من حافة التاريخ.. حياة أمير اللواء الركن المتقاعد طاهر الزبيدي 9

من حافة التاريخ.. حياة أمير اللواء الركن المتقاعد طاهر الزبيدي 9

المرض يعوق إبلاغ الملك بمصرع بكر صدقي وقائد القوة الجوية في الموصل

طارق النجار

بغداد

المقدمة

لا أود الخوض في حكاية مجردة لضابط عسكري عراقي ساهم في الكثير من انجازات الجيش العراقي وفي مختلف صنوفه ومراتبه، انما حدا بي الى هذه الحكاية التي انتبهت اليها، تلك الشخصية العسكرية الوطنية التي تركت بصمة في اديم العسكرية العراقية، وما ورد فيها من تفاصيل جعلتني أكثر قرباً من تاريخه العسكري تبوؤه عدة مناصب عسكرية تليق بالرجال. ليس لي احقية بهذا التاريخ غير سرده وأعانني فيه شخص ولده ” فيصل طاهر الزبيدي” الزميل السابق في العمل الوظيفي، وبالتحديد الخطوط الجوية العراقية، الذي زودني بمسوداته المبعثرة التي احسست بمشقـــة وعناء وجهد مضن في تناولها في ترتيبها وتدوينها وما لقيته من معاناة في تسلسلها الرقمي، بما تملكه من غزارة في المعلومات.

مجموعات لقتل بكر صدقي

فتألفت مجموعة في بغداد . وثانية في كركوك ، والثالثة في الموصل ، ورابعة في تل كوجك ، وخامسة في اسطنبول . وقد تهيئت هذه المجموعات كلها لقتله ، والتخلص منه خاصة بعدما علمت انه قررّ السفر الى تركيا لحضور المناورات العسكرية التي دعي لمشاهدتها ، ومن ثم قراره بالسفر لمواجهة (هتلر) زعيم النازية.

بينما كان الفريق الركن بكر صدقي شوقي العسكري يعد العدة للسفر ، كانت المجموعات التي تألفت لقتله تتخذ الاجراءات الكفيلة لنجاح مهمتها .. وفي يوم 10/آب 1937 قرر السفر في القطار الى كركوك مستصحبا معه الهيئة العسكرية التي انتجها وتتألف من الذوات التالية اسماؤهم : اللواء حسين فوزي حسن ، والعقيد الركن نور الدين محمود ، والنقيب الركن رفيق عارف ، وفي تمام الساعة 8,00 مساءً 20,0 ، تحرك القطار به وبمن معه ، وكان الكثيرون من النواب والاعيان والوزراء ، وعلى رأسهم رئيس الوزراء حكمت سليمان في محطة القطار (شمال بغداد) قد خرجوا لتوديعه فوصل كركوك في صباح اليوم الثاني 11/آب 1937 ، ومن هناك اخذ سيارة وسافر الى الموصل كما أخذت الهيئة المرافقة له سيارة اخرى ورافقت القائد بكر صدقي في طريقها الى الموصل وبعد وصول الجميع الى الموصل تفرقا ، فذهب القائد بكر صدقي الى معسكر القوة الجوية ونزل في الفرقة التي كانت مهيأه له (كانت هذه الفرقة تخص الضابط الطيار الرئيس محمود الهندي احد المتآمرين في زمرة قتل بكر صدقي في الموصل . وكان لهذه الفرقة بابان : باب الى خارج البناء وآخر على حديقة البهو . واما الهيئة (الوفد) الذي كان يرافقه فقد نزلوا في دار الضباط .

