سيادة المحافظ ماتت أمي

مصطفى النجار

لم أكن أعرف أن الموت قد يطاردنا داخل بيوتنا بسبب الإهمال والاستخفاف بصحة الناس وحياة البشر، صارعت أمى هموم الحياة وقاومتها كثيراً وظلت تحتمل من أجل بناتها الثلاث الذين توفى والدهم وهم فى عمر الزهور وترك أمهم تعمل وتكد من أجل استكمال تعليمهن، لم تقصر والدتى معنا فى شىء ومضت بنا مسيرة الحياة نتقلب بين يأس وأمل وحلم وعمل ونقدم نموذجاً للأسرة المصرية المناضلة التى تتكيف مع كل الظروف من أجل أن تعيش.

وشاءت أقدارنا أن ننتقل للسكن فى منطقة الحى العاشر بمدينة نصر بجوار مدفن قديم للقمامة أخبرنا جيراننا أنه تم إغلاقه بسبب تلويثه وضرره للمنطقة السكنية التى يقع فى قلبها، ولكن الحقيقة أنه لم يغلق أبداً فمع كل مساء تبدأ ألسنة اللهب فى الاشتعال، حيث يقوم بعض من يطلق عليهم الفريزة من العاملين فى مجال جمع القمامة وفرزها فى حرق أكوام القمامة لتنبعث منها غازات وأبخرة وروائح كريهة تقتحم بيوتنا وترغمنا على استنشاقها بآثارها السلبية المدمرة التى تسببت فى مرض أطفالنا بكثير من الأمراض الصدرية الخطيرة وعندما استغثنا بالحى التابع له المنطقة قال لنا المسؤولون إنهم لا يستطيعون منع ذلك وعليكم الاتصال بالشرطة، وقمنا مراراً بالاتصال بالشرطة ولم يُجِبْنا أحد،

وقال لنا بعضهم إن الشرطة لا تستطيع منع هؤلاء لأنهم مسلحون والتعامل معهم سيلحق خسائر فادحة بالشرطة وإخلاء المنطقة من هؤلاء يحتاج إلى تدخل الجيش وليس الشرطة، حاولنا أن نتكيف مع الوضع المأساوى ولكن كانت المشكلة تتفاقم يوماً بعد يوم واضطررنا أكثر من مرة لاستدعاء المطافى لإخماد الحرائق المستمرة، وفى ليلة حزينة قام هؤلاء بحرق كميات هائلة انبعثت معها كميات هائلة من الأبخرة والدخان الكريه الذى تسلل لبيوتنا وتسبب فى إصابة أمى بضيق فى التنفس واختناق مؤلم أدى لإغمائها وقمنا بنقلها للمستشفى لإنقاذها ولكن وافتها المنية وأخبرنا الطبيب أن رئتها لم تحتمل كل هذا وفارقت أمى الحياة.

نعم سيدى المحافظ ماتت أمى وسيلحق بها آخرون إن لم تتحرك وتحمى حياة الناس الذين هم فى رقبتك أمام الله لأنك مسؤول عنهم بحكم منصبك، كم من مصرى يموت لأن هناك مسؤولا لا يقدر حجم الخطر الذى يلاحق المواطنين، كم من كارثة يعانى منها الناس ولا يجدون من يسمع لشكواهم ولا من يغيثهم.

أكتب إليك هذه الرسالة ولا أعرف هل أدعو لك أم أدعو عليك أنت وكل مسؤول فى هذا البلد لم يضع حماية أرواح الناس على رأس أولوياته، أبرئ ذمتى أمام الله حتى لا أكون شريكة فى هذا الإثم إن سكتّ عن هذه المأساة، وأذكرك قبل أن تنام كل ليلة، ماتت أمى وقد يموت آخرون فماذا أنتم فاعلون.. مواطنة مصرية.

هذا المحتوى من «المصري اليوم».. اضغط هنا لقراءة المقال اﻷصلي والتعليق عليه.
iNewsArabia.com > رأي > المصري اليوم | نمط الحياة