من حافة التاريخ.. حياة أمير اللواء الركن المتقاعد طاهر الزبيدي 10

من حافة التاريخ.. حياة أمير اللواء الركن المتقاعد طاهر الزبيدي 10

الملك غازي يطرد سائق سيارته من القصر فيحتضنه ليمان

طارق النجار

بغداد

المقدمة

لا أود الخوض في حكاية مجردة لضابط عسكري عراقي أسهم في الكثير من انجازات الجيش العراقي وفي مختلف صنوفه ومراتبه، انما حدا بي الى هذه الحكاية التي انتبهت اليها، تلك الشخصية العسكرية الوطنية التي تركت اثراً في اديم العسكرية العراقية، وما ورد فيها من تفاصيل جعلتني أكثر قرباً من تاريخه العسكري تبوؤه عدة مناصب عسكرية تليق بالرجال. ليس لي احقية بهذا التاريخ غير سرده وأعانني فيه شخص ولده ” فيصل طاهر الزبيدي” الزميل السابق في العمل الوظيفي، وبالتحديد الخطوط الجوية العراقية، الذي زودني بمسوداته المبعثرة التي احسست بمشقـــة وعناء وجهد مضن في تناولها في ترتيبها وتدوينها وما لقيته من معاناة في تسلسلها الرقمي، بما تملكه من غزارة في المعلومات.

كيفية مقتل وزير الدفاع

وبتاريخ 20/10/1937 اعيد نقلي الى آمرية مدرسة النقلية الآلية وبعد التحاقي بمنصبي الجديد : وجدت النائب عريف خليل اسماعيل (هو نفسه سائق السيارة الشوفروليت رقم (248) العسكرية التي اخذت وزير الدفاع جعفر العسكرية الى محل التلول التي قتلوه فيها).

وكان قد ترفع الى رتبة عريف يقوم بواجبات معلم للسياقة في المدرسة المذكورة مع البعض الآخر من رفقائه ضباط الصف المعلمين في المدرسة المذكورة. فساقني حب الاطلاع بأن احضر النائب العريف خليل اسماعيل واختلي به في غرفتي واسأله عن كيفية قتل وزير الدفاع (آنذاك) جعفر العسكري ومن هم القتلة ، وكيف تم التنفيذ..؟ فأجابني : سيدي : بعد ان انطلقت بالسيارة رقم (248) باستقامة التلول المعلومة : مستصحبا كل من الوزير جعفر العسكري والملازم الاول اسماعيل احمد العباوي ورئيس العرفاء فحل جزاع وصلنا الى داخل منطقة التلول ، فأمني الملازم الاول اسماعيل احمد العباوي بان اقف فوقفت ثم نزل الملازم الاول اسماعيل وفتح الباب الامامي للوزير وقال له : تفضل سيدي انزل هنا نقطة ملاقاتكم مع القائد بكر صدقي ، فنزل ونزل معه ايضا رئيس العرفاء فحل هزاع . ثم التفت الى الملازم اسماعيل وامرني بالذهاب الى بكر باشا (مسرعاً) وان اقول له جعفر باشا حاضر الذي كان يقف مع ضباطه على التلول القريبة من خان البير فذهبت الى بكر باشا واخبرته بما أمرت به – وسرعان ما امر القائد جماعة تنفيذ القتل . (كان القائد بكر صدقي شوقي قد هيأ الجماعة التالية اسمائهم لقتل الوزير القادم من بغداد جعفر مصطفى العسكري وهم : المقدم جميل فتاح والرئيس الاول لازار برودو ريموس والملازم اول طيار جواد حسين والملازم الثاني جمال جميل).

