مهرجان الاستقالة للجميع!!

حسن نافعة

لا أحد يعرف بالضبط حقيقة الأسباب التى حدت بالدكتور محمد مرسى لتعيين 22 مستشاراً له دفعة واحدة بعد أسابيع قليلة من تقلده منصب الرئاسة. أغلب الظن أن هذه الخطوة تمت فى سياق محاولة لترجمة إحدى الأفكار التى نوقشت فى «مفاوضات فيرمونت» حول الشروط التى يتعين على الرئيس المنتخب أن يلتزم بها كى يصبح رئيساً لكل المصريين، وليس مندوباً عن جماعته أو عن حزبه السياسى فى الرئاسة.

ويتلخص فحوى هذه الفكرة فى ضرورة تخلى الرئيس المنتخب، أياً كان حزبه أو جماعته، عن «النهج الفردى» واعتماد «النهج المؤسسى» فى عملية اتخاذ القرارات على جميع المستويات، خاصة على المستوى الرئاسى، ضماناً للانتقال من «دولة الفرد» إلى «دولة المؤسسات». ولوضع هذه الفكرة موضع التطبيق، تم الاتفاق فى مفاوضات فى فيرمونت على أن يقوم الرئيس المنتخب:

1- بتعيين ثلاثة نواب له: أحدهم يمثل الأقباط، والثانى يمثل المرأة، والثالث يمثل الشباب.

2- وبتعيين عدد كافٍ من المستشارين الأكفاء لدراسة البدائل المتاحة، كل فى مجال تخصصه، كى يتسنى له الاختيار من بين هذه البدائل قبل الإقدام على اتخاذ أى قرار، وذلك فى ضوء ما قد يتيحه كل بديل من فرص يتعين انتهازها وما قد يترتب عليه من مخاطر أو محاذير يتعين تجنبها.

بوسع القارئ الكريم أن يلاحظ على الفور أن الدكتور مرسى لم ينفذ الشق الأول من هذه الفكرة، لكنه لم يتراجع عنها كلية فى الوقت نفسه، مكتفياً بمحاولة الالتفاف عليها بتعيين «مساعدين» بدلا من «نواب». أما بالنسبة للشق الثانى، فبإقدام رئيس الدولة على تعيين 22 مستشاراً دفعة واحدة، بدا للوهلة الأولى حريصاً على تنفيذ ما تم الاتفاق عليه وربما متحمساً له أيضاً. غير أن تلك الخطوة لم تكن فى الواقع سوى الجزء الظاهر من جبل الثلج قصد به الإيحاء بأن رئيس الدولة المنتخب يسعى بالفعل للانتقال بمصر من حكم الفرد إلى دولة المؤسسات.

أما الجزء الغاطس منه فكان يشير إلى شىء آخر مختلف تماماً تنسج خيوطه علاقة شديدة التعقيد بين رئيس دولة جاء عبر صناديق الانتخاب وعليه أن يصبح رئيساً لكل المصريين، لكنه نشأ فى جماعة دينية تربى أعضاؤها على فكرة الولاء والطاعة لمرشد قام بنفسه بمبايعته. ورغم أن كثيرين كانوا على قناعة تامة منذ اللحظة الأولى بأن ولاء الرئيس الجديد لا يمكن أن يكون للجماعة قبل أن يكون للوطن أو للدولة، فقد كان الكل على استعداد لمنح التجربة على أرض الواقع الفرصة كاملة لإثبات أو نفى هذا الافتراض. وهذا هو ما حدث بالفعل.

فلدينا الآن قائمة طويلة بقرارات رئاسية تبين فيما بعد أن الرئيس اتخذها دون تشاور مسبق مع أى ممن كان يفترض أن يتشاور معهم بشأنها: لا مع وزرائه ولا مع مستشاريه ولا مع مساعديه ولا حتى مع نائبه الوحيد. ولدينا الآن كذلك قائمة استقالات طويلة لم تقتصر على «المستشارين» وحدهم، وإنما شملت نائب الرئيس، وأحد مساعديه، وأغلبية ساحقة من المستشارين الذين لم يتبق منهم سوى خمسة أو ستة مستشارين ينتمون جميعاً إلى الإخوان وحلفائهم. بعض من قدموا استقالاتهم آثروا الرحيل فى صمت، بينما أصر البعض الآخر على تقديم استقالات مسببة، بعضها موجز وبليغ وبعضها الآخر مطنب ومفصل، لكنها جميعاً على معنى واحد، وهو أن الرئاسة لم تتحول بعد إلى مؤسسة، بل ولا يديرها الرئيس بنفسه.

لذا فإن الاستنتاج الوحيد الذى يمكن استخلاصه من مهرجان الاستقالة للجميع هو أنه من الصعب على رئيس تربى فى جماعة تقوم على السمع والطاعة وتدين بالولاء لمرشد بايعه بنفسه أن يصبح مستقلاً فى قراراته. لذا يمكن القول إن مؤسسة الرئاسة انصهرت فى مكتب الإرشاد، ومن ثم فلم يكن هناك مفر من رحيل كل المستشارين من خارج الجماعة.

هل معنى ذلك أن التفاوض مع الدكتور مرسى فى فندق فيرمونت كان بلا جدوى، وأن من ذهبوا إلى هناك لم يكونوا سوى مجموعة من «السذج»؟ لا أعتقد ذلك. ولأن هذه النقطة لاتزال تثير الكثير من الجدل، ومن اللغط أيضاً، أظن أنها بحاجة إلى توضيح، نأمل أن نتمكن من القيام به غداً إن شاء الله.

هذا المحتوى من «المصري اليوم».. اضغط هنا لقراءة المقال اﻷصلي والتعليق عليه.
iNewsArabia.com > رأي > المصري اليوم | نمط الحياة