تشومسكي على رأس منظّري الحداثة

فعالية البنية العميقة في مستويات التحليل النحوي

تشومسكي على رأس منظّري الحداثة

عبدالمنعم عبدالله خلف حميد الدليمي

قبل أن يشدني الغوص في بيان ماهية البنية العميقة، لابد من التعرف على الوعاء أو الحاوية التي تحتوي هذه البنية، ومن متطلبات هذه المعرفة هي الانطلاق من التعرف على الركيزة الأساسية وهي التحويل لغة واصطلاحا ثم بيان أفكاره.

التحويل

التحوّل في اللغة من تحوَّل عن الشيء: زالَ عنه إلى غيرِه … وحولَّه إليه: أزاله… والتحوّل مصدر حقيقي من حوّلت، قال الخليل: حول: والحَوْل: سَنةٌ بأَسْرِها. تقول: حال الحَوْلُ، وهو يَحُول حَوْلاً وحؤولاً، وأحال الشّيءُ إذا أتى عليه حول كامل. .. والاحتيال والمحاولة: مطالبتك الأمر بالحِيَل، والمحال من الكلام: ما حُوّل عن وجهه… والحِوالُ: كلّ شيءٍ حال بين اثنين، يقال: هذا حِوَالُ بَيْنِهِما، أي: حائل بينهما. فالحاجز والحجاز والحِوَل يجري مَجْرَى التّحويل. وحال الشيءُ يحول حؤولاً في معنيين، يكون تغييراً، ويكونُ تحويلاً… وحوّلتُ كسائي إذا جعلت فيه شيئاً ثم حملته على ظهري، والاسم: الحالُ. والحائلُ: كلّ شيء يتحركُ من مكانِه، أو يتحوّل من موضع إلى موضع، ومن حالٍ إلى حالٍ…

واصطلاحاً: التحويل هو التبديل والتغيير، قال الكفوي: التَّحْوِيل: هُوَ عبارَة عَن تَبْدِيل ذَات إِلَى ذَات أُخْرَى مثل تَحْويل التُّرَاب إِلَى الطين.. .، حتى قيل: إن التصريف: فِي اللُّغَة التَّحْوِيل مُطلقًا أَي تَحْويل أَي شَيْء كَانَ لفظا أَو غَيره. من حَال إِلَى حَال. وَفِي اصْطِلَاح عُلَمَاء الصّرْف تَحْويل الأَصْل الْوَاحِد إِلَى أَمْثِلَة مُخْتَلفَة ليحصل بِنَفس تِلْكَ الْأَمْثِلَة معَان مُتَفَاوِتَة لَا تحصل تِلْكَ الْمعَانِي إِلَّا بِتِلْكَ الْأَمْثِلَة وَالْمرَاد بِالْأَصْلِ الْوَاحِد الْمصدر عِنْد الْبَصرِيين وَالْفِعْل عِنْد الْكُوفِيّين وَالْمرَاد بالأمثلة الصِّيَغ وَبَين الْمَعْنيين عُمُوم وخصوص مُطلقًا. .. .، و التحويل: وهو أن يجعل مكان الشيء شيء آخر، أو تحوّل صفته إلى صفة أخرى، ومن هنا يتبين أن هذه الألفاظ متقاربة في المعنى، إلّا أن التحويل لا يستعمل في تبديل ذات بذات أخرى.

