من حافة التاريخ.. حياة أمير اللواء الركن المتقاعد طاهر الزبيدي – 41

.

من حافة التاريخ.. حياة أمير اللواء الركن المتقاعد طاهر الزبيدي – 41

معتقلو سجن الكوت يقدّمون عريضة إلى الحكومة مليئة بالشتائم والتهديدات

طارق النجار

بغداد

المقدمة

لا أود الخوض في حكاية مجردة لضابط عسكري عراقي أسهم في الكثير من انجازات الجيش العراقي وفي مختلف صنوفه ومراتبه، انما حدا بي الى هذه الحكاية التي انتبهت اليها، تلك الشخصية العسكرية الوطنية التي تركت اثراً في اديم العسكرية العراقية، وما ورد فيها من تفاصيل جعلتني أكثر قرباً من تاريخه العسكري تبؤوه عدة مناصب عسكرية تليق بالرجال. ليس لي احقية بهذا التاريخ غير سرده وأعانني فيه شخص ولده ” فيصل طاهر الزبيدي” الزميل السابق في العمل الوظيفي، وبالتحديد الخطوط الجوية العراقية، الذي زودني بمسوداته المبعثرة التي احسست بمشقـــة وعناء وجهد مضن في تناولها في ترتيبها وتدوينها وما لقيته من معاناة في تسلسلها الرقمي، بما تملكه من غزارة في المعلومات.

أسباب زيارة وزير العدل

إن المذنب، والمجرم، الذي يقوم بأي عمل يستوجب سوقه إلى المحاكم، يساق إليها ويحاكم ويحكم عليه من قبلها، ويساق إلى السجون بواسطة شرطتها، وان السجون المذكورة مرتبطة بوزارة العدل وان لكل وزير معاوناً لا (وكيل) لهذا السبب، راجعت وزير العدل لارتباط السجون به.

زيارتي ومشاهداتي في السجون النمساوية

(1) سجن الأحداث:

لم تتخذ فيه ترتيبات أمنية مشددة وكأنه لم يكن سجناً مطلقاً، يسجن في هذا السجن من لم يتجاوز من العمر سن البلوغ، ويطعم، ويكسى، وينام فيه.

في السجن أساتذة لجميع الحرف، لتعليم المساجين الأحداث طيلة مدة مكوثهم في السجن المذكور، ويمنح السجين الحدث حق المبيت في داره، وبين أهله في الأسبوع مدة يوم واحد وإذا تخلف السجين الحدث عن الالتحاق بسجنه بعد انقضاء الأربع والعشرين ساعة ولأي سبب كان (ما عدا المرض) يلقى القبض عيه ويعاد إلى السجن ويحرم نهائياً من التمتع بإجازته الأسبوعية يضاف إلى ما ذكر أعلاه أن المساجين الأحداث يناط إليهم أمر تربية وإدارة المواشي والخنازير العائدة للسجن المذكور وان سجن الأحداث لم يكن سوى دور حديثه متلاصقة ومؤثثة تأثيثاً جيداً وان لهم ملء الحرية في التجوال فيه، وكأنهم في بيوتهم.

(2) سجن المحكومين لمدة تتراوح بين ثلاث وسبع سنوات:

لم يكن هذا السجنان إلا اعتياديين، وقد اتخذت فيهما ترتيبات الأمنية والحراسة المشددتين وقد توزع المساجين فيهما على قاعات رصفت فيها أسرة النوم ووفرت لهم أسباب الراحة ولا امتياز لهم يذكر.

(3) السجن الكبير:

يقع هذا السجن إلى الغرب الشمالي من مدينة (فينا) عاصمة النمسا، وفي مدينة تقع على نهر الدانوب، يسجن في هذا السجن من يحكم عليه بالمدد المختلفة ما بعد السبع سنوات وكالآتي:

أ- المحكوم عليهم بالسجن لمدة لا تقل عن السبع سنوات، ولا تزيد على الخمس عشرة سنة.

ب- المحكوم عليهم بين الخمس عشرة سنة، والثلاثين سنة.

ج- سال محكوم عليهم بالإعدام أي (الموت).

