من حافة التاريخ.. حياة أمير اللواء الركن المتقاعد طاهر الزبيدي

من حافة التاريخ.. حياة أمير اللواء الركن المتقاعد طاهر الزبيدي

21

معركة جنين تؤرخ جهد القوات العراقية وهذه ملاحظاتي عن كلوب باشا

طارق النجار

بغداد

المقدمة

لا أود الخوض في حكاية مجردة لضابط عسكري عراقي أسهم في الكثير من انجازات الجيش العراقي وفي مختلف صنوفه ومراتبه، انما حدا بي الى هذه الحكاية التي انتبهت اليها، تلك الشخصية العسكرية الوطنية التي تركت اثراً في اديم العسكرية العراقية، وما ورد فيها من تفاصيل جعلتني أكثر قرباً من تاريخه العسكري تبوؤه عدة مناصب عسكرية تليق بالرجال. ليس لي احقية بهذا التاريخ غير سرده وأعانني فيه شخص ولده ” فيصل طاهر الزبيدي” الزميل السابق في العمل الوظيفي، وبالتحديد الخطوط الجوية العراقية، الذي زودني بمسوداته المبعثرة التي احسست بمشقـــة وعناء وجهد مضن في تناولها في ترتيبها وتدوينها وما لقيته من معاناة في تسلسلها الرقمي، بما تملكه من غزارة في المعلومات.

البرقية من آمر… كانت البرقية مرسلة من اللواء عبد القادر الجندي (لا ادري ما علاقة رئيس اركان الجيش بالمتصرف من الناحية العسكرية؟..) رئيس اركان الجيش الاردني الى متصرف لواء اربد يطلب منه فيها سحب القوتين الاردنية من مشروع روتنبرغ الكهربائي، ومن مخفر جسر مجامع، وارسال هاتين القوتين فوراً الى القدس العربية، فرجوت المتصرف وبإلحاح أن يتريث لمدة ساعتين فقط لحين ما احضر قوة عراقية لاستلام مشروع روتنبرغ الكهربائي. (أن هذا المشروع كان الانكليز قد انشأوه عندما كانوا يحتلون فلسطين كدولة منتدبة استعمارية، وعندما (أخلوا فلسطين) وانسحبوا منها سلموا المشروع هذا الى اليهود، فكان يدار من قبلهم وتحميهم قوة من الجيش الاردني حتى احتلالها اياه…) ومخفر جسر مجامع فلم يوافق، فقلت له: أن كان توجد قطرة واحدة من الدم العربي في عروقك اقسم عليك بحق تلك القطرة أن تسمح وتنتظرني هاتين الساعتين، فلم يوافق أيضاً، وعدت وقلت له: (أُقبل اياديك) مع العلم انه بإمكاني أن أحتل هذين الموقعين حرباً في حالة انسحاب القوة الاردنية منهما واحتلالهما من قبل اليهود، فوافق مشكوراً على إعطائي (مهلة) لمدة ساعة فقط وكان المقدم (نديم السمان) من الجيش الأردني أخذاً باخلاء مشروع روتنبرغ وكان فعلاً في المشروع، فعدت الى قاعدتي في وادي العرب، وبرفقتي ضابط ركن القوة الآتية الرئيس الركن مظفر التك، وأُمرت وعلى الفور بإرسال سرية مشاة من الفوج الآلي للقوة الآلية وفصيل رشاش (فيكرس) لإحتلال هذا المشروع، كما أُمرت بإرسال فصيل مشاة مع حظيرة رشاش (برن) الى مخفر جسر مجامع، وقد رافقت القوة التي احتلت المشروع واشرفت بنفسي على احتلاله، وكان فيه من اليهود (50) خمسون رجلاً وأمرأتان يهوديتان، فألقينا القبض عليهم وارسلتهم الى قفص الاسرى، في معسكر الزرقاء، وفي الساعة (30/9) أي الساعة (00،21) الحادية والعشرون مساء، وبينما كنت لا أزال في المنطقة الجنوبية من المشروع، نسف جسر المجامع الذي كان ملغوماً من قبل اليهود . (كيف أتيح لليهود ان يلغموا جسر المجامع الذي كان تحت حراسة منتسبي مخفر الجسر المذكور من الجيش الاردني (إن لم يكن هناك تواطؤ بينهما) ….) .