التحويلية مع تشومسكي

تعد هذه النظرية من النظريات الحديثة في علم العربية ورائدها هو العالم الغربي الأمريكي اليهودي الشهير نعوم تشومسكي. الذي ولد في فيلادلفيا 7 ديسمبر 1918م، ودرس علم اللغة والرياضة والفلسفة في جامعة بنسلفانيا، ومعه علماء اللسانيات فـي المعهد التكنولوجي بماساشوسيت الولايات المتحدة. فيما بين 1960م و 1965م، فكان على رأس علماء المدرسة التحويلية التوليدية في دراسة اللغة: “هاريس” Harris وتلميذه “تشومسكي” Chomsky. وقد كان لهما أكبر الأثر في نشوء علم اللغة التوليدي والتحويلي. أما “التوليدي” فهو علم يرى أن في وسع أية لغة أن تنتج ذلك العدد اللانهائي من الجمل التي ترد بالفعل في اللغة. وأما “التحويلي” فهو العلم الذي يدرس العلاقات القائمة بين مختلف عناصر الجملة، وكذلك العلاقات بين الجمل الممكنة في لغة ما. ويعد “هاريس″ الأب الحقيقي لعلم اللغة التحويلي، و”تشومسكي” الأب الحقيقي لعلم اللغة التوليدي. كما أدخل الأخير كثيرا من التعديلات على علم اللغة التحويلي عند “هاريس”. وقد نشر “هاريس” بحوثه بين 1952 و1957م، وعرف التحويل بأنه عملية نحوية تغير ترتيب المكونات في داخل جملة ما، وبوسعها حذف عناصر أو إضافتها أو استبدالها وقد ميز “هاريس” بين مجموعتين فرعيتين من الجمل النحوية الكلية، القائمة في لغة كالإنجليزية مثلا:

1- الجمل النواة Kernelsentences.

2- الجمل غير النواة Nonkernelsentence.

ويمكن الفرق بين هاتين المجموعتين الفرعيتين، في أن الجمل غير النواة، يتم اشتقاقها من الجمل النواة، بواسطة قواعد تحويلية… وهكذا نرى التحويل هنا يقتضي الحذف والاستبدال، وإعادة ترتيب المكونات. أما “تشومسكي” فقد لاحظ، وهو يحضر للدكتوراه في جامعة بنسلفانيا، أن المنهج البنيوي الذي يتمتع بشيء من الجدوى، في دراسة الفونيمات والمورفيمات، لا يتوافق مع دراسة الجمل؛ لأن كل لغة بها عدد محدود من الفونيمات والمورفيمات، غير أن عدد الجمل في أية لغة واقعية، هو عدد غير متناه؛ إذ ليس هناك حد لعدد الجمل الجديدة، التي يمكن إنشاؤها، ولا تستطيع المدرسة البنيوية تفسير ذلك.

والتي قامت بانتقاد النموذج التوزيعـي، والنموذج البنيوي… وبناؤها يدور على النظرة العقلية للغة، هذه النظرة التي استطاع من خلالها أن يقدم تفسيرات لظاهرة أي لغة، واستخدامه لمصطلح التوليد في اللغة؛ ليعني به توليد جملا صحيحة لا نهاية لها ..

ففكرة هذه النظرية تقوم على أساسين: الأول: الأداء اللغوية المتمثل بالبنية السطحية، والذي يمثل كل ما ينطقه الإنسان، والثاني: يمثل الكفاءة.، وهذا المصطلح يطلق عليه البنية العميقة للغة .، حتى قيل: قد أفاد ” تشومسكي” من تقسيم “دي سوسير” … للغة إلى: “لسان” Langue “وكلام” Parole وأطلق على النوع الأول: مصطلح “الكفاءة” Competence وعلى الثاني: مصطلح “الأداء” Performance. ويقصد بالكفاءة: ما يكون عند المتكلم باللغة -من أبنائها- من معرفة حدسية غير واعية، بالأصوات، والمعاني، والنحو. أما الأداء فهو عبارة عن الممارسة اللغوية الفعلية في الحياة اليومية، وربما لا تكون صورة صحيحة للكفاءة، لمخالفتها – في بعض الحالات – القواعد النحوية .. ..