بأن يركبوا سيارتي فركبوها وامروني بان انطلق وبكل سرعة نحو التلول ومحل وقوف الوزير جعفر مصطفى العسكري . فقدت بهم راجعا وبكل سرعة حتى اذا ما وصلت الى مسافة تبعد (100) مائة متر من محل وقوف الوزير جعفر العسكري : شهر الضباط القتلة الاربع مسدساتهم العسكرية (الوبيلي) وعندما بقي بيننا وبين جعفر العسكري الذي كان يقف في وسط كل من الملازم الاول اسماعيل احمد العباوي الذي كان يقف الى يمين الوزير بمسافة 30: 40 متراً ورئيس العرفاء فحل جزاع الى يسار الوزير بعين المسافة 30: 40 متراً وكان الوزير واضعا يديه في جيبي سرواله وهو منحن الى الامام موجها نظراته الى السيارة ليتأكد من فيها فأمرني الضباط الاربعة المار ذكرهم بان اقف حالا وبتلك المسافة (20 مترا) من القتيل وفتحوا ابواب السيارة ونزلوا منها ووجهوا فوهات مسدساتهم الى جسم الوزير ورموه كلهم ومجتمعا (بدون استثناء) فخر صريعا على وجهه وهو يقول (لا ولدي لا)..؟. وعند ذلك تقدم اسماعيل توحلة (عباوي) ورماه برأسه بطلقتين من مسدسه ليقض عليه نهائيا وركب الضباط الاربعة السيارة ثانية وامروني بالعودة الى محل وقوف القائد بكر صدقي ، فعدت بهم : وبعد وصولنا اليه نزلوا من السيارة واخبرونه انهم قد اتموا قتل جعفر العسكري وانهم أي (الاربع الضباط القتلة) يقترحون على القائد بأن يعودوا ويبلغوا كل من الرئيس الاول (الرائد) طاهر محمد الزبيدي مرافق الملك والرئيس (النقيب) الحاج شاكر عبد اللطيف القرة غولي : من ان القائد بكر صدقي يطلب حضورهما لديه فيسوق سيارة امين العمري الحاج شاكر ويجلس الى جانبه طاهر الزبيدي ، ويجلس اثنان منا ورائهما ونتوجه بهما نحو التلول ، وهناك نرمي كل واحد منهما بطلقة واحدة من مسدساتنا ونرديهما قتيلين فنضع بعد ذلك جثمان الوزير جعفر العسكري معهما وفي سيارتهما ثم غرق السيارة ومن فيها . وندعي اخيرا انهم قد اضلوا الطريق واحترقت بهم السيارة . وهكذا تخفي الجريمة . وبغير ذلك لايمكن ابدا اخفاء جريمة قتل الوزير جعفر العسكري فرد عليهم القائد بقوله (لا) فاذهبوا اليهم واطلبوا حضورهم لدي لامرهم بالعودة الى بغداد ، حيث اننا لانريد مقاتلة الضباط الصغار بل نحارب الوزراء والسياسيين وهكذا كاد يكون مصير حياتي وحياة النقيب (الرئيس) الحاج شاكر عبد اللطيف القرة غولي متوقفا على كلمة يتفوه بها بكر صدقي شوقي من بين شفتيه (نعم : لا) فلما قال لا . انقذ حياتنا (قل لن يصيبنا الا ماكتب الله لنا).

محاولة قتل الملك غازي بن فيصل والأسباب الموجبة لقتله

كان الملك غازي مهتما كل الاهتمام بضم الكويت الى العراق . وكان قد نصب (محطة اذاعة) في قصر الحارثية : يبث منها بنفسه مايريده وبقوله حول الكويت ، واخيرا استخدم شخصا يدعي (علي عبدالله) كمهندس لتصليح أي عطل يحدث في المحطة المذكورة . ويشارك الملك في بث ما يأمر الملك بثه منها ، وكان شقيق هذا الشخص مفوضا من الدرجة الخامسة امرا للشرطة (الحرس) في قصر الزهور .

وكان لدى الملك سائق سيارة مستخدم لديه لسياقة وتنظيف سيارته يسمى (عبد سعيد) وهو حجازي وعبد اسود ، لقد غضب الملك على هذا العبد يوما ما فطرده من القصر .

