من حافة التاريخ.. حياة أمير اللواء الركن المتقاعد طاهر الزبيدي 11

من حافة التاريخ.. حياة أمير اللواء الركن المتقاعد طاهر الزبيدي 11

الهاشمي والكيلاني أكثر المتحمسين لتولي عبد الإله الوصاية على العرش

طارق النجار

بغداد

المقدمة

لا أود الخوض في حكاية مجردة لضابط عسكري عراقي أسهم في الكثير من انجازات الجيش العراقي وفي مختلف صنوفه ومراتبه، انما حدا بي الى هذه الحكاية التي انتبهت اليها، تلك الشخصية العسكرية الوطنية التي تركت اثراً في اديم العسكرية العراقية، وما ورد فيها من تفاصيل جعلتني أكثر قرباً من تاريخه العسكري تبوؤه عدة مناصب عسكرية تليق بالرجال. ليس لي احقية بهذا التاريخ غير سرده وأعانني فيه شخص ولده ” فيصل طاهر الزبيدي” الزميل السابق في العمل الوظيفي، وبالتحديد الخطوط الجوية العراقية، الذي زودني بمسوداته المبعثرة التي احسست بمشقـــة وعناء وجهد مضن في تناولها في ترتيبها وتدوينها وما لقيته من معاناة في تسلسلها الرقمي، بما تملكه من غزارة في المعلومات.

وصاية عبد الآله

وهكذا قرر المجلسان الشرعيان الاعيان والنواب بجلستهما المشتركة المنعقدة بتاريخ 4 نيسان 1939، وبعد الاستماع الى بعض خطب النواب بالموافقة الاجماعية على تولية عبد الاله الوصاية على الملك فيصل، وانتهت الجريمة وانتهت معها التمثيلية التي ادت بوفاة الملك. وكان عهد وصايا عبد الاله عهد مشؤوم ونحس على البلاد وابنائها، وعلى الملك القاصر الذي تولى الوصايا عليه وعلى عرشه، فقد تعمد عدم تنشئته نشأة وطنية وقومية، وترك امر تربيته للحواضن الاجنبيات، وبقي عبد الاله المتنفذ والمسيطر على سياسة البلاط حتى بعد انتهاء وصايته.

ولكن لم يكن الملك البائس سوى (دمية) من دمى البلاط لا حول له ولا قوة . ولا رأي ولا ارادة، وكان كالببغاء يردد في المناسبات مايلقنه الوصي به . ((دعوة مجلس النواب المنحل تمهيدا لاجتماع مجلس الامة للبت في امر الوصاية نهائيا، وفقا للفقرة (2) من المادة (22) من القانون الاساسي).

وقد ذكر علي جودت الايوبي من انه قد اعترض على تعيين عبد الاله وصيا على الملك فيصل . وان طه الهاشمي قال له : اذا لم ينتخب الامير عبد الاله وصيا فأن الجيش سيتدخل لصالحه . ((اعلان الحداد العام في المملكة . وان نوري السعيد كان يريد ويصر على جعل عبد الاله وصياً على الملك فيصل . واوعز الى الملكة عالية ان ترفع تقريرا تعترف فيه من ان زوجها الملك غازي طلب وصاية شقيقها عبد الاله n علي الشرقي – كتابه الاحلام صفحة 170 – وكان جميل المدفعي وعلي جودت الايوبي يصران على تولية الامير زيد عم الملك غازي على الوصاية ولكن نوري السعيد والانكليز يؤيدون فكرة وصاية عبد الاله)) وقال علي جودت ان اعتراضه هو : ان ليس من الحكمة ولا من المصلحة ان يكون رجل بمثل هذا العمر وقلة التجربة. ولاسيما في تلك الظروف وصياً على الملك مدة طويلة قد تقع خلالها ازمات واحداث خطيرة، ومن الصدف الغريبة ان يكون اكثر المتحمسين لوصاية عبد الاله. (طه الهاشمي ورشيد عالي الكيلاني) فنالا منه مانالاه بعد صيرورته وصياً .. وكان وزير الداخلية ناجي شوكت وكأنه كان يظهر ان في فمه ماءاً . قد اسرّ الحسنى سراً بقي دفينا في نفسه وقد حان الان وقت افشائه قال السيد ناجي شوكت : (كانت اثار البشر والمسرّة طافحة على وجوه السادة) : نوري السعيد ورشيد عالي الكيلاني، ورستم حيدر، وطه الهاشمي، بعد ان تأكدت وفاة الملك، وكان هؤلاء الاربعة قد تضرروا في حركة بكر صدقي الانقلابية يوم 29 تشرين الاول 1936، وكان السيد ناجي شوكت n وما يزال n يعتقد ان الامير عبد الاله ونوري السعيد مساهمة فعلية في فاجعة الملك غازي . ولهذا فانهما لايختلفان على امر من الامور الخطيرة (وان اختلفا على التافه منها).