ومن خلال هذه النظرية المبنية على أساس عقلاني يرى ” تشومسكي” أن الطفل يمتلك بالفطرة تنظيما ثقافيا يمكن تسميته بالحالة الأساسية. فمن خلال التفاعل مع البيئة وعبر مسار النمو الذاتي، يمرُّ العقل بتتابع حالات تتمثل فيها البنى المعرفية. وفي ما يتعلق باللغة، تحصل تغيّرات نسبة إلى الحالة الأساسية للعقل خلال المرحلة الباكرة من الطفولة، وبعدها تكتمل حالة عقلية صلبة وثابتة تتعرض فيما بعد لتغيرات طفيفة فقط. ويشير “تشومسكي ” إلى هذه الحالة الصلبة على أنها حالة نهائية للعقل، تتمثل فيها معرفة اللغة أي الكفاءة اللغوية . بطريقة معينة عند الإنسان، باعتبار أنها حالة ثابتة يتوصل إليها الطفل خلال نموه البيلوجي، وتنجم عن تطور عصبي عبر التعرض للمعطيات اللغوية.. .، فعلى ذلك إن القاعدة التحويلية مرتبطة بالتوليدية وعلى هذا قيل: بأن أية قواعد تعطي لكل جملة في اللغة تركيبا باطنيا وتركيبا ظاهريا وتربط بين التركيبين بنظام خاص يمكن أن تكون قواعد تحويلية ولو لم تصف نفسها بهذا الوصف .. .، فـ القواعد التَّحويليَّة: قواعد تنظِّم العلاقة بين البنية العميقة و البنية السطحيَّة الخارجيَّة. للغة..

إذن البنية العميقة هي التي بها يتم تحديد التفسير الدلالي؛ لأنها ترتبط بالمعنى، إلا أنها تكون في ذهن المتكلم أو السامع، فلا تظهر، وعن طريق المكون التركيبي المشتمل على قواعد الأساس يتم توليدها… أما البنية السطحية فهي تمثل الكلام المنطوق المتمثل بالأصوات اللغوية كما تعتبر الناتج الحاصل المحول من البنية العميقة إلى هذه البنية السطحية… فعلى ذلك فإن قواعد الأساس التركيبي تقوم بتوليد البنية العميقة في ذهن المتكلم ثم يقوم المكون التحويلي بتحويلها بقواعده إلى البنية السطحية المنطوقة التي يتعامل بها المتكلم مع الآخرين .، فشومسكي حاول أن يعين المعنى بتمثيل ذهني دال داخليا يرتبط بالشكل المنطقي للجملة، وهذا الشكل مرتبط بالصورة التركيبية التي تأتي عليها الجملة، فأصل المعنى هو البنية الذهنية لمتكلم اللغة، ولذلك كان طرح تشومسكي نفسيا معرفيا..

وبعد كل هذا العرض يتبين لنا أن النظرية التحويلية تتكون من فكرتين، هما:

التوليد: وهو الذي يولد من الجملة الأصل التي تؤدي معنى مفيد مجموعة من التراكيب، فالجملة الأصل هي التي تتألف من المسند والمسند إليه… مثل حضر زيد. … فإذا قلنا : ما حضر إلا زيد . فذلك يعني قمنا بتحويل الجملة الأولى إلى جملة أخرى وذلك بإدخال الزوائد ما ، ولا ….التحويل: هو الذي يقوم بتغيير التركيب اللغوي التوليدي إلى تركيب آخر كما شاهدنا في التوليد وبه نتمكن من تحويل الجملة المبنية للمعلوم إلى جملة مبنية للمجهول ومن جملة منفية إلى جملة مثبتة …

مثال ذلك من العربية جملة مثل: “سَرَقَ اللصُّ البنكَ” فهي جملة نواة، يمكن أن تشتق منها جملة غير نواة، نحو: “سُرِقَ البنكُ”. وتبدو العلاقة التحويلية بين هاتين الجملتين على النحو التالي:

فعل متعد مبني للمعلوم+ مورفيم المعلوم+ اسم “1”+ اسم “2”

فعل مبني للمجهول+ مورفيم المجهول+ اسم “2”.

فقد استبدل في أثناء عملية التحويل، مورفيم البناء للمجهول بمورفيم البناء للمعلوم، كما حذف الفاعل “الاسم رقم 1” من الجملة النواة، وتحول المفعول به “الاسم رقم 2” إلى نائب فاعل. وهكذا نرى التحويل هنا يقتضي الحذف والاستبدال، وإعادة ترتيب المكونات.

