من حافة التاريخ.. حياة أمير اللواء الركن المتقاعد طاهر الزبيدي 12

من حافة التاريخ.. حياة أمير اللواء الركن المتقاعد طاهر الزبيدي 12

مراتب هاربون من العسكرية يشكّلون عصابات للسرقة وإبتزاز المواطنين

طارق النجار

بغداد

المقدمة

لا أود الخوض في حكاية مجردة لضابط عسكري عراقي أسهم في الكثير من انجازات الجيش العراقي وفي مختلف صنوفه ومراتبه، انما حدا بي الى هذه الحكاية التي انتبهت اليها، تلك الشخصية العسكرية الوطنية التي تركت اثراً في اديم العسكرية العراقية، وما ورد فيها من تفاصيل جعلتني أكثر قرباً من تاريخه العسكري تبوؤه عدة مناصب عسكرية تليق بالرجال. ليس لي احقية بهذا التاريخ غير سرده وأعانني فيه شخص ولده ” فيصل طاهر الزبيدي” الزميل السابق في العمل الوظيفي، وبالتحديد الخطوط الجوية العراقية، الذي زودني بمسوداته المبعثرة التي احسست بمشقـــة وعناء وجهد مضن في تناولها في ترتيبها وتدوينها وما لقيته من معاناة في تسلسلها الرقمي، بما تملكه من غزارة في المعلومات.

فانك قد انجزت هذا كله في يوم واحد وخرجت للتدريب الاجمالي بفوجك منذ الصباح، كيف لاتستحق الشكر والتقدير؟

فاجبته سيدي القائد كل هذا ولم تمكن من ارضاء آمر لوائنا. فسالني ما الخبر؟ فقصصت عليه قصتي معاقبة المساعد وعريف فصيل نقلية حيوانات الفوج العريف جمعة (وكان امر العقاب قد وصل من اللواء) ثم عدت ورجوت قائد الفرقة بان يتشبث بنقلي من هذا اللواء الذي نفذ صبري مع آمره.

فقال قائد الفرقة وهو يخاطب آمر اللواء . ماهذا العمل يا رشيد؟ ماهو ذنب المساعد ليعاقب؟ .. ثم ماهو ذنب عريف النقلية جمعه؟ .. الذي وافقنا على ترفيعه الى رتبة رئيس عرفاء . أهكذا تكون القيادة؟ وطلب مني احضار آمر العقاب الذي اصدره آمر اللواء فاحضرته كما أمر ثم التفت الى رئيس ركن فرقته المقدم الركن نوري خيري وامره ان يكتب الى آمر اللواء (جوابا لكتابة) بعدم موافقته عن العقابين المذكورين شارحا الاسباب . وقد اعطى نسخة من كتاب عدم الموافقة الى كل من مديرية الادارة في وزارة الدفاع ومديرية الحسابات العسكرية العامة ولي بصفتي آمر الفوج وذوي العلاقة . هذه هي المراجع التي اعطى آمر اللواء نسخة من كتاب عقابه اليهم.

عادت حليمة الى عادتها القديمة

وهكذا رجع الحق الى نصابه وترفع جمعة إلى رتبة رئيس عرفاء . وعدنا من التدريب الاجمالي الى ثكناتنا في التنومة وبدأ العمل والتدريب وفي احد الأيام في 17/11/1940 طلب آمر اللواء ان يفتش الفوجين في يوم واحد وكان هذا اليوم هو يوم الخميس وخصص جائزة نقدية للفوج الذي يحوز على الاولوية واعطى استراحة الى الفوج الاول لمدة ثلاثة ايام اعفائهم فيها من التدريب ليتفرغوا الى التفتيش ولم يشمل الفوج الثاني بهذا الاعفاء الذي لم يكن بحاجة اليه … وفي يوم الخميس صباحا ذهبت الى آمر اللواء ورجوته بأن يستصحب آمر الفوج الاول اثناء مجيئة لتفتيش فوجي الذي سيبدأ بتفتيشه اولا وليشاركه آمر الفوج الرائد (الرئيس الاول) مهدي صالح العاني وان يسجل معه مايجده من اغلاط في منتسبي فوجي وعلى ان اصاحب آمر اللواء في تفتيشه للفوج الاول واسجله معه مانشاهده من اغلاط ايضا وان يقدم الفوج الذي تكون اغلاطه اقل من الفوج الاخر هو الغالب فوافق.