اعلان الحداد العام

وقد قررت الحكومة اعلان الحداد في البلاد لمدة اربعين يوما تنكس خلالها الاعلام . وفي يوم 5 نيسان / 1939 صباحا تم دفن جثمان الملك غازي بين العبرات والآهات .

وانطوت صفحة حياته بتلك الليلة وبالشكل الذي اوردناه وبدأت اعمال عبد الاله المليئة بالخيانات والفسق والفجور.

وانا لله وانا اليه راجعون.

وقد بعد ذلك بعض السادة المؤرخين في مذ كراتهم .

يقول الوزير الشيخ علي الشرقي في (كتابه الاحلام صفحة 170). ((فاوعز نوري السعيد الى (عالية) ان ترتفع كتابا الى مجلس الوزراء المنعقد للنظر في اقامة وصي على العرش تشهد فيه ان الملك غازي قد اوصى اليها فيما اذا وقع امر على حياته فالوصي على العرش عبد الاله)).

ويقول باترسون في كتابه في الصفحة (150) كان معروفاً ايضاً ان الانكليز كانوا يميلون الى عبد الاله اكثر من ميلهم الى الملك غازي وكان معروفا عند الناس اجمعين ان الملك القتيل كان يكره ابن عمه عبد الاله كرهاً شديداً حتى انه كان لايستطيع ان يراه في مأدبة الخاصة كما انه لم يكن على وفاق مع زوجته الملكة عالية شقيقة عبد الاله.

وفي 14/4/1939 نقلت الى منصب آمر الفوج الثاني لواء السابع في البصرة (آمر حامية البصرة) واشتركت بدوره التعبئة للضباط الاقدمين باشراف آمر كلية الاركان اللواء الركن المرحوم عبد الحليم نصرت . وبتاريخ 6/4/1940 نقل مقر اللواء السابع مع الفوج الاول من اللواء المذكور من الناصرية الى البصرة وبطبيعة الحال اصبحت آمرية الحامية منوطة بآمر اللواء . وكان آمر اللواء المرحوم العقيد رشيد جودت ضعيف البنية قصير القامه ضعيف الشخصية لايحسن التحدث باللغة العربية تماما، وكان قبل ان يصبح امرا للواء السابع يشغل منصب آمر الفوج الاول الذي جاء معه الى البصرة.

وكان يلتزم الفوج المذكور الى حد بعيد مهما ارتكب من اخطاء مفكرا انه لايزال آمرا للفوج نفسه.

فصرت استصحبه معي الى كرام القوم في البصرة واقدمه لهم بقولي آمر لوائي العقيد رشيد جودت الذي اصبح آمرا للواء السابع في البصرة، ولم يتق لي صفة آمرية الحامية بعد ذلك . وكنت اشاهد منه التفرقة بين الفوج الاول وفوجي (الثاني) من لوائه السابع . وانه كان يميز مابين فوجينا تميزا بينا.

ومهما تفوق فوجي على الفوج الاول في التدريب والتمارين والنظافة كان يصر آمر اللواء على ان الفوج الاول خير من الفوج الثاني. ومهما حاولت اقناعه بأن الفوجين هما تحت أمرته وينتسبان الى لوائه، وعليم، وعليه ان لايفرق بينهما، فلم افلح ويا للأسف. وقد جاء وقت خروج الفوجين الى التدريب الاجمالي فخصص مدينة الزبير وحواليها منطقة خاصة لقيام الفوج الاول في تدريبه الاجمالي . وخصص منطقة (البلجانية – التي تبعد عن البصرة بمسافة 35 كم ابو فلوس) جنوب البصرة وعلى طريق (بصرة n الفاو) لتكون منطقة خاصة للتدريب الاجمالي للفوج الثاني من لوائه.

وقد جاء في امر حركاته انه أي (امر اللواء) سيفتش الفوجين قبل حركتهما الى مناطق تدريبهم في محلات تجمعهما وترك امر تعيين وانتخاب المحل الملائم لتجمع الفوجين الى آمري الفوجين انفسهم فانتخبت محلا قريبا من الطريق العام، وأمرت مساعد الفوج الملازم الثاني عبد القادر موسى السلمان بان يجمع الفوج في المحل الذي انتخبته بنفسي ويهيئه لتفتيش آمر اللواء.

ففعل المساعد كما امرته، وقبل مجيء آمر اللواء بمدة كافية ذهبت وفتشت الفوج وكان ضباطه ومراتبه بقيافة سفرية ولم اجد فيه ولا بحيوانات نقليته. وقت محدد

وفي الساعة 17,00 الخامسة مساءً ((وهو الوقت المحدد من قبله لتفتيش فوجي)) جاء آمر اللواء وبرفقته ضابط ركنه الرئيس المرحوم (عمر علي) وكان الشرر يتطاير من عينيه فاستقبلته وحييته، وقدمت له الفوج الذي كان على استعداد للتفتيش.