فالتحويلية المتكونة من التحويل والتوليد هي العملية التي توصف بها العلاقة بين التركيب الباطني والظاهري أي بين البنية العميقة والبنية السطحية… فالبنية العميقة تعطي المعنى الأساسي الذي تكون عليه الجملة الظاهرية والمعنى الذي تعطيه مجرد افتراض فمثلا تولد في ذهني سافر أخي . فهذا التعبير الذي تولد في ذهني بعد ذلك يمتزج باللغة وهذه اللغة محكمة بقواعد وضوابط تضبطها وتميز التعبير الصحيح من غيره فتطرح هذه الفكرة المترجمة في اللغة إلى السطح أي إلى البنية السطحية، فالبنية العميقة هي الأصل أو هي النواة فجملة سافر أي. ضابطها النحوي الذي يضبط اللغة التي ترجمة تلك الفكرة يتكون من مسند ومسند إليه… ثم بعد ذلك يأتي دور التحويل؛ ليقوم بالتعبير عن هذه الجملة بالتقديم والتأخير أي ليصيغ من هذه الجملة عدة جملة وذلك سواء بالزيادة أو التقديم والتأخير أو بالنفي والإثبات وهكذا، فتكون كما يأتي:

سافر أخي… أخي سافر… ما سافر إلا أخي … وهكذا

المرحل الأولى التي مرت بها النظرية

باختصار نقول إن المرحلة الأولى المتمثلة بمرحلة البنى التركيبية. كانت تمثل المرحلة الأولى لتشومسكي للنحو التوليدي وذلك بصدور كتابه البنى التركيبية. أو التركيبية النحوية. Syntactic structures . وهذا الكتاب في بداية أمره طبع في دار نشر هولندية سنة 1957م، بعدما رفض من قبل دور النشر الأمريكية؛ لغرابة محتواه السائد عن محتوى علم اللغة في ذلك الحين وهذا الكتاب كان فصلا من بحثه المطول الذي ألفه عام 1955م بعنوان “البنية المنطقية للنظرية اللغوية” The logical of linguistic theroy . ورفضت دور النشر الأمريكية لطوله المفرط، فنشر في نيويورك ولندن بعد عشرين عاما من تأليفه، وحصل عليه تشومسكي بكتابه البنى التركيبة. على درجة الدكتوراه من جامعة بنسلفانيا .، لذا فالمقوم التركيبي يقوم على نظام القواعد التي تحدد الجملة المسموح بها في تلك اللغة…

