وادي الذهب.. قصة عبوره بموريتانيا ثم عودته إلى المغرب

حلّت منتصف الأسبوع الماضي، الذكرى 40 لاسترجاع المغرب إقليم وادي الذهب، الواقع في أقصى جنوب المملكةفي الحدود مع موريتانيا. الذكرى التي تحل في 14 عشت من كل سنة، تحوّلت إلى مجرد يوم عطلة رسمية تعطّلفيها الإدارات، دون أن تحظى المناسبة بالاهتمام اللازم، باعتبارها تؤرخ للحظة فارقة في تاريخ المغرب الحديث. فخلافا لباقي المناطق التي استرجعها المغرب تباعا بعد استقلاله الأولي عن فرنسا وإسبانيا، لم تتسلّم المملكة إقليموادي الذهب من يد مستعمر أوروبي، بل سحبتها من قلب اتفاق كان يقضي بنقل السيادة عليها من موريتانيا إلىجبهة البوليساريو.

خضوع إقليم وادي الذهب للسيطرة الموريتانية بعد المسيرة الخضراء، وبناء على اتفاقية مدريد الشهيرة التي وقعتبين المغرب وإسبانيا وموريتانيا في أبريل 1976، بات أقرب إلى الـ“طابو” في النقاشات التي يعرفها المغرب حولملف الصحراء، بينما يعتبر هذا القوس الفاصل بين 1976 و1979 حاسما في فهم أبعاد وخلفيات هذا النزاع الذيكلّف المغرب قرابة نصف قرن من الحرب والارتهان للمسارات الدولية والاستنزاف الاقتصادي.

تغييب للنقاشات يجعل جلّ المغاربة اليوم، غير قادرين على الإمساك بالخيوط الأولى لهذا الملف، والتي بدأت كمطلبلتصفية الاستعمار في الصحراء “الإسبانية“، قاده كل من المغرب وموريتانيا بشكل مشترك أمام منظمة الأممالمتحدة، ما أفضى بشكل طبيعي إلى اقتسام للسيادة على هذه الأرض، قبل أن يؤدي التدخل الجزائري في هذاالملف إلى إرغام موريتانيا على الانسحاب والتنازل عن “تيرس الغربية” لفائدة البوليساريو، وهو ما لم يكن المغربمستعدا لقبوله مهما كلّفه الأمر من ثمن.

الجزائر ضد المغرب وموريتانيا

حلول الذكرى 40 لاسترجاع المغرب إقليم وادي الذهب عبر بيعةٍ رسميةٍ قدمها شيوخ وأعيان الإقليم للملك الراحلالحسن الثاني، صادف هذه السنة نشر المزيد من الوثائق الاستخباراتية الأمريكية التي كانت مشمولة بالسرية،وجلها تقارير وبرقيات دبلوماسية. لكنّنا في هذه المحاولة لإعادة تركيب القصة المتعلقة بالثلث الجنوبي من الصحراء،سنعطي الكلمة، أساسا، للملك الراحل الحسن الثاني، من خلال أرشيف خطاباته وندواته واستجواباته الصحافية،لنحكي قصة “تنازل” تكتيكي ومرحلي قام به المغرب لفائدة موريتانيا، قبل أن يستعيد أرضه بالبيعة الشرعية والقوةالعسكرية.

استرجاع للأحداث لا يهدف إلى القيام بزيارة عابرة في دروب التاريخ، بقدر ما يتيح فهم الكثير من الأحداث الجارية،خاصة بعد تحوّل معبر الـ“كركرات” الفاصل بين المغرب وموريتانيا إلى نقطة توتر شبه دائمة في السنوات الأخيرة،بين المغرب وجبهة البوليساريو. كلمة السر في كل ذلك، سواء في حديث الملك الراحل الحسن الثاني أو في ما يجريحاليا، هو ارتباط المغرب بعمقه الإفريقي، والذي يعتبر حجر الزاوية في نزاع الصحراء.