وقد أصابت راسي بعض أحجار الجسر المنسوف، وهكذا تم لنا احتلال مشروع روتنبرغ الكهربائي، ومخفر جسر المجاميع وفي الساعة (11،00) أي الساعة (23،00) من تلك الليلة احضرت احد اليهود الاسرى الذين ألقينا القبض عليهم في المشروع نفسه فأنذرت القوة اليهودية الموجودة في قلعة كميشر بواسطته وبلغتهم العبرية تلفونياً . (كان الاتصال التلفوني موجوداً بين مستعمرة قرية كميشر اليهودية في الضفة الغربية من نهر الاردن وبين مشروعهم الكهربائي في الضفة الشرقية من نهر الاردن …) بأن يستسلموا الى قواتنا العراقية حالاً والا دمرناهم تدميرا، فطلب من آمر حامية قرية كميشر ان امهله لمدة ساعتين لكي يتصل بقيادته في القاعدة الخلفية، ويخبرهم بهذا الانذار، ويتلقى منهم التعليمات، (خاصة وان وقت القتال لم يحن بعد..) فوافقت على ساعة من الزمن، حيث أن بدأ القتال يكون في الدقيقة الواحدة بعد منتصف الليلة.

14-15 / مايس 1948، وفي الساعة (23،40) اي بعد اربعين دقيقة من وقت بدء الانذار ثم جاء الجواب تلفونياً ايضاً بالرفض .

وفي الدقيقة الواحدة، بعد منتصف تلك الليلة بدأ القتال في كل الجبهات مع اليهود .

عدد المقاتلين العرب من الجيوش العربية ومقارنتها بعدد المقاتلين من الجيش الاسرائيلي

واندلعت الحرب مع اسرائيل في 15 مايس من عام 1948، وخاضت الجيوش العربية قتالاً شرساً مع الجيش الاسرائيلي والمتكونة من:

الجيش العربي الاردني وعدد مقاتليه 4.500 اربعة الاف وخمسمائة مقاتل بما فيهم الضباط والمراتب (وكان لا يملك من المال سوى ما خصص له في الميزانية لادارة شؤونه أثناء السلم…).الجيش المصري، وعدد مقاتليه (10.500) عشرة الاف وخمسمائة مقاتل (من ضمنهم القوات المتطوعة من السعودية، وكان الجيش المصري هذا ضعيفاً في تدريبه العسكري للغاية ..).الجيش السوري وعدد مقاتليه (3000) ثلاثة الاف مقاتلاً (كان ناقص التدريب).الجيش العراقي (عدد مقاتليه 3000) ثلاثة الاف مقاتل.الجيش اللبناني عدد مقاتليه (1000 الف مقاتل) (لم يكن لديه من الجيش سوى قوة من الدرك) وبلغ العدد الكلي للجيش العربي (22000) اثنان وعشرون الف مقاتل.

يقابل هذا من الجيش الاسرائيلي البالغ عدد مقاتليه (65000) خمسة وستون الف مقاتل.

مذكرات كلوب باشا

وقد يأخذني العجب عندما اسمع ما يتفوه به بعض الناس بأنه سبع جيوش عربية لم تتمكن من هزيمة بعض شراذم اليهود في حرب فلسطين دونما أن تكون لهم خبرة عسكرية أو سياسية في تمشدقهم بهذه الاقاويل، والآن مالنا نبتعد عن الحقيقة ونتصارح بواقع الحال؟ .. بان ندرج بعض الملاحظات المهمة حول الجيوش العربية المشاركة في الحرب والبعض منها لم تشارك في القتال.

