"الجهاد"... تحت راية آخر قلاع العلمانية؟

رغم اعتماد النظام الرسمي في سوريا على صيغة علمانية، بحسب زعمه، لإدارة بلاد تتكون من نسيج مذهبي وطائفي وديني أقرب في الشبه إلى اللوحة الفسيفسائية، فإن ممارسات النظام السوري وتعامله مع الأديان ورجالاته لا يوفر أي فرصة لاغتنام الرصيد المعنوي لأي رجل دين، مهما كان مذهبه أو فكره أو طائفته، لدعم حكمه وترسيخ هيبته ومرجعيته السياسية (الأحادية).

تأكيد المفتي العام للجمهورية الشيخ أحمد بدر الدين حسون أن سورية اليوم مهددة من قبل أكثر بلدان العالم تكنولوجيا، وبعض أبناء العمومة والقرابة، حسدا وحقدا وكراهية، بحسب كلامه، لأنها النموذج الباقي للأمة الحضارية التي تجعل من التنوع ثراء ومن التعدد قوة وليس ضعفا وصداما، كلام قد يمكن تفهمه لولا الراية المعلنة في سوريا من أنها آخر قلاع العلمانية في المنطقة، والتي حرص الإعلام الرسمي على إبرازها في كل حوار مع العالم الغربي لمواجهة ما يسميه تحديات التطرف والإرهاب وتنظيم القاعدة الذي يستهدف تقويض المنطقة وتنوعها الثقافي والديني.

المفتي حسون وفي مقابلة لم يتوان التلفزيون السوري الرسمي عن بثها واستعادة مضمونها لاحقاً في نشراته الإخبارية، اعتبر أن سورية ذاهبة إلى النصر لتكون نموذجا للعالم العربي والإسلامي وتكون نموذجا بين أبنائها في الحب والتنوع والخير. "فسورية التي تعرف عدم الإكراه تدفع ثمن الإكراه، ويراد لها أن تكون مكرهة على قبول ما يفرض عليها"، والطريف استشهاد الشيخ الجليل بعبارة لطالما ترددت على أفواه وشفاه الثوار السوريين من أن "أبناء سورية أبوا أن يخضعوا ويركعوا إلا لله عز وجل" وهو التعبير عن الشعار الشهير "الموت ولا المذلة" والشعار الآخر "هي لله.. لا نركع إلا لله"، لافتا إلى أن الهجوم على سورية "يستهدف تاريخها الديني وإيجاد إنسان بلا هوية".

مفارقة المؤسسة الدينية في سوريا للواقع لا ينتزعه عن متابعة تفاصيل وحيثيات ما يجري، ولكن.. بقراءته معكوساً ومن الشمال إلى اليمين، فالجيش السوري وفق حسون، أعد لمواجهة العدو الصهيوني لا ليقاتل داخل المدن ويقتل ويدمر أحدا، ولكنه الآن في حالة دفاع عن النفس والوطن في مواجهة القوى المتآمرة على سورية، والتي تحاول محاصرته من كل الحدود، وتفتح عليه جبهات إعلامية وتكفيرية وتشكيكية وقتالية إعلامية.

خاتمة الأثافي في خطاب المفتي العام للبلاد والعباد كانت في دعوة مجلس الإفتاء الأعلى الذي يترؤسه الشعب السوري وكل الآباء والأمهات إلى حث أبنائهم على الانضمام إلى صفوف الجيش السوري "من أجل حماية سورية والدفاع عنها في وجه المؤامرة الكونية التي تستهدفها أرضا وشعبا ومؤسسات".

دعوة حسون لاقت صداها في اليوم التالي بحسب الأنباء الواردة من سوريا، حيث شرعت الحواجز في كل منطقة تتواجد بها إلى مساءلة كل من يمر بها من الشبان، واستدعاء الاحتياط السوري من المجندين، حتى لو كانوا ممن أتم خدمته العسكرية قبل فترة وجيزة، وهو الأمر المخالف لتعاليم الجيش السوري، إلى الالتحاق بثكناتهم بعد صدور فتوى مؤسسة الإفتاء باعتبار الالتحاق بالجيش في هذه الظروف "فرض عين" على كل مواطن سوري، بل ودعوة كل أبناء الأمة العربية والإسلامية إلى القدوم إلى سوريا ونصرة إخوانهم السوريين في مواجهة المؤامرة الكونية التي يتعرضون لها.

فتوى المفتي حسون ومجلس الإفتاء الأعلى مشابهة تماماً من حيث الشكل والمضمون لفتوى الجهاد التي أطلقها ذات الشخص والمؤسسة إبان الغزو الأمريكي للعراق، والتي سمح بموجبها النظام السوري بإرسال آلاف المتطوعين السوريين والعرب والأجانب للقتال إلى جانب الرئيس الراحل صدام حسين لمواجهة الغزو الامريكي، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى توظيف الدين ورجالاته في خدمة أهداف حزب علماني قومي كحزب البعث في حادثتين يعتبر من يفتي بها حالياً أنهما متشابهتان إلى حد بعيد.

مفتي الجمهورية الحالي، الصوفي النشأة، أحمد بدر الدين حسون، لم يخرج عن حظيرة العلماء "المسلطنين"، فبعد عقد من معارضة النظام والتضييق عليه جراء خلاف شخصي مع مدير أوقاف حلب الأسبق، صهيب الشامي، والمعروف بفساده وقربه من النظام، انقلب فجأة المفتي في مواقفه، وتدرج في هرم السلطة الدينية وعين مفتيًا لحلب العام 2002، وعضواً في مجلس الإفتاء الأعلى في سوريا، وعضو مجلس الشعب للدورتين التشريعيتين السابعة والثامنة، وخطيباً في جامع الروضة بحلب، قبل أن يضحى المفتي العام للجمهورية، وعرف عنه شطحاته الصوفية التي لامه عليها المقربون قبل الخصوم.

المهم الآن عواقب إصدار هذه الفتوى الخطيرة وما ستجره على سوريا من تبعات تجعل منها العراق عام 2003، خاصة في ظل توقعات في وجود استجابة لمثل هذه الفتوى من قبل أحزاب وجماعات سياسية متطرفة لا متشددة في العراق، حريصة على تصدير أزماتها الداخلية إلى دول الجوار... بذرائع ومبررات وفتاوى.. دينية هذه المرة.
iNewsArabia.com > رأي > جولولي | رياضة
"الجهاد"... تحت راية آخر قلاع العلمانية؟,