جاء آمر اللواء وبرفقته امر الفوج الاول وضابط ركنه وبعد التفتيش الدقيق لم يسجلوا على فوجي سوى غلطة واحدة فقط ومن ثم ذهبنا برفقة آمر اللواء وفتشنا الفوج الاول وثبتنا (23 ثلاثة وعشرون غلطة) واعلن آمر اللواء ان الفوج الثاني تعبان في تهيئة نفسه للتفتيش واشكره على ذلك . ولكن نتيجة التفتيش اعلن ان الاول هو الفوج الاول واخرج من جيبه ثلاثة دنانير واعطاها الى آمر الفوج قائلا له: هذا ثمن شاي للجنود، وهي هديتهم للاولوية .

وانتهينا من هذا التفتيش الذي انتهى بعودة حليمة الى عادتها القديمة .

المجلس العرفي العسكري

وفي 29/1/1941 نقلت الى منصب معاون مدير الادارة في وزارة الدفاع، وفي 3/6/1941 تنسب تعييني عضوا في المجلس العرفي العسكري . وحيث ان هذا الواجب والعمل لم يكونا من طبيعتي) خاصة ان هذا المجلس سيحاكم اخواني واصدقائي وزملائي قادة الجيش آنذاك كلا من المرحومين العقيد الركن صلاح الدين الصباغ والعقيد الركن كامل شبيب والعقيد الركن محمد فهمي سعيد، والعقيد محمود الحاج سلمان .

فتشبث شخصيا للتخلص من هذه العضوية فكلفت زوج خالتي المقدم المتقاعد خلف خيري ان يكلم المرحوم اللواء الركن محمد نظيف الشاوي الذي كان يشغل منصب وزير الدفاع والذي كان تحت أمرة قريبي المقدم المتقاعد المرحوم خلف خيري ابان الحكم العثماني، فرجاه بأن يعفيني من عضوية المجلس العرفي العسكري فتمت موافقة الوزير واعبد تعييني الى معاونيه مدير الادارة كما عين عوضاً عن المقدم المرحوم حمدي حسين، وبعد تعيين الزعيم (العميد) عباس فضلي احمد جودت الذي كان يشغل منصب مدير ادارة وزارة الدفاع، قائدا للفرقة الاولى . وشغلت وكالة مديرية الادارة حتى عودة المرحوم العقيد محمد سعيد عمر التكريتي من التقاعد وتعينه مديرا للادارة.

آمر الانضباط العسكري والعصابات

وفي 2/12/1942 نقلت الى منصب آمر الانضباط والعسكري اشغلت هذا المنصب في ظروف متعبه وشاقة كان الكثير من المراتب الفارين من الخدمة العسكرية بعد حركات مايس 1941 قد شكلوا عصابات للاعتداء على حياة الناس والسرقات ومال الى ذلك من امور مخلة بالنظام والانتظام م. فكانت السرقات هنا وهناك من بيوت بغداد وخاصة (الرصافة منها) فانه على قدم وساق . ومن اجلها كانت ترتكب بعض الجروح والقتول . للحصول على تنفيذ ضالة نفوس تلكم العصابات وكان بعض المسيطرين من ضباط الصف والجنود الهاربين يترأسون هذه المجموعات من العصابات واليك بعض اسماء رؤساء العصابات الوارد ذكرها.

عصابة شهاب احمد قارداش.عصابة فيصل علوان الحزمة.عصابة سلمان ابراهيم الجنابي.

