من حافة التاريخ.. حياة أمير اللواء الركن المتقاعد طاهر الزبيدي 24

من حافة التاريخ.. حياة أمير اللواء الركن المتقاعد طاهر الزبيدي 24

الجنود العراقيون ماهرون بالقتال الأبيض والأعزل وإشتبكوا بالأيدي مع اليهود

طارق النجار

بغداد

المقدمة

لا أود الخوض في حكاية مجردة لضابط عسكري عراقي أسهم في الكثير من انجازات الجيش العراقي وفي مختلف صنوفه ومراتبه، انما حدا بي الى هذه الحكاية التي انتبهت اليها، تلك الشخصية العسكرية الوطنية التي تركت اثراً في اديم العسكرية العراقية، وما ورد فيها من تفاصيل جعلتني أكثر قرباً من تاريخه العسكري تبوؤه عدة مناصب عسكرية تليق بالرجال. ليس لي احقية بهذا التاريخ غير سرده وأعانني فيه شخص ولده ” فيصل طاهر الزبيدي” الزميل السابق في العمل الوظيفي، وبالتحديد الخطوط الجوية العراقية، الذي زودني بمسوداته المبعثرة التي احسست بمشقـــة وعناء وجهد مضن في تناولها في ترتيبها وتدوينها وما لقيته من معاناة في تسلسلها الرقمي، بما تملكه من غزارة في المعلومات.

هزيمة العدو

فترك ما تبقى من الصهاينة مواضعهم مولين الادبار وانقلب انسحابهم الى هزيمة نركراء تحت تاثير النيران الآتية من:

أ. القوة العراقية المهاجمة من قطعات المشاة والرشاشات الفيكرس.

ب. قنابل مدفعية الهاون المهاجمة.

ج. قنابل المدفعية (25 رطل).

د. القوة الجوية التي كانت تلاحق فلول المهزمين.

و. الفوج الآلي ناقصاً سرية واحدة مع بطرية 7/3 التي صبت نيرانها على أعدائها من القلعة .

وهكذا انتصر جيشنا العراقي البطل على عدوه الصهيوني الغاشم الذي يفوقنا عدداً وعدة بأضعاف ما كنا عليه، وقد القيت خطاباً بالمناسبة هذا نصه ادناه وما النصر الا من عند الله – صدق الله العظيم

يوم مشهود

هو ذلك اليوم الذي انتصر الحق به على الباطل وتزعزت الأركان العقلية لقادة القوة الغاشمة ؛ فجاءت صفعة القوة العراقية على أوجه الصهاينة المشردين من آفاق الأرض لطخة سوداء على جبينهم لا تمحى، فقام وايزمن وقعد فارغد بنغوريون وأزبد وتحصر شرتوك (شاري) وتأفف ولكن بدون جدوى.

نعم في ذلك اليوم أي (6) حزيران سنة 1948 ؛ ياله من يوم مبارك وياله من يوم مشهود.

لقد قررت قيادة اليهود المشردين القيام بهجوم شامل فأوفدوا أكبر قوة ميكانيكية عرفتها معارك فلسطين لمهاجمة الجيش العراقي (ليوثه الكواسير) المرابط آنذاك في منطقة (جنين) فنزلت قوتهم هذه التي كانت تقدر بنحو أكثر من خمسة آلاف مقاتل أمام الخطوط الدفاعية للقوات العراقية التي كانت لا تزيد على الــ(250) مقاتلاً من جميع المراتب والصنوف شمال جنين بمسافة خمسة كيلومترات تقريباً ثم تقدمت زاحفة باستقامة البلدة لاحتلالها وابادة حاميتها عن بكرة ابيها، ومن الجدير بالذكر انه قد تم لهم احتلال البلدة والجبال المحيطة بها دون أن تنفذ رغبتهم في ابادة تلك القوة ولم يدروا أن بينهم وبين ما يبتغون خوط القتاد (قال اخسأوا فيها ولا تكلمون) صدق الله العظيم.

ولم يكن للجيش العراقي قوة احتياطية سوى الفوج الثاني للواء الخامس، ذلك الفوج الذي كان قد وصل من العراق الى نابلس قبل هذا الهجوم بــ16 ساعة فقط.