فاحتضنه المرافق السابق للملك الرئيس الاول (الرائد) محمود يلمان واستخدمه سائقا في سيارته الخصوصية . وبقي لديه فترة من الزمن ، ثم اخذه الامير عبد الآله ابن عم الملك غازي ، فاستخدمه سائقا لديه وقبل حادث قتل الملك بمدة شهرين تقريبا ذهب عبد الاله الى الملك غازي ورجاه بأن يعيد العبد السائق (عبد السعيد) الى سابق عمله في قصر الزهور . وان يصفح عنه ويعفيه . فنفذ الملك رغبة ابن عمه وعاد السائق الى سابق واجبه في قصر الزهور . وكان عبد الآله يحيك المؤامرة لقتل ابن عمه الملك غازي متفقا مع الانكليز الذين كانوا يريدون تنحية الملك غازي عن عرشه بأي اسلوب وقال المستر (بتلر) وكيل وزارة الخارجية البريطانية الدائم مبينا سكايته العنيفة الى توقيف السويدي في لندن . ((مذكرات توفيق السويدي صفحة 326)) .

عن تصرفات الملك غازي فيما يتعلق بالدعاية الموجهة الى الكويت من اذاعة قصر الزهور . ويقصد (قصر الحارثية).

وقال بتلر بصراحة: ان الملك غازي لايملك القدرة على تقدير موقفه لبساطة تفكيره . ولا ند فاعة وراء توجيهات تاتيه من اشخاص مدسوسين عليه ويردت قائلا : ان الملك بعمله هذا لايعلم انه يلعب بالنار. (واخشى ان يحرق اصابعه يوما ما).

قالها وقد اصيب بها فعلا . وقال السفير البريطاني في العراق (المستر باترسن) في كتابة ((وقد اصبح واضحا للعيان ان الملك غازي اما يجب ان يسيطر عليه او ان يخلع)) وقد لمحت الى ذلك وبهذا المقدار في زيارتي الوداعية.

قتل الملك غازي الاول

في الساعة الحادية عشرة من ليلة 4/نيسان 1939 قتل الملك غازي في سيارته الخصوصية التي كان يسوقها بنفسه . وكان يجلس الى الوراء وفي المقعد الخلفي كل من العبد الحجازي المدعو (عبد سعيد) الذي كان سائقا لديه وطرده واحتضنته اخيرا (عبد الاله) والشخص الثاني الذي كان يجلس بجانب هذا العبد هو ملاحظ اللاسلكي لمحطة اذاعة قصر الحارثية . والمسؤول عن تصليح عطلها (اذا حدث) والمسمى (علي عبد الله) .. ليلة الحادث : في الساعة 10,40 جاء ملاحظ اللاسلكي علي عبد الله الى قصر الزهور وعرض على الملك ان محطة الإذاعة في قصر الحارثية قد توقفت بسبب خلل اصابها لم اتمكن من اصلاحه .

وحيث ان الملك كان مندفعاً كل الاندفاع وبكل حماس وراء موضوع ضم الكويت الى العراق . التي كانت هذه المحطة ثبت برامجها .

