من حافة التاريخ.. حياة أمير اللواء الركن المتقاعد طاهر الزبيدي -38

من حافة التاريخ.. حياة أمير اللواء الركن المتقاعد طاهر الزبيدي -38

الوادي أعاق ترقيتي وجمعة إتصل هاتفياً ببيتي للتهنئة بحصولي عليها

طارق النجار

بغداد

المقدمة

لا أود الخوض في حكاية مجردة لضابط عسكري عراقي أسهم في الكثير من انجازات الجيش العراقي وفي مختلف صنوفه ومراتبه، انما حدا بي الى هذه الحكاية التي انتبهت اليها، تلك الشخصية العسكرية الوطنية التي تركت اثراً في اديم العسكرية العراقية، وما ورد فيها من تفاصيل جعلتني أكثر قرباً من تاريخه العسكري تبؤوه عدة مناصب عسكرية تليق بالرجال. ليس لي احقية بهذا التاريخ غير سرده وأعانني فيه شخص ولده ” فيصل طاهر الزبيدي” الزميل السابق في العمل الوظيفي، وبالتحديد الخطوط الجوية العراقية، الذي زودني بمسوداته المبعثرة التي احسست بمشقـــة وعناء وجهد مضن في تناولها في ترتيبها وتدوينها وما لقيته من معاناة في تسلسلها الرقمي، بما تملكه من غزارة في المعلومات.

وهنا سردت قصته حرصه واهتمامه في إنقاذ المصابين أولاً في مرض الدفتريا وعدم تفشي المرض بين منتسبي وحدات الجحفل ثانياً، وسألته عن التقرير الذي كتبته بحقه آنذاك فكان جوابه هذا هو رأيي الشخصي، فأمره رئيس أركان الجيش (رئيس اللجنة) بأن ينصرف وبعد أن انصرف وافق أعضاء لجنة الترفيع بمجموع أعضائها على ترقيته، وصادق رئيس أركان الجيش على ذلك، وهكذا تم ترفيعه والسلام على من اتبع الهدى.

مدير شؤون الدفاع العام

بتاريخ 25/10/1951، أصدر وزير الدفاع أمراً بتنسيب اشتغالي بوظيفة مدير شؤون الدفاع العام، وهذا المنصب يسمى الآن (معاون رئيس أركان الجيش الإداري) ترتبط بهذا المنصب جميع الشعب، والمديريات الإدارية التابعة لوزارة الدفاع وهي:

1- مديرية الإدارة.

2- مديرية الميرة والتموين.

3- مديرية العينة.

4- مديرية الحسابات العسكرية العامة.

ولكل من هذه المديريات والشعب فروعها الكثيرة. كان آمر تعييني بهذه الوظيفة مغلوطاً حيث كان كل من مدير الإدارة ومدير العينة أقدم منّي، وهذا لا يجوز إشغالي هذا المنصب إذ سيكونان تحت أمرتي، وذلك وفق نظام وزارة الدفاع العسكري، فراجعت وزير الدفاع وأفهمته ذلك، فكان جوابه (طاهر، نحن نعتمد عليك، وعلى مقدرتك وقابلياتك) فقلت: أمرك وانصرفت، ولما حلّ تاريخ استحقاقي للترفيع لم أرفع وبعد أن أعلن جدول الترقية لم أجد أسمي بين أسماء أخواني المترفعين، فذهبت إلى وزير الدفاع وفاتحته في أمر حرماني من الترفيع وقلت له بالحرف الواحد: إن راتبي الذي أتقاضاه شهرياً مقابل أتعابي وما أوديه من خدمة تجاه جيشي العزيز. إن هذا الراتب لم يكن لي بمفردي، بل هناك شركاء لي في هذا الراتب، وهم زوجتي وأولادي، فما ذنب هؤلاء لتحاربوهم في رزقهم؟ .. وما هو السبب الذي حال دون ترفيعي؟ .. ثم أنكم أسندتم إليَّ عدة وظائف إضافة إلى وظيفتي الأصلية وكلها بدون مخصصات وها أنا ذا اشتغل يومياً قبل الدوام بساعة تقريباً إلى وقت يقارب منتصف الليل. فإذا كنت أنا عنصراً جيداً اعتمدتم عليه وأسندتم إليه هذه الوظائف كلها لِمَ لا تعطونني حقي بالترفيع الذي استحقه بجدارة وهمة ونشاط؟ وإذا كنت عنصراً خاملاً وكسولاً، لِمَ تبقون في الجيش؟ .. فباب الإحالة على التقاعد مفتوح، فأرجو إحالتي على التقاعد لتخلصوا من هذا العنصر الخامل..