كان لكل عصابة منطقة نفوذ في العاصمة (ماعدا عصابة شهاب احمد قارداش) التي كانت تسرح وتمرح في كل مناطق الرصافة من العاصمة فكنت تسمع ان شهاب سطى على دار في (محلة السنك) جنوب الرصافة وفي اليوم الثاني نسمع عنه من انه سطى دارا في محلة (الطوب) شمالي الرصافة . وهكذا كانت العصابات التي ذكرناها اعلاه والتي لم يخطر على بالنا ذكرها منها منبثة في جميع ارجاء العاصمة، وكانت الشكاوي تترى والتذمر بالغا اشده والخوف مستحوذ على الناس يخافون شر هؤلاء … فقررت مكافحة هذه العصابات والقاء القبض عليهم بأي طريقة واسلوب، كان لتخليص الناس المواطنين من شرورهم (وهذا هو من صميم واجبي) بصفتي المسؤول الاول عن المحافظة على الضبط العسكري وحماية ارواح وممتلكات المواطنين … قررت ان اشكل مفارز تعيقيب من جنود وضباط صف الانضباط (اكس البعض منهم ملابس مدينة واكس البعض الاخر ملابس اهلية) ولهذا الغرض رفعت كتابا الى رئيس اركان الجيش (كان المرحوم الفريق اسماعيل نامق) يشغل هذا المنصب آنذاك، رجوته في كتابي هذا ان ينسب ويخصص المبالغ اللازمة لشراء الملابس المدينة والاهلية للمفارز الست التي قررت تنظيمها والتي ستكون كل مفرزة من ثلاثة مراتب ومجموع عدد افراد المفارز (18) ثمانية عشر شخصا، فجاءت موافقة رئيس اركان الجيش على صرف دينار واحد لكل واحد من افراد المفارز لشراء الملابس المقتضبة بنوعيها ولمرة واحدة فقط .

فنظرا لقلة المبالغ التي خصصت لشراء الملابس، صرفت النظر عن شرائها وكتبت الى رئيس اركان الجيش لاحاجة لنا لاي مبلغ كان لشراء الملابس وسنتدارك الامر بطريقة عملية خاصة.

فناديت على راس عرفاء وحدة الانضباط العسكري (محمد علي كاظم) وطلبت منه ان لايحرق الملابس المدينة والاهلية التي كان الهاربون يرتدونها عند القاء القبض عليهم (كانت العادة ان تحرق هذه الملابس عندما نلقي القبض على الفارين) وامرته ان يكسو مفارز التعقيب من هذه الملابس مدنية كانت او اهلية، وهنا ينطبق المثل العراقي القائل : (من صوفهه جتّفه) فاكسبت المفارز وامرناهم بتعقيب العصابات المارة الذكر . فالقي القبض على فيصل علوان الحزمة وهو كان يجلس في دكان حلاق في سوق الشورجة من قبل مفرزة التعقيب رقم (1) التي كان يرأسها العريف (رحيم برسيم) وحوكم من قبل محكمة عسكرية وحكم عليه بالسجن لمدة عشرين سنة . والقي القبض على سلمان ابراهيم الجنابي من قبل نفس المفرزة رقم (1) واحيل الى المحكمة العسكرية وحكمت عليه بالسجن لمدة (15) خمسة عشر سنة، والقي القبض على شهاب احمد قارداش من قبل مفرزة شرطة في منطقة كوك نظرً وسيق الى المحكمة العراقيه العسكرية وحكم عليه بالاعدام ونفذ الحكم شنقاً.

وهكذا تم القضاء على هذه العصابات، والى جانب هذه العصابات كان البعض من الاهلين الذين كانوا يحترفون السرقات ويعتدون على الناس بالضرب والجرح والقتل : طوردوا من قبل الشرطة والقي القبض عليهم واعدم من اعدم منهم وسجن من سجن .. وبعد ذلك ساد الهدوء والسكون واستتب الامن في ارجاء البلد.

((ولكم في القصاص حياة يااولي الالباب)) صدق الله العظيم

الحلقة السابعة

وفي 4/9/ 1943 نقلت الى منصب امر لواء الاول وكان مقري في معسكر المسيب الواقع بيد بلده المسيب وناحية جرف الصخر .