ولما كنت قائداً للقوات العراقية آنذاك وبعد أن جاءني النذير أو بالأحرى (البشير) أمرت الفوج المشار اليه بالحركة فوراً الى منطقة القال وعندما تلقى الفوج أمر الحركة وذلك في الساعة 02.35 من بعد منتصف ليلة 4 من شهر حزيران فأنتفض وهو يهلل ويكبر وارفع ا؛د الجنود الى قمة الجبل الذي كانوا يشغلونه (فأذن) أذان الصباح وصاح منتسبوا هذا الفوج صيحة واحدة (الله أكبر) وامتطوا سياراتهم وتحركت القافلة والتهليل والتكبير لا يفارق أفواههم حتى وصولهم الى ساحة الشرف الى أنقاذ جنين الوطن العربي الذبيح، الى انقاذ الحامية التي كانت محصورة في قلعتها الى حماية أرواح ساكني هذه البلدة وحماية شرف نسائها وبناتها العربيات المخدرات ولسان حالهم يقول:

ومن لم يذ عن حوضه بسلاحه: يهدَّمْ ومن لا يظلم الناس يظلم

وقد وصل الفوج الى مفرق طريق قرية قباطية – جنين في الساعة الخامسة والدقيقة 20 فتقدم آمره البطل المقدم الركن (آنذاك) العقيد الركن (عمر علي) وأعطى أوامره لاحتلال الجبال المحيطة بقرية جنين والتي كانت مشغولة من قبل القوات الصهيونية وطرد هذه القوة الغاشمة.

فتقدم الفوج وهو العاشق الضمآن لمثل هذا الامر واحتل الجبال القريبة من البلدة ثم استمرت المعركة وفي أثناءها وصل مقر ل4 (لواء الملكة عالية) مع الفوج الأول منه فمددنا أجنحة الفوج الثاني ل5 بسريتين منه فأصبح مجموع المحاربين من الجيش العراقي الذي اشترك في هذه المعركة لا يتجاوز الــ720 جندياً وضابطاً، فاستمرت المعركة صباح يوم 6/6/1948 الباكر، ولم يجد الجيش العراقي بداً من القيام بمهاجمة تحصينات الصهاينة المجرمين بالسلاح الابيض، فاستقر الرأي على تنفيذ هذه الخطة فنهضت القوة العراقية ضباطاً وجنوداً شاكين حرابهم على رؤوس بنادقهم تساندهم مدفعيتنا صائحين صيحة واحدة (الله اكبر) فيردد صداهم الجبل والوادي، فانسحب العدوّ بل انهزم وتقهقر من حيث أتى تاركاً جثث منتسبيه النتنة واسلحتهم وذخائرهم مكدسة فجاءت كلمة الحق (وقل جاء الحق وزهق الباطل ان الباطل كان زهوقا).

نعم انهزم العدو على ايدي أبطال هذه المعركة التي لم تكن تساوي عشر عددهم، صدق الله العلي العظيم القائل: (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله).

فكانت خسائرهم في الأرواح تقدر بحوالي (1000) قتيل و(1200) جريح هذا فضلاً عن الــ(300) جندي صهيوني أصيب بالجنون من هول هذه المعركة وادخلوا مستشفى حيفا الصهيوني للأمراض العقلية، ولم يخسر الجيش العراقي في هذه المعركة الا ضابطاً واحداً وسبعة وعشرين ضابط صف وجندياً شهداء، فإلى أرواح هؤلاء الابطال الغر الميامين الفاتحة والف تحية وتحية.

وبنتيجة هذه المعركة وصفتنا اذاعة تل ابيب بأننا برابرة أو وحوش فلهم ما يصفون ولهم ما يقولون، لكننا نفتخر ونقول ان هذه المعركة سجلها لنا التاريخ بقلم من نور على صفحاته الخالدة، وانا لهؤلاء الصهاينة لبالمرصاد وكل آتٍ قريب.

الزعيم

طاهر محمد الزبيدي

قائد القوات العراقية في فلسطين – سابقاً

وهذا جدول تقريبي لعدد المقاتلين والشهداء والمفقودين والجرحى والذين جنو من الصهاينة.

