من حافة التاريخ.. حياة أمير اللواء الركن المتقاعد طاهر الزبيدي 23

من حافة التاريخ.. حياة أمير اللواء الركن المتقاعد طاهر الزبيدي 23

الإسرائيليون يهاجمون جنين بخمسة آلاف مقاتل والجيش العراقي يرد

طارق النجار

بغداد

المقدمة

لا أود الخوض في حكاية مجردة لضابط عسكري عراقي أسهم في الكثير من انجازات الجيش العراقي وفي مختلف صنوفه ومراتبه، انما حدا بي الى هذه الحكاية التي انتبهت اليها، تلك الشخصية العسكرية الوطنية التي تركت اثراً في اديم العسكرية العراقية، وما ورد فيها من تفاصيل جعلتني أكثر قرباً من تاريخه العسكري تبوؤه عدة مناصب عسكرية تليق بالرجال. ليس لي احقية بهذا التاريخ غير سرده وأعانني فيه شخص ولده ” فيصل طاهر الزبيدي” الزميل السابق في العمل الوظيفي، وبالتحديد الخطوط الجوية العراقية، الذي زودني بمسوداته المبعثرة التي احسست بمشقـــة وعناء وجهد مضن في تناولها في ترتيبها وتدوينها وما لقيته من معاناة في تسلسلها الرقمي، بما تملكه من غزارة في المعلومات.

تعزيز قوة لواء اضافية

طلبنا والحالة هذه قوة من العراق لا تقل عن لواء كامل بجميع صنوفه ووحداته، فتمت الموافقة وتقرر ارسال هذا اللواء، وفعلاً قد وصل ف2ل5 الى نابلس عصر يوم 1/6/1948، وكان آمر هذا الفوج (المرحوم) المقدم الركن عمر علي، وقد واجهني قائلاً: سيدي انني كمقدمة اولى وصلت لأكون تحت أمرك مع العلم انني مررت بالقيادة العامة في الزرقاء وانا في طريقي الى نابلس،وواجهت وكيل القائد العام اللواء الركن نور الدين محمود وامرني بأن لا أطيع أوامر القيادة (عادت حليمة الى عادتها القديمة) كما سبق ان أمر آمر جحفل اللواء الأول (المرحوم) العقيد الركن نجيب الربيعي، فامرته أن يعسكر على سفوح جبل مفرق (دير شرف) (كانت قد اختمرت لدي فكرة بأن نهاجم (نتانيا) على ساحل البحر الابيض المتوسط بقدمتين: طول كرم nكفريوتا – كفريونا – نثانيا – مستخدماً لواءاً كاملاً بثلاثة افواج: فوجين في الهجوم وفوج واحد في الاحتياط، وبهذا اكسر العمود الفقري من اليهود وأشطرهم الى شطرين، وكنت اخشى التجسس المحلي، وعليه وضعته في مفرق طريق جنين – طول كرم لأموه على المتجسسين وحرية حركة هذا الفوج: جنين – طول كرم ..).

فأمتثل الأمر وذهب مع فوجه الى دير شرف وفي يوم 2/6/1948 استصحبت معي كلاً من آمر جحفل اللواء الأول (المرحوم) العقيد الركن نجيب الربيعي وآمر القوة الآتية العقيد الركن رفيق عارف ورئيس ركن القيادة العراقية العقيد الركن (المرحوم) غازي محمد الداغستاني، والمقدم الركن (المرحوم) عمر علي آمر ف2ل5 فمثلاً للواء الرابع الذي كان من تشكيلاته، وذهبنا الى منطقة جوار مدينة طول كرم ومن فوق سطح بلديتها، استطلعنا المنطقة وطريق تقدم القوة الضاربة (المهاجمة) بلواء مشاة، وأجرينا تقدير الموقف ونظمنا الخطة لهذا الهجوم، وعدت إلى مقري واسناداً الى تقدير الموقف والخطة الهجومية، اصدرت أمر الحركة على ن تبدأ تنفيذ الخطة الهجومية.