في وثيقة استخباراتية أمريكية مؤرخة في 19 أكتوبر 1978، نقرأ سبع صفحات تفيد بأن جوهر الخلاف الذي كانينذر حينها باندلاع حرب طاحنة بين المغرب والجزائر، يعود إلى قرار المغرب وموريتانيا اقتسام السيادة علىالصحراء، وهو ما اعتبرته الجزائر غير قانوني مشددة على ضرورة تنظيم استفتاء لتقرير المصير. ويضيف التقريرأن إسبانيا بصفتها المستعمر السابق، تعتبر بدورها أن تنازلها عن إدارة الإقليم لكل من المغرب وموريتانيا لا يعنيتقريرا للمصير، بينما يصرّ المغرب على أن السكان اسْتُشيروا وقبلوا من خلال “الجماعة“، أي الهيئة التي كانتإسبانيا تعتبرها مخاطبا محليا لها في الصحراء. وعن احتمالات الحل، تقول الوثيقة الأمريكية إن المغرب يرفض أيحديث عن استفتاء يتضمن سؤال الاستقلال، في مقابل استعداد المملكة القبول بحل يقوم على أساس فيدرالي بينموريتانيا والجزء الخاضع لموريتانيا من الصحراء باعتباره حلا نهائيا للنزاع.

الحسن الثاني: طبعا، سنقتسم الصحراء

في جذور هذه الفكرة القائمة على اقتسام الصحراء بين المغرب وموريتانيا، نعود إلى الأيام الأولى التي أعقبت تنظيمالمسيرة الخضراء. في ندوة صحافية عقدها بالقصر الملكي بالرباط يوم 25 نونبر 1975، روى الملك الحسن الثانيمضمون الحوار الذي دار بينه وبين الأمين العام للأمم المتحدة مستهل العام 1975.

“عندما التقيت السيد فالدهايم (الأمين العام للأمم المتحدة) في أوائل السنة قال لي بعد مأدبة عشاء: لقد بدأت تروجبعض الإشاعات في كواليس الأمم المتحدة عن اقتسام الصحراء بينكم وبين موريتانيا. وقلت: هل تشكون في ذلك ياحضرة الأمين العام؟ فقال لي: كيف؟ فقلت: عندما قبلت الأمم المتحدة طرح السؤال على محكمة العدل الدولية التيهي مستشاركم القانوني على الشكل التالي: ما هي العلاقات التي كانت تربط المغرب بالصحراء؟ وما هي العلاقاتالتي كانت تربط موريتانيا بالصحراء؟ قصدتم من ذلك نصا وضمنيا أنه يمكن أن يكون هناك جواب واحد بأنه توجدروابط مع كلا الجانبين، وبالنتيجة نصل في الختام إلى اقتسام“.

الملك الراحل حرص على التوضيح أن الأمر ليس اقتساما من طرف المحتل، أو بين المغاربة والموريتانيين التوسعيين“الذين يريدون اقتسام جثة ذلك الطفل البئيس الذي ولد، إنه فقط عودة إلى الينابيع، والاقتسام كان مدرجا في الطلبالذي قدمناه إلى محكمة العدل الدولية… وفي ما يتعلق بخط الحدود، أريد أن أقول لكم إن ذلك لم يتم تحديده بصفةكاملة، ولم يحدد بعد، لكن يمكن لي القول على كل حال بأنه لن تكون هناك ولو نقطة واحدة من الخلاف بين موريتانياوالمغرب، ولقد سويّنا جميع مشاكلنا، وسواء أحب ذلك من أحب وكره من كره من الآخرين، فلن تكون هناك أي فجوة منشأنها أن تستعمل كنقطة ارتكاز لأداة انفجار بين المغرب وموريتانيا…”.