فما كان من الملك الا ان نهض من وقته وذهب الى الكراج يركب سيارته الصغيرة (الصالون) فوجدها عاطلة . ووجد الى جانبها سيارة الدوج المكشوفة (ام التنته) ووجد الى جانبها السائق (عبد سعيد) فركب الملك هذه السيارة وركب الى خلفه والى اليمين الملاحظ علي عبدالله والى اليسار ووراء الملك السائق عبد سعيد وانطلق الملك بهذه السيارة مارا بالطريق المؤشر والمرفق والدال على مسلك السيارة وكل مايتعلق بحادث مقتل الملك وخرج من الباب الجنوبي لحديقة قصر الزهور ، وانعطف الى اليسار ليقطع السكة الحديدية من فوق قنطرتها وليتجه منها الى قصر الحارثية فضرب على رأسه ومن الجانب الايسر للرأس ومن الخلف بضربة شديدة قاسية كسرت قحف جمجمة رأسه . واقتعلت جزءا من قحف الرأس بشعره ومخه ووقع هذا الجزء في السيارة . وقد شاهدته بام عيني في صباح اليوم الثاني ، عندما ذهبت لاشاهد الحادث (للوقوف على حادثة قتل الملك صرت اتحرى عن كيفية تنفيذه مستفسرا عن ذلك وروى لي الملازم الاول عبد الستار خلف خيري : الذي كان الضابط الفني في معمل العسكري . ان رئيس قسم النجارين في المعمل العسكري ، والذي يدعي محمد (وهو ابن خالة نوري السعيد ، هو الذي هيأ المطرقة الحديدية وسلمها الى العبد السائق عبد سعيد الذي نفذ القتل بضربة الملك على رأسه عندما كان على القنطرة (باعتراف رئيس قسم النجارين محمد في حينه).

وبناء على ذلك فقد الملك السيطرة على مقود السيارة (السكان) حيث توفى حالا وانزلقت السيارة الى اليمين بعد القنطرة مباشرة واتكأت على شجرة في بدء حديقة قصر الحارثية ودخلت تلك الشجرة بين واقية الطين وبين قسم ماكنة السيارة ، فاحيلت حادثة مقتل الملك الى حاكم تحقيق الكرخ آنذاك (سليم الدعلاني) ومن ثم احالها نوري السعيد الى الحاكم خليل امين المفتي الذي قرر غلق القضية على ثبوت حدوثها قضاء وقدرا . (كما قرر) حسب توجيهات نوري السعيد ووزير عدليته (صبحي الدفتري) وهكذا لغلق امر قتل الملك الواضح تعمده كل الوضوح .. ومن ناحية ثانية نظم تقرير طبي بالحادث وقعه خمسة اطباء . اثنان منهم انكليز وهما : براهام وسندرسن وثلاثة اخرون عراقيين وهم : الدكتور صبيح الرهمي والدكتور صائب شوكت والدكتور جلال حمدي. وقد ادعى البعض ان الملك غازي قبل وفاته بلحظات قال: اوصي بأن يكون (عبد الآله) وصياً على ولده فيصل وهنا لابد لي من ان اطرح هذا السؤال هل بامكان من كسر قحف رأسه وسال مخه : ان يعي ويوصي وصيته ؟ . ((قرار مجلس الوزراء : تولى مجلس الوزراء حقوق الملك الدستورية وفقا لاحكام المادة (2) من القانون الاساسي العراقي ، ويسمى من يقوم بالوصايا عليه (لصغر سنه) ويدعو مجلس الامة الى الانعقاد للبت في امر الوصي . فاجتمع في صباح يوح الحادث واتخذ المقررات التالية : التام مجلس الوزراء في قصر الزهور ، على اثر الفاجعة العظمى التي حلت بالبلاد بوفاة صاحب الجلالة المغفور له الملك غازي الاول ، وبالنظر الى تولية حقوق الملك الدستورية ، الى ان يتم نصب الوصي نهائيا حسب المادة (22) من القانون الاساسي . اتخذ القرارات الآتية:

1- اعلان سمو الامير ولي العهد فيصل ملكا على العراق . بأسم صاحب الجلالة فيصل الثاني وفقا لمنطوق المادة (20) من القانون الاساسي . 2- تسمية الامير عبد الاله وصيا على جلالة الملك ، بالنظر الى عدم بلوغه سن الرشد القانونية ونزولا عند وصيه جلالة الملك المغفور له غازي الأول المستندة إلى إفادتي صاحبة الجلالة الملكة وسمو الأميرة راجحة(شقيقة جلالته) أمام مجلس الوزراء)).

iNewsArabia.com > أخبار مختلطة > الزمان
من حافة التاريخ.. حياة أمير اللواء الركن المتقاعد طاهر الزبيدي 10,