تنفيذ الخطة الهجومية

بالتنفيذ فجر يوم 4/6/1948 وذلك حتى يصل إلي فوج آخر من اللواء الرابع يوم 4 حزيران 1948، فيكون لدي فوجان من اللواء الرابع والفوج الاول (ل15) التابع لجحفل اللواء الااول، فيكون والحالة هذه لدي ثلاثة افواج كاملة تقوم بتنفيذ خطة الهجوم بها فلم أنته من أمر الحركات المذكورة وأوقعه الا ألساعة (12.20) الثانية عشرة والدقيقة العشرين بعد منتصف ليلة 3-4 حزيران 1948، وخوفاً من ان تتسرب أمر الحركة الى اليهود اضطررت أن ارسله بيد ضابط الركن الثالث الرئيس الاول الركن (سلمان الدركزلي) الى القيادة العامة.

معركة جنين الخالدة

وفي الساعة (02.15) الثانية والدقيقة الخامسة عشرة من ليلة 4 /6/1948، دخل خيمتي في مزرعة عسكر جنوب جنين العقيد الركن (المرحوم) رفيق عارف آمر القوة الآلية وبرفقته مقدم لوائه المقدم الركن شاكر محمود شكري وافاد: ان العدو الاسرائيلي هاجم مدينة جنين بقوة تقدر باكثر من خمسة ألاف مقاتل واحتلها وقد احتل الجبال المحيطة بقرية جنين واشرف على الطريق العام (جنين – قباطية – نابلس) وأن قوتنا المتكونة من الفوج الآلي ناقصاً سرية وبطرية مدفعية (7/3) محصورة الآن في قلعة جنين، بعد أن أنسحبت السرية الثالثة التي كانت تحتل الراقم (152) على التلول الواقعة شمال مدينة جنين بمسافة 2.5 ميلين ونصف الميل (أنظر المخطط رقم 11 وفيه نطلع على صفحات القتال التي دارت رحالها في هذه المعركة الخالدة وانني لمتاكد ايها القارىء الكريم أنك ستفتخر وستبقى تفتخر بجيشك العراقي البطل في هذه المعركة بالرغم من قلته تجاه عدوه..) ولا ندري ما نعمل؟ .. فلم تكن لدي أي قوة احتياطية كما اسلفنا لاستخدامها في مقاتلة الاسرائيليين في هذه المعركة سوى الفوج الثاني لواء الخامس الذي أمرت آمره أن يعسكر في مفرق (دير شرف) فابرقت اليه برقيتي التاريخية الآتية وارسلتها بيد ضابط الركن الاول للقيادة العراقية الرئيس الاول الركن – شكري محمود نديم ليسلمها باليد الى آمر الفوج .

(نص البرقية)

الى آمر ف2ل5:

احتل العدو الاسرائيلي مدينة جنين بقوة كبيرة تقدر بأكثر من خمسة الاف مقاتل، ثم استمر بتقدمه وأحتل الجبال المحيطة بمدينة جنين، واشرف على الطريق العام (جنين – قباطية – نابلس) قوتنا التي تتكون منها حامية منطقة جنين والمؤلفة من الفوج الآلي ناقصاً سرية مع بطرية مدفعية (7/3) في حالة حصار في قلعة جنين … واجبكم الحركة فور استلامكم برقيتي هذه الى ساحة الوغى ساحة الشرف، ساحة جنين المغتصبة والدخول في المعركة مع العدو المغتصب وطرده من مواقعه مهما كلفكم الأمر، سامدكم بالفوج الثاني من اللواء الرابع الذي سيصل نابلس في الساعة العاشرة من صباح هذا اليوم كما الحقت بكم بطرية مدفعية (25 رطل) وستواصل القوة الجوية قصفها المستمر على مواقع ومحلات تحشدات العدو، انبؤونا..

الزعيم

طاهر محمد الزبيدي

قائدالقوات العراقية

واعقبت برقيتي الآنفة الذكر وركبت سيارتي الجيب، وتوجهت نحو معسكر الفوج الثاني للواء الخامس في دير شرف … وعند وصولي الى قلب مدينة نابلس وامام جامع (نمر) بالضبط شاهدت رئيس بلدية جنين آنذاك (المرحوم) سليمان طوقان، فوقفت الى جانبه وسالته: ماالذي دهاه وهو في موقفه المتحير؟ .. فأجابني: والله يا سيدي نخشى ان يكون مصيرنا (مصير اللّد والرملة) بعد ان استولى اليهود على جنين!. فقلت له: (لا تخف) فان المسؤولين عن حماية منطقتكم هم الجيش العراقي وليس سواه، وأننا قد عاهدنا الله أن نموت في هذه التربة المباركة، ولا نعطي مجالاً لليهود الجبناء بان يتمادوا في غيهم، وأن الله على ما أقول شاهد ووكيل.