فكان جوابه جواباً دبلوماسياً وقال: صارت يا طاهر وان شاء الله تترفع في الجدول القادم، وأنا أعدك بذلك، وهكذا بقينا ننتظر الجدول القادم، وهل أن وزير الدفاع الدبلوماسي سيبر بوعده؟ .. (العلم عند الله).

ورحت أزاول مهام أعمالي الكثيرة حتى صار وقت الترفيعات فذهبت إلى وزير الدفاع وهو (زميلي عندما كنّا معلمين لدورة الأعوان ومعلمين لدار التدريب) وواجهته وقلت له: أبو غزوة أذكرّك بوعدك الذي قطعته لي في أمر ترفيعي، وها أن وقت الترفيعات قد حان (والكريم إذا وعد وفى) فأجابني: كن مطمئناً من ترفيعك في هذا الجدول، فاستبشرنا خيراً وشكرناه، والشكر الله وحده وصدر جدول الترفيعات، ولم أجد أسمي بين أسماء أخواني المترفعين أيضاً، وكانت خيبة أمل وصدمة شديدة لي ولأفراد أسرتي. نعم لقد خاصمني من أنا تحت أمرتهما (رئيس أركان الجيش ووزير الدفاع) دون ذنب ما قد ارتكبته. ولا حول ولا قوة لي تجاه ما فعلوا وهنا ينطبق المثل القائل:

إذا كان خصمي حاكمي كيف أصنع؟

لمن اشتكي حالي لمن أتوجع؟

صبرت حتى سقطت الوزارة، وذهب شاكر الوادي وعين مكانه بمنصب وزير الدفاع السيد حسام الدين جمعة، فأعطى كل ذي حق حقه وعقبّ أمر ترفيعي بنفسه، وبعد أن تم توقيع جدول الترفيع، كان وزير الدفاع أول من اتصل بداري تلفونياً فكلمته بنتي (سها) وكنت أنا خارج الدار. فقال لها: وينه الباشا. فقالت له: والدي ليس بالباشا، بل هو زعيم، فأجابها: ترفع إلى رتبة أمير لواء. وأنا وزير الدفاع حسام الدين جمعة أن أزف إليكم بشرى ترفيع والدك، مبروك يا بنتي. وهكذا تم ترفيعي إلى رتبة أمير لواء اعتباراً من 2/11/1952 بفضل الله وكرمه.

قيادة الدرك العامة

بتاريخ 27/1/1953 صدرت الإدارة الملكية بتعييني قائداً عاماً للدرك فنفذت الأمر، والتحقت بمقر وظيفتي الجديدة مستصحباً معي ضباط المقر الذين رشحتهم للاشتغال معي في تأسيس مقر قيادة الدرك، وودعت أخواني الذين تعاونوا معي، وساعدوني على إنجاز واجبي كمدير للميرة والتموين من ضباط ونواب ضباط، ومراتب وموظفين مدنيين وودعت بهذه المناسبة جميع الوظائف الإضافية التي أسندت إليَّ في هذه الفترة بعد أن انفككت من مديرية الميرة والتموين، لم يعّين لي محل لاتخذه مقراً لقيادة الدرك، وصرت أتحرّى محلاً مناسباً لهذا المقر والشيء بالشيء يذكر. عدت في التفتيش لإيجاد المحل المناسب لتأسيس مقر قيادة الدرك، كما سبق لي أن فتشت عن محل مناسب لتأسيس مقر موقع بغداد، حتى وجدت غرفة كبيرة تجاورها غرفتان متقابلتان، تقع هذه الغرف الثلاث تحت بناية مديرية الشرطة العامة. فأسست مقر (قيادة الدرك العامة) في تلكم الغرف وبصورة مستعجلة دون الاهتمام بالأثاث وزركشتها. فجاءني من جاءني من المهنئين ومن جملة من جاء للتهنئة (ظاهراً) البريكدير (العميد الركن الانكليزي) (بيو) الملحق العسكري في السفارة البريطانية في بغداد مستصحباً معه الكابتن هولت (النقيب هولت) مستشار السفارة البريطانية الشرفي في بغداد، وبعد أن استقر بهم الجلوس، راح العميد (بيو) يوجه لي الأسئلة التالية:

سؤال: من كم وحدة سيتشكل الدرك؟ .. وما هو مقدار عدد أفراد وحدات الدرك؟ .. وقوة الدرك بصورة عامة؟

جواب: لم أبلغ بعد بملاك قوة الدرك، وعليه لم يكن لي علم بعدد وحداته، وعدد منتسبي كل وحدة من وحداته التي ستشكل ولا بمجموع قوة الدرك.

