حُلم «التأمين الصحي الشامل» لا يتحقق في دولة فاشلة

طارق الغزالي حرب

لم أندهش وأنا أقرأ فى الصفحة الأولى لصحيفة الأهرام منذ عدة أيام تصريحات وزير المالية بحكومة الإخوان أمام مجلس الشورى الذى يتبع أيضاً جماعة الإخوان، وهو يستعرض الخطوط العامة لموازنة العام المالى 2013 – 2014، ويؤكد على ضرورة الالتزام بتقديرات الموازنة التى قدمها دون تجاوزها، حيث إن العجز الكلى المُقدر يصل إلى ما يقرب من المائتى مليار جنيه.. ولكنى صُدمت من قوله إن الموازنة لم تتضمن أى بنود لتطبيق نظام التأمين الصحى الشامل الذى وعد به الأخ مرسى، عضو الإخوان فى برنامجه الانتخابى والذى على أساسه فاز بكرسى الرئاسة.

لقد سئم الناس ويئسوا من أن شيئاً يمكن أن يتغير بعد تكرار الحديث عن هذا التأمين الصحى المزعوم لسنوات طويلة امتدت من نهايات عصر مبارك البائد وحتى عصر مرسى البليد.. فالشعب لم ينس أنه فى تمثيلية انتخابات الرئاسة عام 2005 وضع الرئيس المخلوع لافتة «إنشاء نظام تأمين صحى شامل» كأحد أهدافه الرئيسية التى سوف يسعى لتحقيقها فى فترته الرئاسية التى قاربت على الانتهاء عند قيام الثورة الشعبية عليه وعلى نظامه الفاسد ومُخططه لتوريث الحكم، وبالطبع لم تتحقق خطوة جادة واحدة لتحقيق الهدف الذى وعد به، واقتصر الأمر على اجتماعات وسفريات أنفقت عليها أموال طائلة ومحاولات تجريبية فاشلة فى إحدى المدن المصرية.

كان ذلك كله طبيعياً لأن النوايا لم تكن مخلصة، وصحة عموم الشعب المصرى لم تكن يوماً فى حسبان أحد، طالما أن هذا الشعب البائس المٌستكين يدفع صاغراً ما يقرب من 80% من جملة ما يُنفق على الصحة فى مصر من جيوب أبنائه حتى الفقراء منهم!. بعد الثورة دخلت البلاد فى منعطف جديد سُمى الفترة الانتقالية.. وللأسف طالت هذه الفترة، ولكن نقطة ضوء ظهرت وسط ظلام التجاهل لمنظومة الصحة فى هذا الوقت، تمثلت فى قرار وزير الصحة الأسبق د. أشرف حاتم بتشكيل لجنة قومية من الخبراء المهتمين فعلا بتصميم نظام تأمين صحى اجتماعى شامل، يضمن للمواطن المصرى أياً كان، حقه فى تلقى العلاج المناسب بكفاءة وسهولة وكرامة، كجزء أصيل من تحقيق أهداف الثورة فى العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية.

استمر عمل هذه اللجنة التى شارك فى عضوينها شخصيات من مختلف الأطياف والرؤى السياسية مع تعاقب وزراء الصحة الأساتذة الدكاترة عمرو حلمى ثم فؤاد النواوى ومحمد مصطفى فى الوزارات الإخوانية التى تشكلت بعد اعتلاء الأخ (باعتباره من الإخوان) مرسى كرسى الرئاسة.

لقد انتهت اللجنة- التى ضمت أيضاً خبراء من وزارة المالية والتأمينات الاجتماعية ووزارة العمل- من عملها بعد اجتماعات أسبوعية على مدى عامين، وأعدت مسودة متكاملة لقانون جديد للتأمين الصحى الاجتماعى الشامل يحقق أقصى قدر من الأمان الصحى للمواطنين، وبذلت اللجنة أقصى جهد ممكن للحوار المجتمعى حوله مع نقابات العمال والفلاحين والعديد من النقابات المهنية، وأعدته للمناقشة الجادة مع مجلس نواب محترم مُنتخب على أسس سليمة لأخذ الرأى حوله من ممثلى الشعب الذى لم يحصل يوماً طوال تاريخه على الرعاية الصحية السليمة.

بالطبع فإن المشروع الطموح يحتاج تطبيقه إلى فترة انتقالية يُعاد فيها ترتيب البيت الطبى وإعادة هيكلة المنظومة الصحية بما يضمن خدمة تأمينية بجودة عالية، ويحتاج بلا شك إلى تدبير مصادر تمويل كافية، فإذا بنا نُفاجأ برئيس الوزراء التائه يُصرح بأن نظاماً جديداً للتأمين الصحى الشامل سوف يبدأ تنفيذه أول يوليو القادم فى خمس محافظات دون أى مقدمات توحى بالإعداد الجاد لمشروع قومى عظيم، وإذا بوزير ماليته يصرح بأنه لم يتم تخصيص أى مبالغ للبدء فى مشروع التأمين الصحى، وإذا بالميزانية المخصصة لوزارة الصحة فى عهد الإخوان لا تختلف عما كانت عليه فى عهود الفساد وإهمال المواطن المصرى وما يهمه فعلا، وإذا بمجموعات الأطباء الشبان الشجاعة التى تعمل بعيداً عن السيطرة الإخوانية على نقابتهم تكشف للرأى العام تراجع الرئيس الإخوانى عن كل ما تعهد به بشأن ميزانية الصحة وكادر الأطباء، ليستمر الحال على ماهو عليه من نظام سيئ إلى نظام أسوأ! لا غرابة إذن ولا اندهاش من استمرار نفس سياسة الكلمات والتمثيليات والضحك على الذقون التى كان يتبعها النظام الساقط، من أجل تمرير مشروع «التمكين» بديلا عن التوريث هذه المرة.. لك الله يا شعب مصر وأعانك على استمرار ثورتك حتى تستردها وتحقق أهدافك فى العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية.

هذا المحتوى من «المصري اليوم».. اضغط هنا لقراءة المقال اﻷصلي والتعليق عليه.
iNewsArabia.com > رأي > المصري اليوم | نمط الحياة