1 . عدد المقاتلين من الجيش العراقي 780 مقاتلاً فالشهداء ضابط واحد و27 من المراتب وعدد الجرحى 38 جريحاً.

2 . عدد المقاتلين من الجيش الاسرائيلي أكثر من خمسة آلاف مقاتل وعدد المقتولين هو (975) وعدد جرحاه هو (1200 جريح) والذين اصابهم الجنون من هول المعركة هو (300) وقد نقل لي هذا العدد من الذين جنوا من جنود العدو، ودخلوا مستشفى حيفا للامراض العقلية سكان القرى، كنت أزود سكان القرى المجاورة لمدينة حيفا بالاعتدة التي كانوا يحتاجونها، وانهم ابطال وصمدوا حتى النهاية في وجه الصهاينة المجرمين، هم الذين نقلوا لي نبأ دخول 300 جندي صهيوني مستشفى حيفا للامراض العقلية، نص الخطبة بمناسبة الانتصار على الصهاينة.

فغنمنا كثيراً من أسلحتهم المختلفة التي تركوها في ميدان المعركة مولين الادبار، فوزعنا تلك الاسلحة على المناضلين وعلى الآهلين ليستفيدوا منها في مقاتلتهم أعدائهم اليهود والصهاينة، وبقيت لدينا الاسلحة الآتية التي غنمناها من العدو (كتاب اللواء الركن خليل سعيد – تاريخ حرب الجيش العراقي في فلسطين /الجزء الاول..).

1- (15) بندقية برنو / اعطيت للآهلين المحليين غير المسلحين.

2- (3) مدافع هاون ثلاث عقد.

3- (11) مدافع هاون عقدتين.

4- (2) قاذفة بيات.

5- (3) رشاشات خفيفة مختلفة.

6- (1) رشاشة برن.

7- (9) رشاشات ستن.

8- (34) رمانة يدوية.

9- (3) اجهزة لاسلكية صغيرة.

10- (1) جهاز لاسلكي رقم 18 .

وكمية كبيرة من عتاد الهاون والاسلحة الخفيفة والمعاول والمجارف وبعد ان انهزم العدو الصهيوني هزيمته النكراء هذه فجر يوم 6/حزيران 1948 .

لاحقه جيشنا المغوار فاحتل جنين – الراقم /152 – المعسكر البريطاني بيت فاد- دير غزالة – عراثة – عريوثة – جلمة – وقد احتل المناضلون قرية فقوعة (كانت احدى اليهوديات المقاتلات وراء رشاشهن ترمي المناضلين المتقدمين وقد قتلت في آخر صلية رمتها شهيدين مناضلين ونفذ عتادها، فذبحها المناضلون وهي وراء رشاشتها).

وبينما كان الفوج الثاني للواء الخامس يتسلق المزار لاحتلال القرية، كنت الى جانب آمر اللواء الرابع العقيد الركن صالح زكي توفيق نشرف على المعركة وكنا نشاهد اليهود يخلون مدينة (عقولة) بسياراتهم التي كانت متجهة نحو حيفا وفي الساعة (2.30) ظهراً حضر وكيل القائد العام اللواء الركننور الدين محمود وهو بغاية من الهياج والإضطراب وقال (هاي شنو هالهجوم)؟.. أوقفوا هجومكم هذا فوراً.

إيقاف الهجوم

(بينما يذكر اللواء الركن نور الدين محمود في مسودة ذكرياته الصفحة -44- ان القوة العراقية لم تستثمر الظفر بعد انتصارها على اليهود في معركة جنين) كيف يكون والحالة هذه اسثمار الظفر؟ أفتونا ماجورين ثم كيف علم وكيل القائد العام بتقدم قواتنا البطلة الامر الذي اضطره الى أن يأتي في القوات الذي كانت فيه راية الانتصار ترفرف فوق رؤوس جيشنا الشجاع، وبينما كان اليهود تلاحقهم الهزائم، الهزيمة تلو الاخرى.