فما كان منه الا وقد عاط قائلا: هذا مو محل ملائم لتجمع الفوج والتفت الى ضابط ركنه وامره ان يسجل ثلاثة ايام قطع راتب عقاباً الى المساعد، فقلت له سيدي انا الذي امرته ان يجمع الفوج هنا والمحل الذي انتخبته بنفسي) فاذا كان غير ملائم فانا المقصر . واذا كان الامر يستوجب العقاب (فعاقبني) ولا ذنب للمساعد ليعاقب على امر تلقاه من آمره المباشر ونفذه فلم يلتفت اليّ . فرجوته ان لايعاقب المساعد، فراح يفتش وانا يمعيته، حتى انتهى من تفتيش الفوج ولم يجد أي نقص كان بالرغم من دقة التفتيش الذي اجراه . وجاء دور تفتيش نقلية الفوج فلم يجد أي غلطة كانت فكانت البغال والعدة كلها نظيفة للغاية وتلمع ووجد اخيرا احد البغال وفق تلك اللحظة قد (روث) فما كان من آمر اللواء الا ان يأمر ضابط ركنه بتخفيض درجة عريف فصيل نقليه الفوج بدرجة واحدة ليصبح نائب عريف وكان هذا التخفيض من صلاحية آمري الألوية . فقلت له : (ابا خسرو) ان العريف هذا الذي عاقبته هو العريف (جمعة) الذي كتبت لكم راجيا ترفيعه الى رتبة رئيس عرفاء بناءً على الشروط التي اكتسبها والتي تؤهله للترفيع . فوافقتم على ترفيعه وكتبتم بدوركم الى قيادة الفرقة الاولى مؤيدين وطالبين ترفيعه، ولربما قد تمت موافقة الفرقة على ترفيعه واننا بانتظار وصول كتاب الموافقة على ترفيعه في هذين اليومين.

فلم يهتم لما قلته له وكأنه لم يسمع ماقلته . فعدت وقلت له : سيدي آمر اللواء : هذا حيوان وفي هذه اللحظة قد (روث) هل كان يجب على العريف ان يضع منديلا تحت دبر الحيوان عندما بدأ بالتروث؟ فلم يهتم وركب حصانه وعاد من حيث أتى.

وبعد ذلك بدأنا بالسير نحو المحل الذي خصص لمعسكرنا فوصلناه في الساعة 02,00 الثانية من بعد منتصف تلك الليلة فأنزلنا ماعلى الحيوانات من احمال . وأعطيت استراحة وفترة نوم للضباط والجنود وفي الساعة السادسة نهض الجميع وبعد الفطور باشرنا العمل بتنظيم المعسكر . فنصبنا خيم الجنود التي كانت متراصفة تماما بأعمدتها وأوتادها وحبالها ثم عدنا ونصبنا خيم المحاضرات والمطعم والاستراحة للضباط ثم خيم الضباط . ثم تركنا مفرزة تخطط الطرق وتضع الحبال والأوتاد بالبورك، فرحنا الى ساحل النهر ونصبنا العرائض وقسمناها لتكون مطبخين للجنود والضباط وبعد هذا كله نصبنا الحمامات للجنود واخرى للضباط وهيئنا ساحات الالعاب وبين اعمالنا هذه اعطينا الغذاء للجنود والضباط ثم العشاء.

وبعد العشاء شكرت منتسبي الفوج ضباط ومراتب على ما انجزوه مقدرا اتعابهم كل التقدير.

حضور قائد الفرقة الاولى

وفي صباح اليوم الثاني خرجت بالفوج للقيام بالتدريب الاجمالي وهكذا كان .. وبعد اكمال وقت التدريب الاجمالي عدت بالفوج الى المعسكر واذا بقائد الفرقة الاولى اللواء الركن ابراهيم الراوي ومعه كل من آمر اللواء السابع العقيد رشيد جودة. ورئيس ركن الفرقة الاولى المقدم الركن محمد نوري خيري وضابط ركن اللواء السابع الرئيس عمر علي قد وقفوا جميعا في وسط مساحة المعسكر، ينظرون الى فوجي الذي عدت به من تدريبه الاجمالي . وبعد ان اوقفت الفوج، ذهبت الى قائد الفرقة وحييته وقدمت له الفوج وسألته هل يرغب في تفتيش الفوج؟ فأجابني بالنفي، وطلب مني ان اصرف الفوج واعود لملاقاته.

فنفذت ما امرني به قائد الفرقة وعدت لملاقاته فشكرني القائد كثيرا، فقلت له لاشيء ياسيدي القائد يستوجب الشكر. فاجابني لاياطاهر انك تستحق اكثر مما يشكرك قائد فرقتك لاننا بمجموعنا هذا وقبل ان نأتي الى معسكر فوجك ذهبنا الى معسكر الفوج الاول لواء السابع عشر في الزبير فوجدنا ان الخيم لازالت ملفوفة والاثقال مطروحة والجنود والضباط كل منهم متكئ على حاجة ويغط في نومه، لامعسكر ولا مطابخ ولا خيم منصوبة ولا حمامات ولا ساحات العاب ولا تدريب.

iNewsArabia.com > أخبار مختلطة > الزمان
من حافة التاريخ.. حياة أمير اللواء الركن المتقاعد طاهر الزبيدي 11,