فها أنا ذا (يا ابا غالب) ذاهب الى المعركة فهل تريد أن تصاحبني لتشاهد بام عينك شجاعة الجندي العراقي وتضحياته؟

فاجابني بالأيجاب، وركب إلى جانبي وتحركنا نحو هدفنا المقصود (دير شرف) فوصلنا في الساعة (03.20) الثالثة والدقيقة العشرين من فجر يوم 4/6/1948 فكانت برقيتي المارة الذمر قد وصلت الى آمر الفوج الثاني للواء الخامس وهو بدوره قد عممها على سرايا فوجه طالباً التهيؤ للحركة خلال ساعة واحدة، وقد واجهت آمر الفوج المذكور، وهو يشرف على تهيئة الفوج للحركة وشاهدت أن الفوج كان منشرحاً لهذا النبأ السار الذي كان ينتظره بفارغ الصبر، وصار البعض منهم ينشد الاناشيد الوطنية والبعض الآخر يغني ويصفق، ومنهم من اخذ يزغرد (يهلهل) ويهوس الهوسات العربية وخاصة العراقية، ومنهم من يقول:

(هذا اليوم الجنة نريدة …) وكأنهم ذاهبون الى زفاف ليلة عرسهم وليس للقتال، وفيه مخاطر الموت، وقد شاهدت أيضاً أحد الجنود وقد تسلق قمة جبل دير شرف، وصار يؤذن والشكل يهلهلون ويكبرون … فبهذه الروح العربية العالية وبهذ الحماس الشديد الذي لا يجاريه حماس تحرك الفوج الثاني للواء الخامس تحت قيادة آمره (الرمحوم) المقدم الركن (عمر علي) وذلك في الساعة (04،15) من صباح يوم 4 حزيران 1948 متوجهاص نحو مدينة قباطية.

فوصلها في الساعة (06.00) السادسة من صباح ذلك اليوم وكنت قد رافقت الفوج المذكور من معسكره في دير شرف حتى وصوله مدينة قباطية، وهناك نظمنا خطة القتال مع آمر الفوج، واتفقنا على ضرورة التقدم من منطقة بركين، واحتلال الجبال الغربية من مدينة جنين، لكي يكون الفوج الثاني اللواء الخامس (المهاجم) على ارتفاع واحد مع العدو الصهيوني الذي يحتل الجبال الجنوبية من مدينة جنين، وهكذا قبلّت آمر الفوج ودعوت له بالنصر المبين وأخذ طريقه الى استقامة المنطقة الجبلية المتآخمة الى بركين، على بركة الله، فوصل الفوج الى هدفه، وأحتل تلك الجبال، وأصبح على مرتفع واحد مع اعدائه الصهاينة المجرمين، وأخذ يطلق النار عليهم ويتبادل القتال.

وفي الساعة (09.30) التاسعة والدقيقة الثلاثين من صباح يوم 4 حزيران 1948، وصل مقر حجفل اللواء الرابع تحت قيادة آمره العقيد الركن صالح زكي توفيق، ووصل معه الفوجان الأول والثاني من العراق .. فاصدرت اليه برقية بالحركة خلال ساعة واحدة الى منطقة القتال على أن يتخذ من مدينة (قباطية) مقراً له وأن يستصحب معه فوجاً واحدا من اوائه، ويترك الفوج الآخر في نابلس كاحتياط لمعالجة اي حادث يتطلب استخدامه … وفعلاً تحرك مقر حجفل اللواء الرابع الى منطقة المعركة مع جميع قطعاته، تاركاً ف1ل4 في نابلس معقباص طريق نابلس – دير شرف – عرابة – ميركة ومتخذاً تدابير الحماية الجوية ومرابياً التلول التي كانت على طرفي طريق تقدمه تمهيداً لدخول ف2ل4 الذي استصحبه معه المعركة بالاشتراك مع ف2ل5 الذي سبقه في شرف القتال مع الصهاينة المجرمين الجبناء .