علاقة النظرية بالنحو ودور علماء العرب منها

إن هذه العلاقة تقودنا أول الأمر إلى القول إن الذي ربط دراسة تشومسكي باللغة هو تطبيق هذه النظرية الحديثة على النحو، حتى قيل: دخل تشومسكي باب الدراسات اللغوية عن طريق دراسة النحو بمفهوم النحو الواسع الذي يشمل النحو والصرف معا. ويقصد تشومسكي بالنحو هنا: مجموعة القواعد التي يمكن بمقتضاها استحداث كل الجمل الصحيحة في لغة ما، كما أنه بمقتضى هذه القواعد أيضا يمكن بيان الجمل الصحيحة من الجمل الخاطئة فبمجموعة القواعد النحوية في لغة ما تكون هناك القدرة على فرز الجمل الصحيحة بوضوح تام ورفض الجمل الخاطئة .. .، وفي نظر محمود السعران، على قول محقق كتابه أن أهم ما يوصف به التحليل النحوي أن يكون شكليا أو صوريا؛ لأن هدفه هو الصور اللفظية وتصنيفها وتوزيعها على أسس معينة، ثم نضيف العلاقات الناشئة بين الوحدات اللغوية داخل الجملة، وهذا هو رأي مدرسة التحليل، إلى المكونات المباشرة LC Analysis أو مدرسة بلومفيلد التي كانت مهيمنة إلى حد ما على الفكر اللغوي آنذاك، غير أن الدكتور السعران يرى أن هذا التحليل من ناحية أخرى هو تحليل وظيفي Functional يقوم أيضا على الدور الذي تقوم به الوحدات اللغوية داخل الجملة، سواء من حيث المبنى أو المعنى، وهو بهذا يحاول التوفيق بين آراء “مدرسة بلومفيلدا” الكلية واستبعادها للمعنى، وآراء المدرسة الإنجليزية الاجتماعية التي ينتمي إليها والتي تنطلق من المعنى… ولا شك أن أستاذه “فيرث” كان واحدا من هؤلاء اللغويين الذين ربطوا بين التحليل اللغوي والمعنى، ولكن سطوة المدرسة الشكلية الأمريكية -آنذاك- كانت تحول دون ظهور عمق التحليل اللغوي وموضوعيته من حيث ارتباطه بالمعنى سواء عند “فيرث”، أو غيره من علماء اللغة، غير أن ذلك قد تحقق بعد ذلك في صورة نظرية علمية، هي النظرية التوليدية التحويلية TG grammar وخاصة في تعاملها مع البنية العميقة للتراكيب النحوية حيث يتجلى المعنى الحقيقي لأي جملة، وقد ذاعت وانتشرت هذه النظرية بعد وفاة الدكتور السعران بسنوات قليلة. .. .، حتى أن للنحاة العرب عن طريق هذه النظرية أولية في البحث البلاغي، لذا يمكن أن نسجّل للنحاة العرب والقائمين على الدراسة اللغوية للنص القرآني، أوليتهم في البحث البلاغي، وذلك عندما صنعوا ما سار عليه المحدثون من أصحاب النحو التحويلي من تفريقهم بين ما أطلقوا عليه: البنية السطحية وما أطلقوا عليه البنية العميقة ، فإذا عدنا إلى علماء اللغة أو النحو وجدنا أن اللفظة موجودة في استعمالاتهم فالأزهري على سبيل المثال، نجده يقول: فَإِذا أردْت تَحْويل الْهمزَة، قلت: هَذَا غطاو، وكساو، وخباو، لِأَن قبلهَا حرفا سَاكِنا وَهِي مَضْمُومَة، وَكَذَلِكَ: الْقَضَاء، هَذَا قضاو، على التَّحْوِيل، لِأَن ظُهُور الْوَاو هَاهُنَا أخف من ظُهُور الْيَاء. .. .، وكذا ابن سيده قال: قصّ الشّعْر وَالصُّوف وَالظفر، يقصه قصا، وقصصه، وقصاه، على التَّحْوِيل. .. …. ولكن الفارق ليس في ذلك، الفارق هو أن نحاة العربية كانوا يعتمدون على القياس في الأخذ بأي نص كان وهذا واضح فالقاعدة موجودة والنص يخضع لها ، أما النحو التحويلي فيعول النحو التحويلي في النظرية التوليدية التحويلية ، على فكرة الأصل، باعتبارها تمثل القدرة الكاملة لدى المتكلمين، ويمثلها التركيب العميق البنية العميقة.. .. .، كما أننا نجد أن النحاة العرب على الرغم من تشديدهم على القياس والأخذ بالقاعدة فقد اخترع هؤلاء ما يسمى بأصل الوضع، فلكل جملة أصل وضعها وهذا الأصل هو أن للجملة عندهم ركنين المسند إليه والمسند فأما الجملة الاسمية، فالمبتدأ مسند إليه والخبر مسند، وأما في الجملة الفعلية، فالفاعل أو نائبه مسند إليه والفعل مسند، وكل ركن من هذين الركنين عمدة لا تقوم الجملة إلا به وما عدا هذين الركنين، مما تشتمل عليه الجملة فهو فضلة… .. .، وعلى هذه الفكرة قيل: إن سيطرة فكرة أصل الوضع – عند النحاة العرب – تمثل الركيزة التي يعتمد عليها المنهج التوليدي التحويلي.. ….