الملك وأمام الصحافيين المجتمعين أمامه، أضاف أنه شخصيا لم يكن مع فكرة ضم موريتانيا إلى المغرب، “وقد قلتذلك في أول استجواب لي لما شرفني والدي بأن أكون نائبا لرئيس مجلس الحكومة التي كان يرأسها، ولقد طالبت فياستجوابي بإجراء استفتاء في موريتانيا، وأن يطلب من الموريتانيين هل يرغبون في أن يصبحوا مغاربة أو يريدونالبقاء مستقلين، وفيما إذا رفضوا أن يصبحوا مغاربة فالمغرب يكون أول المعترفين وتأييدهم لدخول الأمم المتحدة وأنيفتح أكبر سفارة له في موريتانيا لأنني لا أرى ذلك نوعا من الخيال، فليس من المعقول أن أطالب بتمبوكتو لأن المغربكان يملكها في عهد السعديين، ولا أن أطالب بإشبيلية لأن صومعة لاخيرلدا توجد هناك، وهي جزء من بناء لموحدين“.

التقسيم تكتيك قانوني

في خطاب العرش الموالي، أي يوم 3 مارس 1976، عاد الملك ليفسّر عبر الإذاعة والتلفزيون هذه المرة، الأساس الذيبنيت عليه فكرة اقتسام الصحراء مع موريتانيا: “لقد فاوضنا الدولة الإسبانية زمنا ما وسعتنا المفاوضة، وحاورناهاما تيسرت لنا سبيل المحاورة، فلما تعذر الوصول إلى الغاية المنشودة اجتمعت كلمتنا وكلمة شقيقتنا موريتانيا علىالاحتكام إلى أسمى محكمة دولية، وجاء الحكم بعد الإحالة من لدن منظمة الأمم المتحدة مؤيدا لوجهة نظرنا ووجهةنظر شريكتنا في المطالبة، شقيقتنا الدولة الموريتانية“.

في وثيقة استخباراتية أمريكية مؤرخة في منتصف أبريل 1976، نقرأ إخبارا للمسؤولين الأمريكيين بتوصل كل منالمغرب وموريتانيا إلى اتفاق يقضي بتقاسمهم السيادة على الصحراء، حيث يتولى المغرب مسؤولية الثلثينالشماليين، بينما تحوز موريتانيا الثلث الجنوبي. الوثيقة تسجل بشكل فوري معارضة الجزائر للاتفاق واعتبارها إياهغير قانوني.

في الأرشيف الرسمي للمغرب، نجد نص اتفاقية مؤرخة في 16 أبريل 1976 تتعلق بتخطيط الحدود البرية بينالمغرب وموريتانيا. الظهير الملكي الذي يصادق على الاتفاق صدر في الجريدة الرسمية عدد 3311 مكرر. فيمايتحدث نص الاتفاقية على أن الحدود البرية بين البلدية يرسمها الخط المستقيم “الذي يبدأ من نقطة التقاء الشاطئالأطلسي مع خط العرض الشمالي 24، والذي يتجه إلى نقطة التقاء بين خط العرض الشمالي 23 وخط الطولالغربي 13، وإن التقاء هذا الخط المستقيم مع الحدود الحالية للجمهورية الإسلامية الموريتانية يشكل خط الحدودالجنوبية الشرقية للمملكة المغربية“.

إلى جانب هذه الاتفاقية، أبرم اتفاق تعاون اقتصادي ملحق بها، ينص على اشتراك البلدين في رأسمال شركة فوسبوكراع، التي تستغل الفوسفاط في الصحراء، “على أن تحدد ترتيبات هذا الاشتراك باتفاق بين البلدين“. ويضيفالاتفاق الاقتصادي أن البلدين اتفقا على تنسيق وسائلهما وطاقاتهما من أجل استكشاف الثروات الباطنية فيالأقاليم الصحراوية المسترجعة قصد العمل على استغلالها بكيفية مشتركة، كما نص على بذل البلدين جهودهما منأجل تنمية تعاونهما في ميدان الصيد البحري وتمكين كل منهما من التسهيلات اللازمة في مياه الأراضيالصحراوية المسترجعة…

الصحراء مغربية – موريتانية

وثيقة استخباراتية أمريكية مؤرخة في يوم 4 مارس 1976، من ضمن الوثائق التي رفعت عنها السرية مؤخرا،تسجّل خلوّ خطاب العرش الذي ألقاه الملك الحسن الثاني من أي إشارة تضيء أكثر موضوع كيفية اقتسام الصحراءبين المغرب وموريتانيا، ما يعكِس الاهتمام الأمريكي والدولي الكبير بهذه النقطة.

