السيناريو المتفائل لمستقبل مصر

جمال أبو الحسن

السيناريو الأول : النكبة الممتدة

يشبه قيادة دراجة بلا كوابح على منحدر.

يرتكز هذا السيناريو على عدم قدرة أى طرف على تغيير الواقع بشكل جذرى. تستمر الأحوال على ما هى عليه لفترة طويلة، ربما لسنوات : أزمة سياسية مستحكمة، ولكن دون انفجار. أمن متردٍ من دون انفلات كامل. اقتصاد متهاو لا يفضى إلى مجاعات. مختلف الأطراف يتجنب الوصول إلى نقطة الانهيار، بما فى ذلك الأطراف الدولية. لا تُتخذ أى قرارات جذرية فى الاقتصاد. ينهار الجنيه أكثر. يصل عجز الموازنة والبطالة إلى نسب فلكية. ولكن دعم الخبز يبقى على حاله، وكذلك القسم الأكبر من دعم الطاقة (يمثلان معاً 20 مليار دولار).

تعيش مصر على المعونات المباشرة من دول غربية وبعض دول الخليج. بالكاد تبقى طافية. الغرب يخشى سقوط مصر. السقوط الكامل يعنى الانفجار. يعنى تدفق اللاجئين إلى المتوسط. يعنى أزمات سياسية مع دول الجوار. يضطر الغرب فى النهاية إلى إيجاد وسيلة ما لإبقاء مصر على قيد الحياة، وتجنب أزمة إنسانية وأمنية كبرى.

شيئاً فشيئاً يخفت الاهتمام العام بقضية الحكم الإخوانى والأخونة. ينصرف التركيز إلى معالجة أزمات خطيرة ومتكررة. يتراجع مستوى حياة المصريين بشدة. ينزلق الملايين من أبناء الطبقة المتوسطة إلى دائرة الفقر. تتفشى الجرائم الجنائية بشكل مفزع. تغرق محافظات فى الظلام لأيام. يضطر الجيش للنزول إلى مدن ومحافظات بشكل متكرر لحفظ الأمن والنظام العام، وأيضاً لحماية الأقباط من مذابح محققة. تتراجع سيطرة القوات المسلحة على الأطراف بسبب تشتتها فى مهام مختلفة.

تنتعش التيارات اليسارية والشعبوية والسلفية. يصبح الشارع ساحة لصراعات عنيفة. تفضل تيارات سياسية مختلفة العمل خارج الإطار الرسمى. يعتاد الناس مشاهد قمع المظاهرات. يصبح سقوط عشرة أشخاص قتلى فى مظاهرة خبراً عادياً. تزداد درجة ممارسة السلطة للقمع السياسى العنيف. بعض أفعالها يجد تأييداً شعبياً كعلاج للفوضى والاضطرابات.

هذا السيناريو ليس بعيداً عنا كما يبدو. هو أشبه بالوضع القائم فعلياً فى باكستان، حيث الدولة الضعيفة والمذابح الطائفية المتكررة، والمؤسسات المتصارعة.

اعتياد المصريين على حياة الاستقرار زمناً طويلاً يجعل من الصعب عليهم تصور الحياة فى ظل أزمات متكررة ومفاجئة. لديهم يقين بأن الوضع الحالى مؤقت وعابر. ولكن ماذا لو صار المؤقت دائماً؟.. ماذا لو بدأ الناس فى الاعتياد على التعايش مع الأزمات كحالة ممتدة ومستمرة.. كأسلوب حياة؟. هنا يتحقق سيناريو «النكبة الممتدة». يصبح انهيار الأحوال واقعاً يومياً.. يتعايش الناس معه.. يجدون سبيلاً ما لتقبله والتصالح مع استمراره.

السيناريو الثانى : السقوط المدوى

يشبه سقوط الدراجة فجأة فى حفرة عميقة.

السيناريو السابق متفائل، لا يتصور مجاعات أو قتلى. هو يفترض ثبات عوامل كثيرة. الواقع يحمل دائماً مفاجآت. ماذا لو أضفنا للمشهد السابق أزمات إقليمية وعالمية؟.. الأزمة السورية لن تنتهى قريباً. خبرات الحروب الأهلية تشير إلى ذلك. الأزمة تدفع اللاجئين للتدفق إلى الدول المجاورة بالملايين. لن يعود هؤلاء قبل سنوات. يتداعى الاستقرار الهش فى الأردن ولبنان. تستحيل المنطقة إلى كتلة من اللهب. أضف إلى هذا احتمالات أخرى مثل : ضربة إسرائيلية للمشروع النووى الإيرانية تزيد من أسعار المحروقات. موسم زارعى سيئ فى العالم يرفع أسعار الغذاء. مواجهة تخرج عن السيطرة بين إسرائيل وحماس، أو اندلاع انتفاضة ثالثة فى الأراضى المحتلة.

احتمالات مثل هذه قد تدفع بالأمور فى مصر إلى «نقطة الغليان». هنا تتحول النكبة الممتدة إلى انفجار «سقوط مدوٍ» يتردى الوضع الاقتصادى إلى مرحلة الأزمة الإنسانية. الحجم السكانى الهائل لمصر، وضعف هيكل الدولة لا يسمحان بالتعامل مع الأزمات واحتوائها. المجتمع ذاته ليس لديه قدرة على الصمود فى مواجهة الأزمة الممتدة. عند نقطة معينة يحدث الانهيار الكامل. قد يتخذ ذلك صورة انفجارات اجتماعية أو عنف أهلى واسع النطاق. قد تحدث أزمات غذاء حادة. قد تصبح الحدود ممرات مفتوحة يتدفق منها السلاح والبشر، فى الاتجاهين.

هل هناك سوابق لوضع مثل هذا؟.. حالات قليلة، على رأسها الصومال. هل يمكن أن يحدث هذا فى مصر؟.. أحيلك إلى تصريح وزير دفاع مصر حيث قال بالحرف الواحد : «إن استمرار صراع القوى السياسية قد يؤدى إلى انهيار الدولة». أنقل من تقرير الإيكونوميست الأخير عن مصر : «يعيش المصريون كما لو لم يكن هناك ساعة حساب، ولكن يبدو أن ساعة الحساب اقتربت».

هذا المحتوى من «المصري اليوم».. اضغط هنا لقراءة المقال اﻷصلي والتعليق عليه.
iNewsArabia.com > رأي > المصري اليوم | نمط الحياة