وبذلك نجد أن النص اللغوي نشأت به التعددية الدلالية، وتدفق المعنى الفائض هو الأصل الذي يدفع الفاعل التأويلي إلى تجاوز المعاني المباشرة للتشكيل اللغوي في بنية النص إلى البنية العميقة لاستجلاء ما أضمر من أي مكمون إيحائي، ودفع النص للبَوْح بكل معطياته المتوارية! هذا القالب يمارس الفعل التأويلي التقويلي على النص عبر تحميله لدلالات نائية عن طاقته المعنوية، انطلاقاً من إيمانه بأن النص قابل للتأويل المستمر والصيرورة الدائمة؛ فهو لا نهائي في نصيّته، ولا محدودية في معطياته الدلالية! بل هو قابل للنقد والمراجعة كأي نص بشري آخر، …

القول بأن فكرة البنية العميقة فكرة خرافية

قد نرى أن البنية العميقة أيَّا كانت هي عبارة عن بنية خرافية عند عقول معظم الناس، حتى كأن الخرافة هي الأصل لديهم؛ إذ بمجرد حدوث ضعف في التثقيف الجيد أو وقوع الناس في حالات استثنائية من الشدة والكرب تطفو تلك البنية على السطح، كما أنه لا يملك العقل البشري أي عتاد حقيقي يمنعه من التورط في صناعة الخرافة وقبولها…

إلا إن الذي أراه من مبدأ هذه النظرية المتمثلة بالبنية العميقة والبنية السطحية لا يهدف إلى الخرافة ولكن يهدف هذا المبدأ إلى تقسيم التركيب اللغوي بين بنية ظاهرة تتمثَّل في الصورة الكلامية التي ينطق بها المتكلم، وبنية تحتية تتمثّل في الجملة الأصولية أو اللبنية ” التي تكون لبناتها الأساسية”. فنقول: إن البنية العميقة: “أصلح النجار الطاولة”, يمكن أن نعبر عنها في بنى سطحية مختلفة مثل: “الطاولة أصلحها النجار، النجار أصلح الطاولة، الذي أصلح الطاولة هو النجار”, فعلى المستوى السطحي فإن هذه الجمل لها نفس التركيب من الفعل الفاعل والمفعول والصفة أو الحال، ولكن من البديهي أن ندرك أن المعنى المتضمّن في كل جملة لا يختلف فيما بينها، وبهذا نقول: إن كل جملة لها تراكيب بنائية متعمقة مختلفة. ورغم اختلاف البنى السطحية إلّا أنها جميعًا تتفق في بنية عميقة واحدة، وقد تتطابق البنية السطحية مع البنية العميقة، وهو ما نراه غالبًا على تعبيرات الأطفال حين تنتظم الكلمات في الجملة أو المنطوق اللغوي على أساس تلقائي يحقق البنية العميقة, ويأتي مطابقًا لها، وعلى هذا فإن التركيب الظاهري أو البنية السطحية تمثّل البنية العميقة، ولكن البنية العميقة هي التي تحتوي على الدلالة الحقيقية للجملة… وعلى الرغم من أنَّ قواعد عمل التحويلات اللغوية معقَّدة للغاية، فإن الأطفال يحققون تقدمًا واضحًا نحو إجادة هذه التحولات قبل الخامسة أو السادسة من العمر، ويبدو أن الأطفال يكتشفون التركيب المتعمق للغتهم أولًا, ثم يأخذون مسارهم لإجادة عملية التحويل بعد ذلك…

غير أن الذي يتبين من كل ما تقدم هو أن النظرية التحويلية التي تعتمد على المستوى الباطني الذي نعرف من خلاله المعنى والتركيب الأصلي المراد من النص، وبعد ذلك يتم طرح المعنى على السطح أي على الورق؛ ليكون مكتوبا للقارئ، وهذا يعتمد على القاعدة الأصلية، ثم بعد ذلك يأتي دور التحويل؛ ليحول الأصل مثلا المبتدأ . إلى الفرع مفعول. …

وفي الختام عن الحمد لله القائل في كتابه : سورة المطففين: الآية 26 والصلاة على من ختمت به الرسالات خير خلق الله محمد ومن تبعه إلى يوم الدين، فأما بعد: … فأسأل الله الموفقية في العمل وأن يجعلني من أصحاب علم هذا الزمان.