يوم 21 نونبر 1976، أدلى الحسن الثاني بحديث إلى ممثلي نادي الصحافة بباريس على هامش زيارة رسمية، قالفيه إن العربية السعودية لا تقوم بدور الوساطة، لكن الأمير فهد يقوم بتعليمات من الملك خالد بمساع لتقصيالحقائق، “ونحن نحبذ هذا المسعى، على أساس أن الطابع المغربي الموريتاني للصحراء لا رجعة فيه، ونحن نحبذجميع المبادرات التي تسعى إلى المحافظة على مستقبل المنطقة، وعلى المسؤولين الموجودين فيها حتى لا يكون هناكغالب ولا مغلوب قد يعود بناء التعاون بين بلدان المغرب في المستقبل. الملك شدّد على أن تقرير المصير قد تم بالنسبةإليه، “انطلاقا من الوقت الذي جاءت فيه الجماعة لتقدم مراسم البيعة، وهذه الجماعة نفسها هي التي كانت أساساقد وضعت بين يديها سيادة وتمثيل الصحراء لأنها هي التي كانت ستحول إليها السيادة والسلطات“.

في اليوم الأخير من زيارته الرسمية إلى فرنسا، أي يوم 25 نونبر 1976، عقد الحسن الثاني ندوة صحافية بقصر“تريانون” بفرساي، أكد فيها أن مشاكل الأمن تواجه موريتانيا لأن حدودها مع الجزائر واسعة أكثر من حدودها معالمغرب، كما أن الوسائل التي تتوفر عليها موريتانيا قليلة وأقل فعالية وأقل عملية تقريبا مما يتوفر عليه المغرب. “… منالأكيد أن المغرب وموريتانيا عندما طالبا بالصحراء كانا من جهة على استعداد للدفاع عنها إلى النفس الأخير، ومنجهة كانت لهما حدود مشتركة، وهذا عنصر جاء ليمحو الافتراءات التي تدعي أننا لا نتوفر على حدود مشتركة، وهناسنكون مضطرين إلى إقامة حدود مشتركة سواء كانت مقسمة أو من جهة التضامن، إلا أنه وفي جميع الأحوال قررناإقامة الحدود بطريقة أو بأخرى“.

تنكّر الجزائر

كانت التسوية المغربية الموريتانية تبدو أرضية متينة لحل نهائي ممكن لنزاع الصحراء، يحفظ التوازن الإقليمي ويفتحأمام الصحراويين خيارات أكبر بين المغرب وموريتانيا. لكن الجزائر اعتبرت ذلك مسا بمصالحها الحيوية، باعتبارهاتصبح خارج نظام إقليمي قوي ومرتبط بالعمق الإفريقي. توالت المناورات والهجمات في الشهور اللاحقة، وتوالتمعها رسائل الاحتجاج الملكية الموجهة للرئيس الجزائري وللقادة العرب الذين حاولوا لعب دور الوساطة، خاصة بعدالانقلاب العسكري الذي هزّ موريتانيا في يوليوز 1979، والذي غيّر اتجاه البوصلة الموريتانية من المغرب نحوالجزائر.

“خلال المؤتمر الأخير (القمة العربية) الذي عقد بالرباط سنة 1974، وأمام جميع رؤساء الدول الحاضرين أخذالكلمة رئيس الجمهورية الجزائرية في آخر المطاف، وبعدما شرح الملابسات التي استطاعت تقسيم المغربوموريتانيا، وذلك منذ 1958-1959، وبعدما شرح، كذلك، كيف توصل هؤلاء وأولئك إلى اتفاق، قال رئيس الجمهوريةبأن الصحراء لا تهمه بتاتا وأن الأمر لا يعنيه“، يقول الملك الراحل في ندوة صحافية يوم 11 نونبر 1977، مشدداعلى أن بومدين كان قد التزم بمساعدة المغرب وموريتانيا.