سؤال: من أين ستزودون وحدات قوات الدرك بالسلاح؟ .. وما هي نوعية الأسلحة التي ستكون بحوزة قوة الدرك؟

جواب: نظراً للمعاهدة المعقودة بين العراق وبريطانيا لابد أن الأسلحة والتجهيزات ستطلب من بريطانيا.

سؤال: من الذي سيبلغكم بالملاك؟

جواب: طبعاً الجهة التي نحن مرتبطون بها.. ألا وهي وزارة الداخلية.

وهكذا خرج الملحق العسكري، وصاحبه دون أن يستفيد مني بشيء من المعلومات التي جاءوا من أجلها وإليك أيها القارئ الكريم نبذة عن قوة الدرك التي كانت ستشكل في العراق:

1- لقد سنّ قانون الدرك في سنة 1936 وصادق عليه المجلسان التشريعيان، مجلس النواب ومجلس الأعيان، ثم صدرت الإدارة الملكية بتنفيذه آنذاك.

2- كان ذلك في زمن تولي رئاسة الوزارة من قبل المغفور له المرحوم ياسين الهاشمي، ثم جمدّ هذا القانون ولم ينفذ منذ ذلك الحين.

3- في سنة 1953 وبعد ما تولى الفريق الأول الركن نور الدين محمود رئاسة الوزارة نفذ هذا القانون وصدرت الإرادة الملكية بتنفيذه.

4- كانت قوة الدرك ستتكون من (27) سبعة وعشرين فوجاً من المشاة والصنوف الفنية، وتقارب قوة الجيش آنذاك.

5- كانت هذه القوة ستكون قوة ظهيرة مساندة لقوة الجيش.

6- كانت القوة المسلحة ستقوم بواجباتها على الوجه الآتي:

أ- قوة الجيش الباسل: لحماية الحدود الخارجية للبلاد من اعتداءات خارجية.

ب- قوة الدرك: تتولى قمع أي حركة تمردية في البلاد وفي داخلها.

ج- قوة الشرطة: لمطاردة العابثين وتنفيذ قضايا المحاكم وغيرها.

د- قوة الأمن: للأمور الفنية.

وبتنفيذ هذا القانون طبعاً ستزداد القوات المسلحة الدفاعية في البلاد إلى الضعف تقريباً. وهذا لا يتفق وخطة الانكليز المتغلغلة آنذاك لذلك قرروا إعادة تجميد القانون بطريقة غير قانونية. فشكرته وانصرفت..

أسقطوا وزارة الفريق الأول الركن نور الدين محمود. وتشكلت الوزارة الجديدة برئاسة نور السعيد، وصار السيد حسام الدين جمعة وزيراً للداخلية، التي كانت قيادة الدرك مرتبطة بها.. وبعد يومين فقط من تشكيل الوزارة الجديدة طلب وزير الداخلية تلفونياً حضوري في ديوانه، وبعد مواجهتي له فاتحني في أمر أعادة تجميد قانون الدرك. فقلت له: هذا شأن الحكومة والبلاط ولا دخل لي فيه. فقال وأنت مصيرك؟ .. فقلت له إحالة على التقاعد. ثم عاد وقال (لا) أي منصب يخطر ببالك من وظائف الدولة التي توازي درجتك؟ .. فقلت له أنني قد شغلت منصب الحاكم العسكري في وطني الثاني فلسطين العزيزة وفي المثلث العربي المتكون من:

1- متصرفية نابلس

2- متصرفية جنين.

3- متصرفية طول كرم.

وتمكنت بفضل الله وكرمه من إدارة هذه المنطقة على الوجه الأكمل. والآن لديكم متصرفيتان شاغرتان هما: متصرفية البصرة ومتصرفية السليمانية. فبإمكاني إشغال أحدى هاتين المتصرفيتين ولا فرق عندي بينهما. فأجابني أن السيد مظفر أحمد قد تم تعيينه لمتصرفيه البصرة. أما متصرفيه السليمانية فقد تعين لها السيد مزاحم ماهر. فأختر المحل الذي يخطر ببالك؟ .. فأجبته التقاعد.. فقال إذن أرجو أن تترك هذا الأمر لي وأعطني فرصة إلى يوم غد فقلت له حسناً وانصرفت.

وفي اليوم التالي تلقن لي السيد وزير الداخلية قائلاً: تفضل عندي، ولما حضرت أمامه طلب مني الجلوس فامتثلت وجلست وبعد شرب القهوة فاتحني قائلاً: ما رأيك بإسناد منصب أمين العاصمة لك؟ .. فقلت له لا مانع لدي، فعاد وقال طيب. سأهيئ لك كل شيء لإشغالك منصب أمين العاصمة.