ونظراً لما رايناه من ضرورة ملحة لانهاء القتال بسرعة متناهية أرسلنا ف1ل4 الذي كان قد بقي في نابلس الى منطقة القتال والتحق بمقر جحفل اللواء الرابع، فاصبح الموقف والحالة هذه كما يلي: (أنظر المخطط رقم (11) رجاءاً وامعن النظر في اتجاهات وحدات جيشنا الباسل على الصهاينة وكيف أن شجعاننا أرهبوا عدو الله وعدونا…)

أ. ف1 آلي ناقصاً سرية واحدة في قلعة جنين . في حالة حصار الا ان القتال بينهما وبين العدو كان مستمرا

بù. بطرية مدفعية 7/3 في قلعة جنين .

ج. ف2ل5 يحتل التلول الواقعة الى الغرب والغرب الجنوبي من مدينة جنين.

د. مقر جحفل ل4 مع ف2ل4 .

هــ. سرية الهندسة الخاصة .

و. سرية المخابرة والاشغال .

(هذه الفقرات الثلاثة في طريق نابلس – دير شرف – جنين متخذاً تدابير الحماية الجوية الى منطقة عرابة – ميركة)

ن. بطرية مدفعية 25 رطل: كانت تصلي العدو ناراً حامية .

ح. القوة الجوية العراقية: تمطر العدو بقنابلها في منطقة جنين وما وراء المدينة الى الشمال أين ما وجد.

وفي الساعة العاشرة والنصف من يوم 4 حزيران 1948 وصل . آمر الجحفل الرابع منطقة القتال، فنقلنا قيادة المعركة من المقدم الركن (المرحوم) عمر علي آمر ف2ل5 الملحق بجحفل اللواء الرابع الى آمر الجحفل نفسه العقيد الركن صالح زكي توفيق فزار جبهة القتال وقرر اسناد جناحي ف2ل5 بسريتين من الفوج:

1 . السرية الاولى من ف2ل4 .

2 . فصيل رشاش.

3 . مفرزة هاون.

(هذه الفقرات الثلاث تحركت الى الجناح الاكبر من ف2ل5 لاسناد الفوج اولاً وتضرب العدو في تلك المنطقة ثانياً…).

1 . السرية الثالثة من ف2ل4 .

2 . فصيل رشاش فيكرس.

3 . مفرزة هاون.

التقدم لمقاتلة العدو

(هذه تتقدم نحو جناح ف2ل5 الايمن لاسناد هذا الجناح أولاً ولمقاتلة العدو ثانياً…).

وهكذا انقذت خطة الهجوم بثلاثة أرتال (انظر المخطط رقم (11) لترى كيف تقدمت أرتال العدو وأحتلت جنين والجبال المحيطة بها… ثم امعن النظر في أرتال الجيش العراقي وكيفية تقدمها، وكيف انها انقضت على عدوها كالعقاب الكاسر مع قلة عددها (وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله) (صدق الله العظيم)…).

وكانت مدفعيتنا الجبارة (25 رطل) تدك مواضع العدو ومحلات مواضعه بوابل من القنابل الثقيلة، وكان نسورنا البواسل يمطرون العدو الغاشم بقنابلها الصائبة وبناءاً على توجيهات تلفونية من مقر القيادة العراقية الأمامي صار الفوج الآلي ناقصاً سريتين وبطرية المدفعية 7/3 يصلي العدو بنيرانه وكانت القوات المحلية الفلسطينية المناضلة تهاجم وتشاغل العدو في كل نقطة من نقاط ضعفه، فارتبك العدو ارتباكا منقطع النظير واستمرت المعارك مدة يومين وفي فجر يوم 6/6/1948، قام الجيش العراقي بحملة بالسلاح الأبيض وهو يردد الحكمة الكريمة الله الله الله، فيردد الجبل والوادي والافق هذه الكلمة السامية، من اسماء الله الحسنى معه.

iNewsArabia.com > أخبار مختلطة > الزمان
من حافة التاريخ.. حياة أمير اللواء الركن المتقاعد طاهر الزبيدي   23,