وفي 2/11/1943 ترفعت لرتبة عقيد، وفي 5/12/1943 نقلت الى منصب مدير الشعبة الثالثة في مديرية الحركات العسكرية التابعة لرآسة اركان الجيش (( مدير الاستخبارات العسكرية )) وكان معي في هذه المديرية ضابط واحد وهو الملازم الاول (( المرحوم عزيز مصطفى الصفار))

مديرية الاستخبارات العسكرية

كانت هذه المديرية مشلولة العمل : لانشرات استخبارية عن الدول المجاورة ولا وكلاء مثقفين ولامجال للصرف .

كانت مخصصات هذه المديرية ( 5000) خمسة الاف دينار )) ولم يكن أي حق لمديرها ان يصرف ولافلس منها ولاصلاحية لديه في أي صرف كان مهما كان قدرة دون ان يصادق رئيس اركان الجيش الفريق اسماعيل نامق على ذلك الصرف .. فكانت مجمل الصرفيات تنحصر في صرف المبالغ للامور التالية :

أ- مايحتاجة ديوان الوزير من جرائد ومجلات وشاي وقهوة وحامض وشربت وسكاير.

ب- مايحتاجه رئيس اركان الجيش من جرائد ومجلات وشاي وقهوة وحامض وشربت وسكاير.

ج- ماتحتاجه الضيافات التي يقرر اقامتها الوزير للشخصيات او الاشخاص الذين تقام لهم تلكم الولائم ومثالا لذلك جاء ملك الاردن الملك عبد الله الى بغداد، وأقيمت له حفلة عشاء في داء الضباط صرفت مبالغ الضيافة المذكورة من مخصصات مديرية الاستخبارات العسكرية وبامر من وزير الدفاع.

وهكذا كانت هذه الدائرة العسكرية المهمة مشلولة ومهمولة حتى ان مدير الدائرة هذا لم تكن لديه واسطه نقل، واذا اراد قضاء واجب من واجباته باتصاله باحدى الدوائر ذات العلاقة، فلاجل ان يستاجر سيارة ركوب للذهالب بها الى الدائرة المذكورة تتطلب صرف (( 150)) مائه وخمسون فلسا فقط، فلايجوز للمدير ان يصرف هذا المبلغ الزهيد بدون اخذ موافقة رئيس اركان الجيش على صرفها . قبل انتهاء السنة المالية، وفي شهر اذار 1944 كان ماتبقى من ميزانية مديرية الاستخبارات العسكرية (( 2320)) دينارا من اصل ((5000 دينارا من الميزانية المرصدة للمديرية المذكورة .

ذهبت الى رئيس اركان الجيش حاملا بيدي كتابين ليوقعهما كان الاول خاص بسحب ((1000 الف دينار )) لنضعها في خزانة مديرية الاستخبارات العسكرية، ولنصرف منها مايجب صرفه للامور والمواد المذكورة اعلاه، وكان الثاني يخص بسحب ((1000)) الف دينارا اخرى تعطي لامرة مديرية الحسابات العسكرية لتحري المناقلة بها للفصول التي نفذت مبالغها المخصصة في ميزانيتها.

قلت لرئيس اركان الجيش : سيدي ان مبلغ (( 2320)) دينارا قد توفر لدينا من ميزانيتنا البالغة (5000) دينارا سنوياً، وهذا كتابين ارجو التوقيع عليها لنضع الالف منها لدينا للصرف لحين المصادقة على الميزانية الجديدة، والى (6000) الالف دينار الاخرى تستفيد منها مديرية الحسابات العسكرية العامة لفصولها العاجزة، فجاوبني بالحرف الواحد : (( لو لم اكن انا ياشيخ لايصرف المبلغ كله ))، فاجبته وعلى الفور : اذا ياباشا هذا مايثبت اننا لم نشتغل ولم تؤدي الواجب المطلوبه منه بصورة قطعية، فتالم من جوابي هذا، وقد طلب رئيس اركان الجيش حضوري امامه يوما ما .

iNewsArabia.com > أخبار مختلطة > الزمان
من حافة التاريخ.. حياة أمير اللواء الركن المتقاعد طاهر الزبيدي 12,