وفاة الخليفة العثماني عبد الحميد الثاني (رحمه الله)

في الرابع من رمضان لعام 1336هـ توفي الخليفة العثماني عبد الحميد الثاني، بمنفاه في باريس، عن عمر يناهز 78 عامًا .

وبالرغم من مرور نحو قرن على وفاته، إننا ومئات الملايين من أبناء الأمة الإسلامية مازلنا نذكره ونترحم عليه؛ لأنه رجل المبادئ، فقد رضي أن يضحي بعرشه، ونفسه، ورفض الأموال الطائلة، مقابل ألا يفرط في شبر واحد من أرض فلسطين المقدسة .

لقد أرسل إليه اليهود بعد مؤتمر (بال) بسويسرا سنة 1897م (آمانويل قره صو) المحامي اليهودي، ومؤسس المحفل الماسوني في مدينة سلانيك، ومعه هرتزل؛ لإغرائه ببيعهم أرض فلسطين، من أجل أن يقيموا عليها دولة يهودية، وتم اللقاء بتاريخ 17/ سبتمبر/ 1901م، وقدما إليه عريضة، يلتمسان فيها منح اليهود منطقة ذات إدارة ذاتية في فلسطين، مقابل قرض للدولة العثمانية لمدة غير محدودة، قيمته 20 مليون ليرة ذهبية دون فائدة، و5 ملايين ليرة ذهبية إلى خزينة السلطان الخاصة كهدية، إلا أن السلطان عبد الحميد فور سماعه فحوى العريضة استشاط غضبًا، وقال: "إنَّ عملَ المبضع في بدني لأهون عليَّ من أن أرى فلسطين تقتطع من إمبراطوريتي"، ثم قال: "إنكم لو دفعتم ملء الدنيا ذهبًا فلن أقبل، إنَّ أرض فلسطين ليست ملكي، إنما هي ملك الأمة الإسلامية، وما حصل عليه المسلمون بدمائهم لا يمكن أن يباع"، وطرد (قره صو)، وصاح في وجه هرتزل، قائلًا: "اخرج من وجهي، يا سافل"، وصاح بالحاجب الذي أدخله قائلًا: "أما كنت تعلم ما يريده هذا الخنزير مني؟!"، فطار هرتزل مع (قره صو) إلى إيطاليا، وأرسل الأخير برقية إلى السلطان، يقول فيها: "ستدفع ثمن هذه المقابلة من نفسك وعرشك"، وقد عبر هرتزل عن يأسه من إغراء السلطان بقوله: "لقد فقدنا الأمل في تحقيق آمال اليهود في فلسطين، فإن اليهود لن يستطيعوا دخول الأرض الموعودة ما ظل عبد الحميد قائمًا في الحكم، مستمرًا فيه"، ولذلك استخدموا "يهود الدونما"، ودعاة القومية، لخلع السلطان، وإلغاء الخلافة العثمانية، وقد اختاروا اليهودي (قره صو) عضو حزب الاتحاد والترقي ليبلغ السلطان قرار الخلع في 24/ يوليو/ 1908م.

وفي مذكرات السلطان عبد الحميد يقول (رحمه الله) في رسالة كتبها بعد خلعه من الحكم إلى شيخه محمود أبو الشامات: "إنني لم أتخل عن الخلافة الإسلامية لسبب ما، سوى أنني بسبب المضايقة من رؤساء جمعية الاتحاد المعروفة باسم (جون تورك)، وتهديدهم، اضطررت، وأجبرت على ترك الخلافة، إن هؤلاء الاتحاديين قد أصروا عليّ بأن أصدق على تأسيس وطن قومي لليهود في الأرض المقدسة، ورغم إصرارهم لم أقبل بصورة قطعية هذا التكليف، وأخيرًا، وعدوا بتقديم 150 مليون ليرة إنجليزية ذهبًا، فرفضت هذا التكليف. لقد خدمت الملة الإسلامية، والأمة المحمدية، ما يزيد على ثلاثين سنة، فلم أُسَوّد صحائف المسلمين آبائي وأجدادي من السلاطين والخلفاء، وبعد جوابي القطعي، اتفقوا على خلعي، وأبلغوني أنهم سيبعدونني إلى سلانيك، فقبلت هذا التكليف الأخير، وحمدت المولى _وأحمده_ أني لم أقبل أن ألطخ الدولة العثمانية، والعالم الإسلامي بهذا العار الأبدي، الناشئ عن تكليفهم بإقامة دولة يهودية في الأراضي المقدسة".

وقد سجل التاريخ أن عبد الحميد الثاني قام بعد مقابلته مع (قره صو) وهرتزل بإجراءات فورية تمنع اليهود من تحقيق هدفهم، مثل: إصدار "فرمان" سنة 1300هـ إلى ولاة القدس وبيروت واللاذقية وحيفا، بمنع أي يهودي من دخول فلسطين، وإصدار "فرمان" سنة 1301هـ لرؤساء البعثات الدبلوماسية في الآستانة، فيه صورة قرار مجلس الوزراء العثماني بمنع استيطان اليهود الروس في فلسطين، وإصدار "فرمان" آخر بألا تزيد مدة إقامة اليهود الراغبين في زيارة فلسطين على ثلاثين يومًا، ثم عُدِّل بثلاثة أشهر، بعد ضغط من القنصليات الأجنبية، وإصدار قرار يحرم بيع أراضي الحكومة بفلسطين مطلقًا لليهود، ومنهم رعايا الدولة العثمانية، وذلك بعدما اكتشف قبول بعض الموظفين الرشوة من اليهود مقابل تسهيل شراء أراضٍ بفلسطين .

وقد انطلق الخليفة في مواقفه هذه من رؤى عقدية وفكرية، فقد قال في مذكراته: "إن الإسلام هو الروح التي تسري في جسم البشرية فتحييها، وتغزو القلوب فتفتحها"، وقال: "إن القوة الوحيدة التي ستجعلنا واقفين على أقدامنا هي الإسلام"، و"إننا أمة قوية؛ بشرط أن نكون مخلصين لهذا الدين العظيم"، وهو صاحب الدعوة إلى فكرة "الجامعة الإسلامية"، أي الوحدة بين جميع المسلمين على أساس الإسلام، وصاحب نداء: "يا مسلمي العالم اتحدوا"، وقد فعل ذلك في وقت وقف في وجه هذا الشعار علماء أزاهرة، ومصلحون تأثروا بفكرة القومية السائدة في بلاد الغرب، أمثال عبد الرحمن الكواكبي (ت:1902م).

رحمك الله أيها الخليفة المؤمن الرجل، وبشراك، فهاهم القوميون والعلمانيون الذين تآمروا عليك في تركيا، والعالم العربي والإسلامي يدفعون ثمن رؤاهم الخطأ، وولائهم لأعداء الأمة، وتآمرهم على المخلصين الصادقين أمثالكم؛ ذلًا، وخزيًا، وانحسارًا، وخذلانًا، ولعنة من شعوبهم، وها هم أبناؤك وإخوانك الذين اقتنعوا بفكرك، وساروا على طريقك يُمَكَّنُ لهم، في تركيا، وسوف يستمر التمكين ويزداد، في كل أقطار الأمة، إلى أن تحرر فلسطين، وترفرف راية التوحيد على كل أرضها المقدسة، التي فقدت عرشك من أجلها، وعلى كل بلدان الأمة، التي سعيت لتوحيدها تحت خلافة إسلامية واحدة.
iNewsArabia.com > رأي > جولولي | رياضة
وفاة الخليفة العثماني عبد الحميد الثاني (رحمه الله),