الملاحظات حول السجون

إن هذه السجون، وان كانت مجتمعة في منطقة واحدة فهي منفصلة الواحد عن الآخر وان السجون هذه تتكون من ثلاثة طوابق ينفصل كل طابق عن الآخر بمشبكات حديدية، وكل طابق على شكل مربع أنشأت في جهاته الأربع غرف انفرادية، لكل غرفة باب، وفي أعلاه فتحة دائرية يراقب السجّان سجينه من تلك الفتحة وأمام الغرف حجرة وبشكل مربع طبعاً غطّي بالحديد الذي يفصل الطوابق عن بعضها. فيتخطى السجان (الحارس) في تلكم الطارمات ويراقب غرف المساجين الانفرادية.

يأكل السجين طعامه في أوقاته الثلاثة داخل غرفته وبصورة انفرادية ويخرج المساجين للهواء الطلق ولعرض أجسامهم على أشعة الشمس يومياً ولمدة ساعة واحدة، بعد أن تتخذ الإجراءات الأمنية المشددة حول الساحة التي سيخرجون إليها على أن تكون الساحة مقفلة لكل مجموعة من مساجين الطابق الواحد من طوابق السجن، وبعد إعادة هذه المجموعة إلى سجنها تخرج المجموعة الأخرى وهكذا بالتناوب ويواجه ذوي المساجين مساجينهم في الشهر مرة واحدة، وعلى بُعْد خمسة أمتار حددت وقطعت بمشبكات حديدية. ومما يجدر الإشارة إليه هو أنني لم أشاهد السلاسل (الزناجيل) بسيقان المساحيين مهما كانت نوعية سجنهم ومدته.

نهاية الحياة الوظيفية وأسبابها

بعد عودتي من (فينا) إلى بغداد، والتحاقي بوظيفتي قدمت تقريراً إلى وزير الداخلية وكان آنذاك السيد (سعيد قزاز) يحتوي على زيارتي للسجون النمساوية مستفيداً من وجودي في العاصمة النمساوية بقصد الاستشفاء ومشاهداتي في تلك السجون.. ثم في آخر التقرير رجوته أن ترفع السلاسل من سيقان المساجين أسوةً بتلك السجون أولاً ومن ناحية إنسانية ثانياً. وقلت في تقريري المار الذكر أن السلاسل أصبحت للحيوانات، ولم تستعمل في يومنا هذا لتوضع في سيقان البشر. أولئك المنكودي الحظ الذين ساقتهم الأقدار إلى السجون.

وهكذا قدمت تقريري إلى وزارة الداخلية، الذي ترتبط دائرتي (مديرية السجون العامة) به. وبعد يومين من تاريخ تقديمي التقرير المشار إليه أعلاه خاطبني تلفونياً السيد مختار العمري (مدير الداخلية العام) وأبلغني أن وزير الداخلية يطلب مواجهتي، فذهبت حالاً إلى وزارة الداخلية تنفيذاً لهذا الطلب.. ولمّا دخلت على الوزير رأيته بحالة انفعال شديد. ولمّا وقع نظره علي، خاطبني بشدة وكأنه يريد محاسبتي ومعاقبتي على كل الإصلاحات التي قمت بها في دنيا السجون. قائلاً: هاي شنو؟ هذا سجن لو أوتيل لو مطعم لو مدرسة لو دار ثقافة؟ .. يوم تسوي أكلهم مثل أكل اللوقنطه، يوم تسوي مدرسة وتدرسهم، وتهذبهم، يوم تسوي مكتبة وتثقفهم، يوم تسوي ألعاب وسباقات، يوم تسوي جامع وصلاة. والآن تريد أن ترفع من سيقانهم السلاسل؟ ..

هذا لا يمكن تطبيقه أبداً، أبداً.. وبعد أن انتهى الوزير من لومه العنيف أجبته بقول: أنا قدمت لك اقتراحاً تحريرياً فكان عليك أن تجيبني تحريرياً أيضاً بكلمة مختصرة (موافق) أو بكلمتين فقط (لا أوافق) ثم ما معنى هياجك وعصبيتك هذه التي قابلتني بها، ثم أن كل الأعمال التي قمت بها حتى الآن لم تكن أعمالاً إصلاحية وإنسانية معاً؟ ..