تنفيذ القتل

في الساعة 15,45 الثالثة وخمس واربعين دقيقة عصرا من يوم 11/ آب 1937 ، جاء الرئيس محمد خورشيد المنسوب الى كتيبة الخيالة في الموصل . ومعه القاتل النائب عريف (محمد عبدالله التلعفري) والمنسوب لسريته الى معسكر القوة الجوية والى غرفة الرئيس محمود الهندي الذي كان يعتقد ان بكر صدقي مازال غاطا في نومه بها ((كان بكر صدقي قد نهض من نومه واستحم وارتدى ملابسه المدنية وخرج الى الحديقة وجلس على الكرسي الذي كان معدا لجلوسه بين ضباط القوة الجوية وكان ظهر الكرسي على الغرفة التي سكن فيها)) الا انه لم يجده فدخل الغرفة ومعه النائب العريف المذكور وسحبه الى شباك الغرفة ومن هناك اعلمه بكر صدقي وزاد في الايضاح قائلا : انا سأخرج واذهب من الخارج وادخل الحديقة وعليك ان تنظر من هذا الشباك وان الذي ساصافحه واسلم عليه هو بكر صدقي المقصود قتله فتأكد تماما ثم نفذ القتل به بطريقة غير جالبة للشبهة ولفت النظر . ثم ترك محمد خورشيد النائب العريف في الغرفة وخرج من الباب الخارجي ودخل الحديقة من بابها الخارجي ايضا ، ورأسا توجه الى بكر صدقي وسلم عليه فقام بكر صدقي من كرسيه وصافح محمد خوشيد ورد عليه السلام مستفسرا عن صحته بقوله : (شلونك محميد) كان بكر صدقي يسمى محمد خورشيد (بمحيميد) وجلس كل منهما على كرسيه.

كان النائب عريف محمد عبدالله يرتدي ملابس (كناس) وكان ينظر من الشباك الى من صافحه محمد خورشيد وقد تأكد من شخصية بكر صدقي (المكلف بقتله) وكان النائب عريف هذا ماهرا جدا في الرماية ، فخرج من الغرفة وبدون ضوضاء وبيده وعاد لجمع اعقاب السكاير وبعض الاوساخ من الارض (الممشى) حتى اذ ما اقترب من وراء بكر صدقي ، اخرج مسدسه الذي كان يخفيه في جيب سرواله ووجه فوهته الى رأس بكر صدقي ورماه بطلقتين متعاقبتين اودت بحياته فورا ((وذلك في الساعة 16,00 الرابعة من ذلك اليوم)) فنهض المقدم الطيار محمد علي جواد من كرسيه وهاجم القاتل وهو مجرد من السلاح فما كان من القاتل الا ان وجه مسدسه نحو المقدم محمد علي جواد ورماه وقتله والحقه بقائده وصديقه بكر صدقي فألقى الملازم الطيار احمد عزيز القبض على القاتل الذي كان قد فرغ مسدسه من العتاد .

