المسارات العربية

عمرو الشوبكي

شاركت الأسبوع الماضى فى ورشة عمل بأسطنبول حول مسارات التحول الديمقراطى فى العالم العربى، شارك فيها باحثون وسياسيون أمريكيون وأتراك وعرب، وكانت المقارنة بين مسارات تونس ومصر وليبيا وسوريا والأردن والمغرب حاضرة بقوة، خاصة أن الجرح السورى بدأ يأخذ حيزاً أكبر من النقاش، مع إمكانية حدوث تدخل عسكرى غربى قد ينجح فى التخلص من بشار الأسد، ولكنه لن ينجح فى حل مشاكل سوريا.

وقد بدأت مراكز الأبحاث الأوروبية والأمريكية تهتم بمسار ثالث فى العالم العربى بعد تعثر تجارب الربيع العربى واحتمالات تحولها إلى خريف- كما ترى بعض هذه المراكز وليس كلها- وهو مسار إصلاح النظم القائمة من داخلها، كما هو الحال فى المغرب والأردن والجزائر، ولذا كان حضور خبراء من الأردن والمغرب لافتاً فى هذه الندوة.

أما المساران الآخران فكانا مصر وتونس من جهة، وتركز الحديث عن تجربة الإخوان فى الحكم، وليبيا وسوريا من جهة أخرى، ودار الحديث عن العنف والتدخل الخارجى، فى حين رأيت أن الفارق الأساسى بين المسارين هو أن فى الأول لم تنهر الدولة وغابت المهمة الرئيسية فى إصلاحها، فى حين أن فى ليبيا انهارت الدولة التى لم تكن موجودة من الأصل، وفى سوريا سيكون انهيارها مدمراً، لأنها ستقسم الجيش وتفتته.

والمفارقة أن فى ليبيا كان عدد الميليشيات التى حاربت نظام القذافى حوالى 30 ألفاً، وكان عددهم عشية انتصار الثورة حوالى 100 ألف، ووصلوا الآن إلى حوالى 240 ألفاً، وهو رقم فلكى فى بلد لا يتجاوز عدد سكانه 6 ملايين، وهو خطر كبير، كما أكد محمود جبريل، رئيس المجلس الوطنى الليبى، أثناء حديثه عن صعوبات الوضع السياسى هناك، بعد أن كان يتصور ومعه كثيرون فى مصر أن البناء من «الصفر» أسهل من إصلاح القديم أو إعادة بنائه، كما هو الحال مع مؤسسات الدولة المصرية- عدد العاملين فى القطاع العام المصرى أكبر من عدد سكان ليبيا- واكتشف الجميع أن الموضوع ليس بسيطاً ولا سهلاً حتى لو كان فى دولة غنية ومحدودة السكان مثل ليبيا.

أما المسار التونسى، فرغم الصعوبات التى يواجهها، فهو مسار يدعمه الأوروبيون ومتأكدون من نجاحه، وغير مهتم به كثيراً الأمريكيون، وهو نموذج، رغم مشاكله، يختلف عن مصر ومتقدم عليها من زاويتين: الأولى فى المسار السياسى الذى بدأ بانتخاب جمعية تأسيسية لكتابه الدستور، وسلطة تنفيذية تتقاسمها أحزاب ثلاثة، هى «النهضة، والمؤتمر من أجل الجمهورية، والتكتل من أجل العمل والحريات»، وهو الأمر الذى جعل هناك توافقاً بين ممثلى هذه القوى، وجعل مستشار الرئيس التونسى العلمانى يدافع عن المسار التونسى مثله مثل ممثل حزب النهضة، على عكس الحالة المصرية التى لا يمكن أن يتفق فيها أحد فى الحكم مع أى من ممثلى القوى المعارضة من حزب النور، مروراً بمصر القوية وانتهاء بجبهة الإنقاذ، نتيجة سياسة الإقصاء والهيمنة التى تمارسها الجماعة الحاكمة.

الزاوية الثانية أن فى تونس حزباً ينتمى لمدرسة الإخوان اسمه «حركة النهضة»، ولديه أغلبية فى المجلس التأسيسى، ولا توجد جماعة غير قانونية تحركه من وراء الستار اسمها جماعة الإخوان المسلمين، كما هو الحال فى مصر، ويوجد رئيس واحد لحركة النهضة هو راشد الغنوشى، ولا يوجد له مرشد ولا نائب مرشد ولا مكتب إرشاد يصدر له كل يوم أوامر مطلوب منه أن يسمعها ويطيعها.

مسارات التغيير وبناء الديمقراطية فى العالم العربى ليست سهلة، ومصر بعد أن كان التفاؤل بها كبيراً، تراجع بصورة مذهلة الآن دون أن يعنى ذلك فقدان الأمل فى بناء نظام ديمقراطى جديد.

[email protected]

هذا المحتوى من «المصري اليوم».. اضغط هنا لقراءة المقال اﻷصلي والتعليق عليه.
iNewsArabia.com > رأي > المصري اليوم | نمط الحياة