ثم هل أنني فراش في باب غرفتك، لتصرخ بأعلى صوتك عليّ؟ .. فيجب أن تعلم أنني لازلت أحمل رتبة أمير لواء في الجيش، معارة خدماتي إلى وزارتكم لإشغال منصب (مدير السجون العام). أعلم أيها الوزير أنني ومنذ هذه الدقيقة لا يمكنني الاشتغال بمعيتكم وفي هذه الساعة بالذات سأترك الوظيفة، فخرجت من وزارة الداخلية وتوجهت إلى وزارة الدفاع ودخلت على مدير الإدارة آنذاك (المرحوم) اللواء الركن عبد الرزاق عبد الوهاب وكتبت لديه عريضتي التالية التي وجهتها إلى وزير الدفاع، وكان يومئذٍ (نوري السعيد).

البرقية الموجهة إلى وزير الدفاع:

فخامة وزير الدفاع:

بالنظر لإصابتي ببعض الكسور والجروح في الخدمة ومن جرائها، وإن هناك قرارات المجالس التحقيقية، واللّجان الطبية محفوظة في أضبارتي الشخصية، تثبت ما أدعيه.

أراني عاجزاً عن أداء واجبي على الوجه الأكمل مع وجود هذه العاهات.

أرجو إحالتي إلى اللّجنة الطبية لتقرر مصير خدمتي..

طاهر محمد الزبيدي

أمير اللواء

وبعد أن فحصتني اللجنة الطبية، قررت إحالتي على التقاعد لأسباب صحية، ومن الدرجة الثالثة. فأحلت على التقاعد وذلك بتاريخ 18/11/1955.

أحداث السجون

أولاً: حادث سجن الكوت:

لقد قال من قال، وتفوه من تفوه وكل (حسب أغراضه) له ما يقول: بعد استلامي مديرية السجون العامة واحد في 8/8/1953 زارني اللواء الركن عبد المطلب محمد أمين، وكان يشغل آنذاك منصب (الحاكم العسكري) وسرد لي قصة تمرد المساجين في سجن الكوت، وخلاصة ما سرده لي ينحصر في:

أ- أن المساجين في سجن الكوت قدموا عريضة إلى الحكومة العراقية وكلها سب وشتم وتحقير.

ب- إن مساجين آخرين تقدموا بعريضة أخرى تحمل ما تحمله العريضة الأولى من أسباب.

ج- طلبت الحكومة بواسطة مدير السجون العام السابق (المرحوم) اللواء الركن قاسم شكري وبواسطة متصرف لواء الكوت (المرحوم) طاهر القيسي حضور الموقعين على العريضتين أمام المجلس العرفي العسكري في بغداد، ليحاكموا عن ما ورد في عريضتيهما.. لم يصغوا للأمر لتنفيذ طلب الحكومة، ولم يوافقوا على الخروج من السجن، والسفر إلى بغداد لإجراء محاكمتهم.

د- تطلب الحكومة ضرورة محاكمتهم من قبل المحكمة العرفية العسكرية للحفاظ على مكانتها.

وعليه، ونظراً لما تقدم، أرجو سفرك إلى الكوت وإقناع المساجين بالمثول أمام المحكمة العرفية العسكرية، فسافرت إلى الكوت وبرفقتي رئيس عرفاء سجن، فوصلت الكوت في الساعة 7 (السابعة مساء) (1900)، فذهبت مباشرة إلى دار متصرف اللواء، واستفسرت منه عن الأمر بصفته المسؤول الأول الإداري عن اللواء فأيد لي تمرد المساجين فطلبت منه أن يحضر مدير السجن فأرسل في طلبه وحضر وكان مدير السجن السيد جهاد الجاف، فطلبت من مدير السجن أن ينورني عن حالة المساجين وعن كيفية وأسلوب مفاتحتهم للحضور أمام المحكمة العرفية العسكرية فأيد لي تمردهم واعتصامهم في السجن قافلين باب السجن، ولم يوافقوا على دخول أحد إلى السجن، فقلت له: وأنتم موظفي السجن أولم تتمكنوا من الدخول إلى السجن؟.. فقال: (لا) لا يوافقون على دخولنا ولا على دخول أي أحد كان.