شقيق بكر صدقي

وفي الساعة 20,00 الثامنة مساءً اخبرني مأمور بدالة قصر الزهور بان شخصا من الموصل يريد مكالمة الملك تلفونيا . فقلت لمأمور البدالة اعطني اياه : واذا بالمتكلم هو شقيق بكر صدقي شوقي العقيد برقي شوقي (نائب الموصل) آنذاك يكلمني من الموصل وهو بحالة تهيج شديد ويطلب مكالمة الملك . فقلت له ان الملك مريض تفضل واخبرني بما تريد فقال اريد ان اخبر الملك بحادث مقتل اخي بكر صدقي شوقي وقائد القوة الجوية المقدم الطيار محمد علي جواد . فقد قتلا اليوم عصرا وفي الساعة 16,00 الرابعة بعد الظهر في معسكر القوة الجوية . فطيبت خاطره وقلت له ساعرض الأمر على الملك ، فانصرف ثم اخبرت الملك بذلك تلفونيا. وكنت في تلك الليلة مرافقا خفرا للملك … ومن ثم اخبرت المرافق الاقدم رشيد علي تلفونيا بالحادث . وكان في البلاط موكولاً اليه تنفيذ تسفير الامير على (خال الملك غازي) وذلك نظرا لقرار الحكومة السليمانية بتسفيره الى الاردن . فاجابني المرافق الاقدم وبالحرف الواحد ، وباللهجة العراقية (اويلاخ هسه انكسر ظهري) ((ان الفريق الركن بكر صدقي شوقي (رئيس اركان الجيش) آنذاك هو الذي امر بنقل العقيد الركن احمد السيد محمود من منصب المرافق الاقدم للملك وجاء بالعقيد رشيد علي الى البلاط وعينه مرافقا اقدم للملك وكان العقيد من المقربين لبكر صدقي شوقي حتى يوم قتله)) وعلى اثر ذلك ارسلت الحكومة السليمانية في بغداد نائب احكام وزارة الدفاع العقيد (انطون لوقا) الى الموصل للتحقيق في هذا الحادث والقاء القبض على القتلة المتآمرين . وبعد وصوله الى الموصل صار الامر بالعكس فاوقف العقيد انطون لوقا . وعندها قال كلمته في المثل العراقي المشهور (انكلب الطابك طبك) واعلنت منطقة الموصل الذي كان امرها الزعيم محمد امين العمري العصيان على حكومة بغداد وعلى اثر هذا العصيان قررت الحكومة السليمانية في بغداد ارسال قوة عسكرية الى الموصل واصدرت وزارة الدفاع الامر الى اللواء الثالث الذي كان يرابط في معسكر الوشاش . وكان امر هذا اللواء العقيد محمد سعيد عمر التكريتي فتمرد آمر اللواء على امر وزارة الدفاع بالحركة الى الموصل قائلا : نحن اخوة في جيش واحد لايمكن ابدا ومطلق ان يقاتل بعضنا بعضا … وعلى اثر تمرد آمر اللواء . وفي ليلة 14/15/ آب 1937 وفي الساعة السابعة مساءً . ذهب كل من رئيس الوزراء حكمت سليمان ووكيل وزير الدفاع على محمود الشيخ علي الى معسكر الوشاش وواجها آمر اللواء في مقره وتباحثا معه في امر الحركة ، وكان ضابط اللواء الثالث وغيرهم من ضباط القطعات الأخرى في معسكر الوشاش متحمسين ضد الوزيرين المذكورين ويريدون قتلهما . وكان الملك قد سمع بما ينوي هؤلاء الضباط القيام به .. كنت في تلك الليلة مرافقا خفرا للملك ، فأتصل بي الملك تلفونيا وطلب حضوري لديه في قصر الزهور ، فتركت دار المرافقين حالا وذهبت لمواجهته فأمرني ان اركب سيارته التي كانت تحمل اشارة . شعار الدولة العراقية واسوقها بنفسي ، واذهب الى معسكر الوشاش وابلغ آمر اللواء العقيد محمد سعيد عمر التكريتي . بأن الملك يطلب رئيس الوزراء حكمت سليمان ووزير الدفاع (بالوكالة) على محمود الشيخ علي لديه في قصر الزهور حالا .. فأمتثلت الامر وتوجهت بالسيارة المذكورة مع نحو معسكر الوشاش (كانت الملكية في هذه اللحظة واقفة في شرفة باب قصر الزهور المطلة على الحديقة والساحة وقد سمعتها تقول للملك (وين ترسل هذا المرافق والى مناطق الخطر؟)) . فوصلت المعسكر المذكور ، والى مقر اللواء الثالث الذي كان يشغل البناية التي كانت تسمى (بناية الالمان) في معسكر الوشاش وكانت غرفة امر اللواء في الطابق العلوي من البناية المذكورة التي كانت تتكون من طابقتين ، فدخلت غرفة الآمر فشاهدت كل من رئيس الوزراء حكمت سليمان ووكيل وزير الدفاع علي محمود الشيخ علي يجلسان في الغرفة يتحادثان مع آمر اللواء العقيد محمد سعيد عمر التكريتي فحييت الآمر التحية العسكرية وقلت له ارسلني الملك اليكم وهو يطلب حضور كل من رئيس الوزراء ووكيل وزير الدفاع لديه في قصر الزهور الآن وفورا وهذه ارادة ملكية لابد من تنفيذها .

فطلب مني الذهاب الى غرفة ضابط ركنه الرئيس جمال سعيد الخشالي منتظرا لمدة خمس دقائق فقط ليتم حديثه معهما .