ليحضر بمفرده ويأمر بإيقاف القتال (وياللأسف البالغ) ترك البث للعالمين العسكري والتاريخي، ليقدروا ويقرروا الأسباب التي دعته أن يتدخل في امر زحف قواتنا الباسلة ويامر بإيقاف هجومها؟ .. ومن هو الذي اوعز أليه ليتخذ هذا الإجراء الشائن (ان الله شديد العقاب) أنني اقولها كلمة حق، ولا تاخذني في الحق لومة لائم، وهكذا توقف هجوم جيشنا العظيم وأنا لله وانا اليه راجعون.

(انطباعاتي عن الجيش الاسرائيلي وصموده في المعركة)

1 . انه جيش غير مدرب للقتال في الأراضي الجبلية.

2 . يصمد كثيراً في الاراضي السهلة.

يخاف القتال بالسـلاح الابيض.

4 . لا يصمد وتتزعزع معنوياته في القتال في الاراضي الجبلية.

5 . اذا قرر الانسحاب في اي معركة كانت (ينقلب انسحابه هذا الى هزيمة…).

6 . يجيد المعارك الليلية.

7 . لئيم ومنتقم وفتاك.

8 . ماهر في زرع الالغام.

9 . ماهر في الانصات وسرقة البرقيات وحلها جفرياً.

(انطباعاتي عن الجيش العراقي البطل)

1 . انه مدرب للقتال في جميع الحالات في الاراضي الجبلية والوعرة والصحراوية.

2 . يصمد ولا يتزعزع في مواضعه مهما كلفه الأمر (وهنا مثلاً من الامثال البطولية لجنود الجيش العراقي الباسل .. كانت لدينا دورية ثابتة متكونة من جنديين متخندقة في خندقها شمال مدينة طول كرم ومرت بها دورية متحركة من الجيش الأسرائيلي، فما كان من دوريتنا الا أن رمت بنادقها وامسك كل واحد منهم بساق احد اليهوديين وسحباهما الى داخل الخندق، وعض كل واحد منهما لوزة أحد اليهود فلم يتركاهما الى جثتين هامدتين، وطبعاً ان الجنديين العراقيين قد أصابهما بعض الجروح من عض وخمش بأظافر اليهوديين، دخلا مستشفى اخلاء الخسائر في نابلس على أثر ذلك، فزرتهما وباركت لهما ما قاما به من بطولة وعند مجيء رئيس أركان الجيش الى نابلس قصصت عليه هذه القصة فذهب بنفسه أيضاً وزارهما وهنأهما).

3 . يقاتل بأيمان قوي وعزيمة صادقة.

4 . يجيد القتال بالسلاح الابيض.

5 . لا يخاف الموت.

6 . صمود ف2ل5 زعزع معنويات العدو وصار لا يسيطر حتى على نفسه.

7 . لم يكن لئيما ولا منتقماً ولا فتاكاً وخاصة بغير العسكريين.

كانت الفكرة مختمرة لدينا كما سبق ذكره بالهجوم على نثانيا وكسر العمود الفقري من اليهود وشطرهم الى شطرين، نتفق بعدها مع الجيشين العربيين (السوري واللبناني) وننظف المنطقة الشمالية، منطقة الجليل، وهذا هو الهدف الاول الذي كنا نرى لزاماص علينا تنفيذه والهدف الثاني الذي كنا نتوخاه هو: عزل المدن والمستعمرات الصهيونية التي تقع في تلك المنطقة الشمالية والشرقية.

ونظراً للهجوم المباغت الذي قام به الجيش الأرسائيلي على مدينة جنين اضطررنا أن نعدل عن راينا مهاجمة مدينة نثانيا، وضرورة توصية قواتنا المتيسرة على جنين لطرد العدو منها، نظراً للخطة التي كانت القيادة اليهودية قد رسمتها لها في توجيه قواتها الى مدينة جنين، واحتلالها أولاً، وتنفيذ المقدمة الثانية من هجومهم الذي كنا قد اطلعنا عليه في أمر حركاتهم في هجومهم على جنين.

iNewsArabia.com > أخبار مختلطة > الزمان
من حافة التاريخ.. حياة أمير اللواء الركن المتقاعد طاهر الزبيدي  24,