فقلت له: غداً صباحاً وفي الساعة السابعة تماماً سأحضر السجن وأريد أن أراك ومعك مأمور السجن عبد الجبار عمران في باب السجن وبدون انتظار أريد أن يفتح باب السجن حالاً، وسأدخل السجن وأنتم مع رئيس العرفاء وتدخلون معي وكلنا يجب أن نكون مجردين من أي سلاح كان (ناري أو جارح). وتمام السعة السابعة دخلنا السجن وقد شاهدت المساجين مبعثرين هنا وهناك من السجن ففتشت السجن أولاً، وأثبت مدير السجن ومأمور السجن على إهمالهم في ترميم وإصلاح مخبز السجن وعلى نقص معداته وإثباتهما على عدم اتخاذهما أي إجراء كان حول تنظيف وسحب القاذورات من مراحيض السجن. حيث طفح الغائط إلى خارج المنهولات وكان المساجين يسمعون محاسبتي لمدير السجن، ثم وجدت بعض الأمور الواجب إصلاحها وترميمها فأمرت مدير السجن أن يقوم بصورة فورية بذلك الترميم والإصلاح وبعدها أكملت تفتيشي فوجدت إن أحدى غرف السجن قد اتخذت مخزناً للأرزاق وفيها:

أ- الرز في الأكياس الكبيرة ذات الــ (100 كيلو).

ب- الطحين في الأكياس الكبيرة ذات الــ (100 كيلو).

ج- السكر الناعم في الأكياس الكبيرة ذات الــ (100 كيلو).

د- السكر (كلال) بكمية كبيرة معلقة في سقف الغرفة.

ه- الفاصوليا اليابسة، والبطاطه.

و- العدس والماش.

ز- نومي بصرة والليمون دوزي.

ح- باذنجان وبامية مجففة.

وغير ذلك من مواد إعاشة كاملة، وحتى الميزان وجدته في المخزن المذكور ثم شاهدت غرفة أخرى قد اتخذوها صيدلية لخزن الأدوية فيها فكانت هذه الغرفة حقاً صيدلية كاملة بأدويتها ودواليبها وبميزان الدواء وحتى أن أحد المساجين وهو يهودي كان يمارس مهنة الصيدلة قبل سجنه كان قد عينوه صيدلانياً في صيدليتهم وكان متخذاً موقعه في الصيدلية عند دخولي لها.

وبعد أن أكملت التفتيش الذي استغرق ساعة ونصف الساعة من الزمن خطبت فيهم، وكانوا يصغون لما أقول وطلبت أن ينتخبوا شخصين لمواجهتي في غرفة مدير السجن وليعرضوا ما لديهم من طلبات عليّ وأنني سأبقى بانتظار هذين الموقدين من قبلهم، على أن تكون طلباتهم قانونية ومحقة.. وبعد ثلاثة أرباع الساعة جاءني سجينان أوفدا من قبل المساجين، وعرضا عليّ طلباتهم، فطلبت من مدير السجن تنفيذها بصورة فورية وأجلست هذين الموفدين وأعطيتهما السيكَارة وأمرت لهما بالشاي وصرنا نتجاذب الأحاديث الشيّقة.

وبعد مرور ساعة على جلوسنا قلت لهما: ما هو السبب الذي دعاكم أن تمتنعوا من الحضور أمام المحكمة؟ .. فإن عدم حضوركم يشكل مخالفة أخرى عليكم تؤخذون عليها .. فقالوا: إن عدم موافقتنا للذهاب إلى بغداد سببه أنّا كنا نخشى أن لا نعود إلى سجن الكوت، وترسل من هناك إلى سجن (نكَرة سلمان) فقلت: ولازلتما في هذه العقيدة؟ .. فقالا: نعم.. فقلت طيب: سأجلب المحكمة إلى هنا إلى الكوت، وفي غرفة مدير السجن، نقوم بمحاكمة الموقعين على تلك العريضتين وأترك الخيار لكم إن شئتم تجري محاكمة (5) مساجين أو (4) أو (3) أو (2) أو (1) وبعد ما تنتهي محاكمة من يحاكم يعود إلى السجن ويخرج سجين آخر لمحاكمته.. أذهبا واعرضا الأمر على جماعتكم من المساجين، فذهبا وبعد برهة من الزمن عادا إليَّ حاملين رأي رفاقهم وقالا: لقد اتفقنا على أن يخرج الموقعون على العريضتين كل خمسة مساجين دفعة واحدة، وبعد محاكمتهم يعودون إلى السجن، ثم يخرج خمسة آخرون فقلت: اتفقنا: ثم أشار عليَّ بأن أجلس مع هيئة المحكمة العرفية وعلى طرف منها طيلة محاكمة المتهمين فقلت: طيب سأكون حاضراً.