اليمن: لم ترسل لا جندياً ولا سلاحاً وانما ارسلت يهودها الى فلسطين وجند اليهود منهم فوجاً في منطقة نتانية .السعودية: لم شارك لا بالرجال ولا بالمال وقد التحق منهم (700 سبعمائة متطوع بالجيش المصري…).لبنان: لم تكن لديه من قوة سوى فوجين.سورية: كان لديه لواءان (ناقص التدريب) واسلحته محدودة ولا طائرات لديه.الأردن: كان يملك فرقة مدربة تدريباً جيداً، ولكن القيادة بيد الانكليز (وندرج اسماء قادة وحدات وتشكيلات تلك الفرقة التي هي تحت قيادة كلوب باشا).مصر: اشتركت باكبر قوة عسكرية (غير مدربة) … ومعركة الفالوجة أكبر مثال على ذلك، حيث حصد الجيش المصري في هذه المعركة.العراق: اشترك في حرب فلسطين بإيمان وعزيمة (وأن معركة حنين) الخالدة أكبر مثال وخير دليل على بسالة الجندي العراقي، إضافة الى معركة (كوفيح) كان هذا الجيش يجلب مقاتليه واسلحتهم وإعاشيتهم من مسافة الف كيلومتر . (قائمة باسماء قادة الجيش الأردني) وبعد هذه الملاحظات المهمة حول امكانية بعض الجيوش العربية المشاركة في الحرب في فلسطين، وعدم استطاعتها هزيمة الجيش الاسرائيلي في معركة او في حرب فلسطين.

نعود الى المعركة الدائرة في منطقة جسر مجامع ووادي العرب ومشروع روتنبرغ الكهربائي الذي أمرنا بنسفه في ليلة 16-17 /5/1948 لحرمان معامل ومعسكرات ومنشآت العدو من الاستفادة من كهربته.

فبدأنا بقصف قلعة كميشر بقنابل مدفعيتنا من عيار (25) رطل فلم تكن تلك القنابل ذات تاثير كلي في تلك القلعة . (كان الانكليز قد شيدوا خطوطاً دفاعية واستحكامات جبارة من بينها (قلاع آيدن) تجاه زحف الالمان ومن جملة تلك القلاع قلعة كميشر.. موضوعة البحث..) . التي هي من قلاع ايدن الدفاعية المتينة، فبينما كانت مدفعيتنا تدك قلعة كميشر ذهبت الى قرية المنشية … بغية الاستطلاع لايجاد طريقة لعبور نهر الاردن ومهاجمة اليهود في قلعتهم (كميشر)، فوجدت في قرية المنشية عبارة كانت تستخدم سابقاً للعبور بين الضفتين وكان أحد الموظفين وهو يهودي يشرف كمسؤول على هذه العبارة … فذهبت الى هذا اليهودي وامرت بالقاء القبض عليه، وسيطرنا على العبارة واستخدمناها بصورة مؤقتة للعبور ريثما يتم نصب جسر على النهر المذكور لنقل قطعاتنا عليه.

وأول عمل قمنا به هو عبور سرية من الفوج الآلي تحت قيادة الرئيس (ثابت الصفار) الى الضفة الغربية، حيث شكلت هذه السرية راس جسر لقواتنا البرية المهاجمة .. وقد طلبنا مواد جسر قوارب لأنشائه في تلك المنطقة بواسطة سرية هندسة القوة الالية التي كان آمرها (الرئيس الاول ) (الرائد) اسماعيل مصطفى فأرسلت لنا وزارة الدفاع العراقية فوراً بجسر قوارب كامل مشكورة مع الرئيس الاول الركن المهندس (نايف حمودي) …، فتم نصبه على نهر الأردن وربط جانبيه .. وصار العبور يجري من فوقه واشترك في الاشراف على نصب الجسر كل من الرئيسين الأولين، نايف حمودي واسماعيل مصطفى وفي يوم 16 مايس 1948، وبينما كنت اقف الى جانب أحد المدافع من عيار (25) رطل إذ كان يدك قلعة كميشر بقنابله، وصل آمر جحفل اللواء الأول (المرحوم) العقيد الركن الفريق الركن (نجيب وفيق الربيعي) وحياني التحية العسكرية وقال: سيدي لقد مررت باللواء الركن نور الدين محمود وكيل القائد العام وأمرني بان لا اطيع أوامرك (كان اللواء نور الدين محمود يحاول ايجاد انشقاق في صفوف الجيش العراقي بتوجيهات من كلوب باشا قائد الجيش الأردني (على ما اعتقد) وقد ككر قوله هذا الى عمر علي… ) . وان أعمل حسب مجهودي، ولكن؟ … أنا جندي واعرف من اطيع، وأوامر من انفذ، فانك انت آمري وانك انت قائدي، وانك انت استاذي في الكلية العسكرية فأنا تحت امرك وأمرني انا جنديك المطيع، فشكرته ورحبت به، تحرك جحفل اللواء الاول يوم 15-16 مايس 1948 الساعة الخامسة (0،500) الى الهوارة شرق اربد بعشرة كيلومترات وفي الساعة 1،10 وصل جحفل اللواء الأول الى وادي العرب بموجوده الاتي ووحداته الآتية:11