وبعده بيوم واحد رجع وطلبني تلفونياً فذهبت إليه وقال لي (نوري باشا) يطلب مواجهتك في مقره في وزارة الدفاع الآن. فذهبت إلى وزارة الدفاع وواجهت وزير الدفاع في مقره فطلب مني أن التحق فوراً بواجبي السابق (مدير الميرة والتموين).

مدير الميرة والتموين

وبناءاً على تراكم المعاملات في هذه المديرية، ومنذ انفكاكي منها، طلب مني أن أشتغل بوقت إضافي عصراً وليلاً (بدون مخصصات طبعاً)، وأردف قائلاً: أطلب منك الالتحاق بمديريتك اليوم بل الآن، وان تشتغل بنشاطك الذي أعهده فيك، فأجبته: لا يمكن ذلك فأجاب لماذا؟ .. فقلت له: إنني اشتغلت قيادة الدرك العامة (بإرادة ملكية) فأين سيصبح مصير تلك الإرادة؟ .. فيجب أن تصدر إرادة ثانية بإعادتي إلى الجيش. ويتم إعادة تعييني في منصبي السابق (مدير الميرة والتموين) فكنا نتحاور في غرفة سكرتيرة (المرحوم) العقيد الركن عبد الوهاب شاكر، فالتفت إلى سكرتيره وسأله رأيه فيما ذكرت وطلبت، فأجابه السكرتير أن قول اللواء طاهر صحيح ويجب أن تصدر إرادة ملكية بإعادته إلى الجيش.

فرد عليه الوزير قائلاً: طيب نظم مسودة الإرادة حالاً فطبعت وأخذها الوزير إلى البلاط، وفي اليوم الثاني صدرت الإرادة الملكية بإعادتي إلى الجيش، وتبلغت بها بعد يوم واحد من صدورها. وهكذا تركت مقر قيادة الدرك (بكل أسف) وأنحرمنا من تشكيله، وخسرت البلاد هذه القوة الجبارة (وسرّ إلغائها عند الله) وتجمد قانونها بطريقة غير قانونية حيث بعد أن تنفذ القانون، لا يمكن أن يلغى إلا بقانون وإرادة ملكية. وان الأخوة رجال القانون أدرى وأعلم بما أكتب وأقول وهكذا عدت إلى الجيش مع من استصحبت من أخواني الضباط والعود أحمد وبدأنا نزاول أعمالنا كالسابق.

العودة إلى الجيش

لقد عدت إلى الجيش بعد صدور الإرادة الملكية وذلك بتاريخ 25/2/1953 وبتاريخ 27/7/1953. طلبني وزير الدفاع فذهبت وواجهته وفاتحني في أن السيد ماجد مصطفى يطلبني بإصرار لأتولى مديرية السجون العامة وطلب مني أن أبين رأيي لهذا المنصب، ففكرت قليلاً فقال: لك أن تفكر إلى يوم غد ثم أخبرني بما تقرره. هنا لابد لي أن أشرح ثلاث نقاط في هذا الموضوع:

1- معرفتي بالسيد ماجد مصطفى وزير الشؤون الاجتماعية وأسباب ترشيحه لي لمنصب السجون العام.

عند تتويج الملك حسين، ملك المملكة الأردنية شكلت الحكومة العراقية بعثة شرف لنشترك في احتفالات التتويج في عمان عاصمة الأردن، تكونت هذه البعثة من الذوات الآتية:

أ- السيد ماج مصطفى- وزير الشؤون الاجتماعية رئيساً.

ب- أمير اللواء طاهر محمد الزبيدي- مدير الميرة والتموين في وزارة الدفاع. عضواً.

ج- السيد طاهر الباجه جي- الوزير المفوض في وزارة الخارجية، عضواً.

سافرنا بمجموعتنا من مطار بغداد (المثنى) إلى بيروت وبقينا فيها يومين كاملين، ثم طرنا أنا والسيد طاهر الباجه جي إلى مطار القدس، وبقي رئيس بعثة الشرف في بيروت لدى صديقه السيد صائب سلام رئيس الوزراء اللبنانية لاحقاً، ووصل إلى عمان بعد يومين من وصولنا إليها وترأس البعثة.

نعم.. وصلنا أنا والأخ السيد طاهر الباجه جي إلى مطار القدس وكان في استقبالنا وعلى رأس المستقبلين السيد حسن الكاتب متصرف (محافظ) القدس وكان حرس الشرف مصطفاً، وكان ضابط أردني برتبة (نقيب) واقفاً حيث عين مرافقاً عسكرياً لي.