بداية المحاكمة

وهكذا بدأت المحاكمة في اليوم الثاني، وكنت حاضراً وكانت المرافعات تجري حسب الأصول وكان يشمّ من إجابة المتهمين بعض ما يمس أعضاء المحكمة ولم يتأثر عضو المحكمة من ذلك حتى أن أحد المتهمين قال وبالحرف الواحد وهو يخاطب عضو المحكمة العرفية العسكرية (المرحوم) العقيد محمود عبد القادر: نحن نحاكم ونسجن في سبيل إشباع بطونكم المنتفخة. حيث كان (المرحوم) العقيد محمود عبد القادر له كرش.. لقد انتهى محاكمة (94) متهماً من أصل (167) متهماً.

اتصلت بوزيري (وزير الشؤون الاجتماعية المرحوم ماجد مصطفى) في بغداد، فأخبرته بما تم، فأمرني بأن أعود إلى بغداد حيث لم تبق حاجة لبقائي في الكوت بعد أن تنفذ طلب الحكومة على لسان الحاكم العسكري العام، ونظراً لأن المحكمة أصبحت متسلسلة واعتيادية. عدت في يومها إلى بغداد، وفي اليوم الثالث من عودتي وبينهما كنت منشغلاً في أداء واجباتي في مقر عملي، وفي الساعة (10) صباحاً دخل عليَّ وزير الشؤون الاجتماعية وهو بحالة تأثر قائلاً: (يا الله يابه يا الله) نروح أنا وياك إلى الكوت، حيث أنهم رموا المساجين وقتلوا اثنين منهم، فأمرت الحكومة أن نذهب أنا وأنت ونعالج الموقف.

فاستأجرنا سيارة أهلية، وفي الساعة الرابعة عصراً من ذلك اليوم سافرنا إلى الكوت، وبتنا تلك الليلة في دار (محمد الأمير) أمير ربيعه- وحضر في تلك الدار متصرف لواء الكوت (المرحوم) طاهر القيسي، فاستفسر الوزير من المتصرف عن كيفية وقوع الحادث. فأجابه: من أنه حسب ما علم أن المساجين تمردوا على المحكمة ثانية وأنهم ضربوا مدير السجن بالحجارة، فالسجانون بالاتفاق مع الشرطة صار الاحتكاك بينهما من جهة، وبين المساجين من جهة أخرى أدى إلى وقوع قتيلين من المساجين المتمردين ثم عاد المتصرف إلى مقر عمله في الكوت.. فبتنا ليلتنا تلك وعند الصباح سافرنا أنا والوزير إلى الكوت، وذهبنا رأساً إلى السجن، فرجوت من الوزير أن أبدأ أنا بمعالجة الموقف أولاً، ثم أترك الأمر إليه فوافق.

فأرسلت في طلب السجينين اللذين سبق أن أوفدا من قبل المساجين لمواجهتي وأتذكر اسم أحدهما وهو معلم ابتدائية -حسين- وكان طيباً، ومثقفاً فكلمتهما واستفسرت منهما عما وقع، فسردا لي الحادث وهو أن رئيس المحكمة العرقية العسكرية (المرحوم) اللواء الركن جميل مجيد قد أهان أحد المساجين أثناء محاكمته، ولم يكتف بذلك بل قام وضربه.. الأمر الذي سبب عدم خروجنا للمحاكمة ومقاطعتها خاصة وإنك قد تركت جلسات المحاكمة وسافرت إلى بغداد. فرجوتهما بأن تستمر المحاكمة حتى انتهائها فما كان منهما إلا أن رفضا رجائي فكررت طلبي ورجائي فقالا سنذهب ونكلم قيادتنا وسنعود بعد ذلك ونخبرك بما سيتم في هذا الشأن.

iNewsArabia.com > أخبار مختلطة > الزمان
من حافة التاريخ.. حياة أمير اللواء الركن المتقاعد طاهر الزبيدي   –   41,