فذهبت الى غرفة ضابط الركن وانتظرت الخمس دقائق وعدت ثانية الى آمر اللواء ورجوته تنفيذ الارادة ، حيث ان الملك بانتظارهما ، فاجابني بقوله طيب . تفضل اخذهم فودعهما . فنزلنا سلم البناية الخشبي واركبتهما السيارة وسقتها بنفسي وخرجت من المعسكر (كان الضابط على اختلاف رتبهم ومناصبهم ووحداتهم وتشكيلاتهم متجمهرين على شباك غرفة آمر اللواء . وهم بغاية الحماس : يريدون قتل كل من رئيس الوزراء حكمت سليمان ووكيل وزير الدفاع علي محمود الشيخ) عائدا الى قصر الزهور وشاهدت الملك غازي يتخطى امام باب القصر منتظرا وصول السيارة ومن فيها ، فاوقفت السيارة بالقرب من الملك ونزل كل من رئيس الوزراء ووكيل وزير الدفاع وتصافحا مع الملك ثم استصحبهما الى مكتبة داخل القصر ، وبقيت منتظرا الى جانب السيارة وبعد نصف ساعة من الوقت خرج الثلاثة وطلب الي الملك ان اوصلهما . فركب السيارة وجلسا الى الخلف وجلست وراء مقود السيارة (الاستيرن) فتحركنا نحو بغداد ، فسألتهما الى اين يطلبون مني ايصالهما ؟ . فقال حكمت سليمان الى وزارة الداخلية (التي كانت قريبة من مديرية شرطة لواء بغداد) فاوصلتهما الى باب وزارة الداخلية . فنزلا من السيارة وشكراني كثيرا ثم انصرفا الى داخل الوزارة . وعدت الى قصر الزهور ، وكان الملك يتمشى ايضا امام باب قصر الزهور فأخبرته بايصالهما الى وزارة الداخلية . فشكرني كذلك ووضعت السيارة في كراجها في قصر الزهور وانصرفت الى دار المرافق الخفر ، لاقضى خفارتي لتلك الليلة فيها وفي اليوم الثاني وصل جثمان بكر صدقي شوقي ومحمد علي جواد من الموصل ، وعند الظهر دفنا الى مقبرة باب المعظم ، فأرسل الملك اكليلين من الزهور ووضعنا على قبريهما .

((بيان رسمي))

تنعى الحكومة العراقية بمزيد الاسف كلاً من المرحومين الفريق بكر صدقي رئيس اركان الجيش والمقدم محمد علي جواد آمر القوة الجوية في حادث وقع لهما خلاصته: انه بينما كانا جالسين قبيل غروب آمس في ميدان الطيران بالموصل اذ هجم أحد الجنود على الفريق بكر صدقي واطلق عليه بضع رصاصات اردته قتيلاً.. ولما حاول محمد علي جواد ان يحول بينهما اطلق عليه الجندي الرصاص ايضاً فخر صريعاً. وقد قبض على الجندي القاتل في الحال والتحقيقات جارية لمعرفة الاسباب.

التوقيع

مدير الدعاية والنشر

استقالة حكومة حكمت سليمان وتأليف حكومة

قدم حكمت سليمان استقالة وزارته بتاريخ 17/ آب 1937 وابرق جميل المدفعي الذي كان في بيروت ليعود الى العراق ويتولى تشكيل الوزارة . وصدرت الارادة الملكية بتأليف الوزارة المدفعية بتاريخ 17/آب 1937 وبرقم 465 فتألفت الوزارة على النمط التالي :

جميل المدفعي

رئيسا للوزراء ووكيلا لوزير الدفاع

مصطفى العمري

وزيرا للداخلية

عباس مهدي

وزيرا للعدلية ووكيلا لوزير الخارجية

جلال بابان

وزيرا للاقتصاد والمواصلات ووزيرا للمالية بالوكالة

الشيخ محمد رضا الشبيبي

وزيرا للمعارف

وفي يوم 19/ آب 1937 صدرت الارادة الملكية باسناد منصب وزارة الخارجية الى توفيق السويدي ومنصب وزارة المالية الى ابراهيم كمال ، وقد عاد وزير المالية (ابراهيم كمال) الى العراق في 28/ آب 1937 ولم يعد وزير الخارجية الا في 9/ تشرين الاول / 1937 وتوليا منصبيهما في تلكم التواريخ ((وتمكنت الوزارة المدفعية في زمن توليها الحكم من ان تصدر ارادة ملكية بالعفو عن الاشخاص الذين قاموا بالاجرام والقتل الذي وقع بمناسبة مقتل بكر صدقي ومحمد علي جواد كعمل مماثل كما اصدرته الوزارة السليمانية)) .

iNewsArabia.com > أخبار مختلطة > الزمان
من حافة التاريخ.. حياة أمير اللواء الركن المتقاعد طاهر الزبيدي 9,