في الشهر نفسه، خص الحسن الثاني صحيفة “فرانس سوار” باستجواب قال فيه إن من الخطأ الاعتقاد بأن 70 ألف صحراوي يستطيعون تكوين بلد مستقل، “وبالضبط في الجزء الصحراوي الذي يعود إلينا، حيث يوجد 30 ألفامن السكان في المدن، وهم سكان يتوجه أبناؤهم إلى المدارس، ولم يقولوا لنا أبدا نحن لا نريد أن نكون مغاربة…”. وحين سأله الصحافي كيف أمكنه معرفة وجود 70 ألف صحراوي، قال الملك إن الاستفتاء الذي أجراه الإسبان قبلانسحابهم من الصحراء قال إن عدد السكان هو بالضبط 73 ألفا، “ويمكن اعتبار 50 ألفا تقريبا اندمجوا سواء فيالمغرب أو في موريتانيا“.

وفي ندوة صحافية أخرى، عقدها بمدينة مراكش في يناير 1978 بمناسة زيارة وفد اقتصادي إسباني للمغرب،دافع الحسن الثاني بقوة عن اتفاقية مدريد وقال ردا على سؤال استفزه حول ما إذا كانت هذه الاتفاقية تنطوي علىنقط ضعف وقال: “أستغرب من السؤال حين يكون بهذه الكيفية، ما هي قيمة اتفاقية مدريد؟ وأنا لا يمكنني أنأتساءل عن قيمة اتفاقية الجزيرة الخضراء؟ أعتقد شخصيا أن الاتفاقيات ليست لها قيمة في حد ذاتها، ولكن قيمةالموقعين عليها هي التي تضفي عليها حلة الحرمة وتعطيها طابعا من الجدية والاستمرار في تطبيقها“.

وحين سأله صحافي حول كيفية تطبيق مبدأ تقرير المصير الذي نصت عليه الاتفاقية، رد الحسن الثاني: “أعتقد أناتفاقية مدريد لا تحتوي على مثل هذا البند، بل قالت بأن الشعب الصحراوي قد اختار بواسطة جماعته، تلك الجماعةالتي كانت إسبانيا ستسلم لها مقاليد الأمور، ففضلت تلك الجماعة الالتحاق بحظيرة وطنها دون أن تستقل بشؤونهاكما كانت حكومة إسبانيا تريد ذلك“.

6 آلاف جندي مغربي وسط الانقلاب

في يوليوز من العام 1978، نفذ مجموعة من الضباط انقلابا على الرئيس الموريتاني المختار ولد داداه، في الوقتالذي كان هذا الأخير يشكل حليفا استراتيجيا للمغرب، ويستفيد في المقابل من دعم أكثر من 6 آلاف جندي مغربييؤمنون النقط والمواقع الاستراتيجية في موريتانيا، في مواجهة هجمات البوليساريو.

بعد أيام قليلة من حدوث الانقلاب، خص الملك الحسن الثاني مجلة “باري ماتش” الفرنسية بحوار قال فيه إن وضعيةالقوات المغربية في موريتانيا جيدة، “فبعد الانقلاب تم إشعار ضباطنا الذين يتحملون مسؤوليات هناك، لأنه كماتعلمون، فإن القوات المسلحة الملكية متمركزة في كل النقط من الزويرات إلى نواذيبو، كما أن علاقات الضباطالموريتانيين مع ضباطنا السامين وجنودنا لم تتغير، ولولا البيان الذي أذاعه الراديو لما علمت ثكناتنا الموجودة في عينالمكان بالتغيير الذي حصل“.