ثبت المصادر والمراجع

تهذيب اللغة، محمد بن أحمد بن الأزهري الهروي، أبو منصور المتوفى: 370هـ.، تحقيق: محمد عوض مرعب، ط1 الناشر: دار إحياء التراث العربي – بيروت، 2001م.

2.علم الدلالة أصوله ومباحثه في التراث العربي، منقور عبدالجليل، د. ط.، اتحـــــــــــاد الكتاب العرب – دمشق، 2001م.

علم اللغة مقدمة للقارئ العربي ، محمود السعران، ط2? الناشر: دار الفكر العربي- القاهرة، 1997م.علم نفس النمو، حسن مصطفى عبد المعطي، هدى محمد قناوي، د. ط. ت. ، الناشر: دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع.العُمد كتاب في التصريف. ، لأبي بكر عبدالقاهر بن عبد الرحمن الجرجاني ، تحقيق: د. البدراوي زهران، ط3 دار المعارف، 1995م.قضايا ألسنية وتطبيقية دراسات لغوية اجتـــــــــــماعية نفسية مع مقارنة تراثية ، د. ميشال زكريا، ط1 دار العــــــــــام للملايين، بيروت- لبنان، 1993م.القواعد التحولية في ديوان حاتم الطائي، حسام البهنساوي، د. ط. ت.، مكتب الثقافة الدينية.قواعد تحويلية للغة العربية، د. محمد علي الخولي، د. ط.، دار الفلاح للنشر والتوزيع- الأردن، 1999م.كتاب العين، أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي البصري المتوفى: 170هـ.، المحقق: د مهدي المخزومي، د إبراهيم السامرائي، د. ط. ت. ، دار ومكتبة الهلال.الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية، أيوب بن موسى الحسيني القريمي الكفوي، أبو البقاء الحنفي المتوفى: 1094هـ.، المحقق: عدنان درويش – محمد المصري، د. ط. ت.، مؤسسة الرسالة – بيروت.المحكم والمحيط الأعظم، أبو الحسن علي بن إسماعيل بن سيده المرسي [ت: 458هـ]، المحقق: عبد الحميد هنداوي، ط1 الناشر: دار الكتب العلــــــــمية – بيروت، 1421 هـ – 2000م.المدخل إلى علم اللغة ومناهج البحث اللغوي، رمضان عبد التواب، ط3? الناشر: مكتبة الخانجي بالقاهرة، 1417هـ – 1997م .المصطلحات والمفاتيح في اللسانيات، ماري نوال غاري بريور، ترجمة: عبدالقادر فهيم الشيباني، ط1 سيدي بلعباس – الجزائر، 2007م .معجم اللغة العربية المعاصرة ، أحمد مختار عبد الحميد عمر المتوفى: 1424هـ. بمساعدة فريق عمل، ط 1.

الناشر: عالم الكتب، 1429 هـ – 2008م.

معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية، محمود عبد الرحمن عبد المنعم، د. ط. ت.، دار الفضيلة .النحو العربي والدرس الحديث بحث في المنهج.، د. عبده الراجحي، د. ط. دار النهضة العربية للطباعة والنشر- بيروت، 1406هـ – 1986م.

البحوث والمجلات والمقالات

التطورات النظرية والمنهجية للنظرية التوليدية في نصف قرن، د. حمدان رضوان أبو عاصي، مجلة جامعة الشارقة للعلوم الشرعية والإنســــــــــــــــــــــانية، مجلد 4. عدد 3. 1428هـ – 2007م.نظرية المعنى في الدلالة التأويلية، أ. عبدالقدر البار، الأثر – مجلة الآداب واللغات – جامعة قاصدي مرباح – ورقلة – الجزائر- العدد السابع ، 2008م.

{ جامعة تلعفر/ كلية التربية الأساسية/ قسم اللغة العربية.

وعضو في دار الابداع للطباعة والنشر

iNewsArabia.com > أخبار مختلطة > الزمان
تشومسكي على رأس منظّري الحداثة,