فريق عَمل».. كانوا «عائلة».. «عائلة أندرسون» ، «نفس الحكايات والتفاصيل والشخصيات، أنا أحب ذلك وهم أيضاً، أعتقد أننا نقدم أفلاماً لأنفسنا، ونسعد كلما يَنضم إلينا آخرين من الجمهور خارجنا».

بعد 18 عاماً على الفيلم الأول، بدا أن «العائلة» قد اتسعت كثيراً، تحديداً مع الاستقبال الحافِل الذي لاقاه فيلم «ويس» السابع هذا، منذ عرضه الأول في مهرجان «كان»، ومروراً بكل شيء جرى بعد ذلك.

هذا فيلم عَظيم دون شروحات، التعريف الحقيقي للبَهْجَة هو مُشاهدة رحلة فتى الكَشَّافة «سام» مع حبيبته «سوزي» في البريَّة، والافتتان بكل تَفصيلة بصريَّة أو موسيقية يَمنحها «ويس» لحكايته، و«باليتة الألوان» التي لا تفارقه في كُل عمل جديد.

هذا رجل يخلق من أفلامه حياة يعيش بداخلها، تعليقات كل الممثلين أثناء وبعد التصوير تَكشف تماماً لماذا تَخرج الأعمال بتلك الروح، حديث «إدوار نورتون» عن «الرومانسية الشديدة التي خلقها ويس بين فريق العمل»، أو تشبيه «بروس ويلس» لصناعة الفيلم باعتباره «شغف شديد بالسينما ذكرني بحين كنا شباباً نسعى إلى تنفيذ الأفلام في حديقة المَنزل»، وصف البطل الصغير «جارد جيلمان» لما يحدث بأنه «رحلة كشَّافة حقيقية»، أو اختصار بطلته «كارا هايوارد» لكل شيء: «شعرت بالحزن عند انتهاء التصوير كأنني سأذهب بعيداً عن البَيت، كنا عائلة فعلاً».

أن تعيش حياتك كلها كفيلم كارتون طويل، وتقتطع فصولاً منها كل عدة سنوات لوضعه على شريط 35 مللي، وتعرضه على جمهور، تِلك هي سينما «ويس أندرسون»، قد لا يُحب البعض هذا، ولكن المؤكد أن الذين سيحبُّونه، سيصبحون عُشاقاً حقيقيين، ومع الوقت، مع مرور السنوات، مع تكرار مُشاهدة Rushmore و Royal Tenenbaums ، يُصبح هؤلاء جُزءً من العائلة، والكثير منهم سيضعون Moonrise Kingdom على رأس قوائمهم لأفضلِ أفلام عام 2012.

هذا المحتوى من «المصري اليوم».. اضغط هنا لقراءة الموضوع الأصلي والتعليق عليه.
iNewsArabia.com > ثقافة > البوابة
أفضل 10 أفلام سينمائية في 2012 (ملف خاص),