بعد أن فتشت مع محافظ القدس حرس الشرف، ذهبنا إلى دار السيد المحافظ لضيافة شاي، وان معرفتي بالمحافظ لم تكن بنت ساعتها بل هي قديمة، أي منذ أن كنت حاكماً عسكرياً عامّاً في فلسطين سنة 1948-1949 حيث كان الموصا إليه أي السيد حسن الكاتب رئيساً للمحاكم المدينة في نابلس.

وهكذا، وبعد الانتهاء من الضيافة، توجهنا أنا وزميلي السيد طاهر إلى عمان في سيارة ممتازة، وضع على واقيتها من الجهتين العلمان العراقي والأردني، وركب في صدر السيارة المرافق. وكانت سيارة أخرى قد سبقتنا إلى عمان وبعد أن وصلنا إلى المنطقة التي أعدت الحكومة الأردنية فيها داراً مؤثثاً تأثيثاً افخراً ولكل منّا غرفته، وفيها صالوناً كبير ممتاز للاستقبال. فأنزلونا فيها، وكان على الباب هذه جماعة حرس لحراستنا فطلبت في اليوم الثاني من المرافق أن يصرف الحرس الذي لم نر لزوماً له البتّه.. ووصل رئيس البعثة وتقاطرت علينا مجموعات كثيرة من الزوار قبل يوم التتويج وبعده، وفي اليوم الثالث من التتويج زارتنا مجموعة من الزوار الفلسطينيين، ومن بلدة نابلس الغالية.. يترأس هذه المجموعة الحاج معزوز باشا المصري، أحد أشراف مدينة نابلس، وبعد أن رحب رئيس الهيئة بمقدمنا خاطبني بقوله: يا أبا أسامة أننا جئنا إليك نزورك أولاً، ولندعوك لزيارة بلدتك نابلس التي لا تزال تقدر لك خدمتك، وإخلاصك لها ولتوابعها من المناطق التي ضحيت أنت من أجلها بكل غالٍ ورخيص.

ثم أردف قائلاً: إن لم تلب طلبنا في زيارتك لنا في نابلس ثق واعتقد إننا صمّمنا أن نسرقك ونذهب بك إلى نابلس. فقلت له: أنني جئت إلى هنا عضواً في بعثة الشرف وإنني أتشرف بدعوتكم هذه ويزيدني شرفاً أن أزور بلدتي العزيزة نابلس، وأهاليها الكرام لكنني عضو في اللجنة.. أرجو توجيه الدعوة إلى السيد رئيس البعثة وزير الشؤون الاجتماعية، فتوجهوا إليه بالرجاء لقبول الدعوة، شارحين خدماتي السابقة له، فرد عليهم الوزير بالإيجاب والقبول. وقائلاً وبالحرف الواحد: سأتشرف بزيارتكم، وآتي بمعية الباشا (يقصدني).

وبعد أن ودعّنا هذه المجموعة الخيّرة، عدنا وجلسنا في صالون الاستقبال وإذا بالوزير السيد ماجد مصطفى يخاطبني بقوله: طاهر غداً وعند الصباح الباكر تأخذ معك طاهر الباجه جي وتسافرون إلى بيروت، حيث كل شيء من واجباتنا هنا قد انتهى وحتى إننا ذهبنا إلى الملك حسين وودعناه.

لأنني بالنظر لما شاهدته وسمعته من تعلق رجال وأشراف لواء السامرة ونابلس وضواحيها سيقيمون لك دعوات واحتفالات تفوق حدودها، ولربما تخلق لنا مشاكل نحن في غنى عنها، وعليه أرجوك وقبل أن يبوكوك (يسرقوك) سافر عند الصباح.

فقلت له! أمرك، واستصحبت صاحبي السيد طاهر الباجه جي عند الصباح الغد الباكر، وذهبنا إلى مطار القدس وركبنا الطائرة وحطت بنا في مطار بيروت.. ثم انتقلنا من هناك إلى الأوتيل وبعد يوم واحد وصل بيروت رئيس البعثة فتحركنا معاً إلى بغداد وانتهى الأمر هكذا.

فمن هنا ولهذه السفرة بالذات، صرنا أنا والسيد الوزير ماجد مصطفى نتعارف، وارتبطت بيننا صداقة ومعرفة وثقى، وهذا هو السبب الذي دعاه إلى أن يرشحني ويطلبني للقيام بواجبات مدير السجون العام.

iNewsArabia.com > أخبار مختلطة > الزمان
من حافة التاريخ.. حياة أمير اللواء الركن المتقاعد طاهر الزبيدي   -38,