مقر الجحفل – حظيرة المخابرة – ف1ل1 – ف1 ل15 – د. م . ط2 – بطرية ضد الجو الثانية – مفرزة النقلية الآلية – معمل تصليح – س3 هندسة

وكان قد سبق ان وصل ف2ل1 وهو من مرتبات الجحفل الاول الى المفرق يوم 12 مايس 1948 بموجوده البالغ (أسم التشكيل جحفل ل1 بجميع وحداته المندرجة اعلاه ويتكون من (84 ضابط و 1859 من المراتب و36 توابع فالمجموع (1979) . وأن موجود ف2ل1 يتكون من (24 ضابط و615 من المراتب و 8 توابع فالمجموع هو (647) فمجموع قوة جحفل اللواء الأول (هو 2626)) .

فتحرك ف2ل1 بموجب برقيتنا (القيادة العراقية) 984 في الساعة (9،00) التاسعة من يوم 16 مايس 1948 الى الهوارة ومنها الى وادي العرب، والتحق بلوائه جحفل ل1 وبموجب برقيتنا القيادة العراقية (ح أ 161630) أدخلنا جحفل اللواء الاول المعركة بأفواجه الثلاثة، فقد عبرت هذه الأفواج نهر الاردن، وحاصرت قلعة كميشر من جوانبها الأربعة، وأحتلت بعض المرتفعات المطلة على قلعة كميشر ووضعت رباياها عليها … لتترك جحفل اللواء الأول منهمكا في خطته لأسقاط قلعة كميشر واحتلالها، ولنتطرق الى مداخلة القيادة العامة بشؤون تشكيلات الجيش العراقي (سمعت من لسان اللواء الركن نور الدين محمود يقول: لم توافق الجيوش العربية أن نتدخل في شؤونها العسكرية والحربية، ولم توافق بعض هذه الجيوش أن اذهب اليها وافتشها وخذ مثلاً لذلك: أن الجيش المصري منعني من زيارة تشكيلاته بقولهم (لسه ما كاشي فاروء لزيارتنا فلا يمكن أن تأتينا) ويقصدون ان الملك فاروق لم يزورهم حتى الآن وعليه لا يمكن أن يزورهم نور الدين محمود..) دون سواه من الجيوش العربية وكيف أن هذه القيادة الموجودة باسمها واللا موجودة بفعلها؟

عندما تنسب تعييني الى قيادة القوات العراقية، تم تعيين العقيد الركن رفيق عارف خلفاً لي لآمرية القوة الآلية وشغل منصبه بتاريخ 19/5/1948 وفي يوم 21 مايس 1948 جاءني في مقري بالقرب من اواء اربد آمر القوة الآلية وذلك في الساعة (18،00) (السادسة مساء) وقال لي: أن وكيل القائد العام اللواء الركن نور الدين محمود قد طلبني تلفونياً الى مقره في الزرقاء وأعطاني أمراً شفهياً بالحركة مستصحباً معي القوة الآلية الى نابلس في الضفة الغربية من نهر الأردن وذلك في الساعة (20.00) (الثامنة مساء) أي بعد ساعتين فقط من اخباري بأمر الحركة الشفهي هذا فاجبت آمر القوة الآلية، انك ضابط ركن وكنت تدرس بكلية الأركان وكنت آمراً لهذه الكلية، فهل يجوز أن تتلقى أمراً وخاصة في الحرب من غير قائدك المباشر؟

iNewsArabia.com > أخبار مختلطة > الزمان
من حافة التاريخ.. حياة أمير اللواء الركن المتقاعد طاهر الزبيدي,