وعن موقفه في حالة ما إذا كانت الجزائر وراء الانقلاب، قال الملك: “كان موقف المغرب سيكون موقفا بديهيا، وذلك لعدةأسباب، يرجع السبب الأول إلى طبيعة العلاقات الثنائية بين البلدين، وخاصة ما يربط المغرب بموريتانيا من معاهداتللدفاع المشترك، وفي هذا الصدد كان المغرب سيتحمل مسؤولياته حتى نهاية المطاف، أما السبب الثاني، فيكمن فيتصريحاتي وتعهدي بأن المغاربة أمواتا وأحياء سيضحون بأنفسهم إلى آخر رمق كي لا يكون بينهم وبين إفريقيانظام غير متعاون ولا يسير في نفس الاتجاه الذي يسلكه المغرب“.

اتفاق الجزائر

ما خشيه المغرب حصل بالفعل، وتبديدا لأي شك حول الجهة التي تقف وراءه، فإن الاتفاق بين موريتانيا والبوليساريووقع في العاصمة الجزائرية. وفدان يمثلان الطرفين، اجتمعا رسميا بين 3 و5 غشت 1979، ووقّعا على وثيقة تلتزمبموجبها موريتانيا بالانسحاب من الصحراء وتسليم الجزء الخاضع لسيطرتها لجبهة البوليساريو، وذلك بعد سبعةأشهر من توقيع الاتفاق، أي أن وادي الذهب كان سيصبح تراب دولة البوليساريو ويمنحها فرصة الوجود المادي لأولمرة.

بعد نحو أسبوعين من توقيع الاتفاق، قال الملك في خطابه بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب، إنه سمع من جانبمسؤولين موريتانيين أن بلادهم مازالت متشبثة بعهودها ومعاهداتها بالنسبة إلى المغرب. “أقول لك شعبي العزيز إنالمسؤولين الموريتانيين لا ينوون تقديم رجل أو تأخير أخرى إلا باستشارة وتنسيق تام مع المغرب. إذن، من هذهالناحية، شعبي العزيز عليك أن تطمئن، ولكن علينا ألا نقف أمام هذا، علينا أن نسير شيئا ما بتفكيرنا ومنطقنا، ما هوواقع في المغرب ليس هو ما يقع في موريتانيا، فهي لها مشاكلها بالنسبة إلى الصحراء التي استرجعتها، وبالنسبةللمعارضين الذين دخلوا في صفوف البوليساريو، نحن بالنسبة للمغرب ليست لنا هذه المشكلة، فعلينا إذن، إذااختارت موريتانيا طريقا من الطرق أن نكون بجانبها، شريطة ألا يكون حل مشاكلها يمس بنقطة من النقطتينالتاليتين:

ألا يمس بشبر واحد من الأرض المغربية، وألا يجعل حدودا أجنبية بين المغرب وموريتانيا.

إنني أقول لإخواني في موريتانيا: إياكم ثم إياكم أن تنطلي عليكم الحيلة، فالذين يتوددون الآن لكم، هم الذين خلقواومولوا ودربوا وسلحوا من كانوا بالأمس يقتلون أولادكم وأبناءكم ولا يحترمون أعراضكم“.

تململ موريتانيا وهجوم الجزائر

في شهر شتنبر الموالي، خص الملك مجلة “الوطن العربي” بحديث قال إن الأحداث التي وقعت في موريتانيا، والتينتج عنها انقلاب يوليوز، هي أحداث لها أسباب داخلية محضة، “ذلك أن موريتانيا بعدما استقلت لم تأخذ لنفسهامهلة للتدبر والتحليل، بل هي كعدد من الدول اعتقدت أن من الصالح لها أن تختار في ذلك الحين طريقة وإيديولوجيةوميثودولوجية وأساليب للحكم لخلق نظام سياسي–اجتماعي“.

وأضاف الملك أن موريتانيا اختارت بعدما استقلت التيار العقائدي اليساري، “وربما لو كانت الأوضاع والعلاقاتالسياسية بين موريتانيا والمغرب علاقات عادية لما ارتمت موريتانيا في أحضان ما سمّته الاشتراكية إذ ذاك، ولوجدتفي جوار المغرب من الأمثلة ومن النصح ومن الإعانة ما يجعلها تسير في طريق وسط بدون مجازفة…”.

وارتباطا بملف الصحراء، قال الملك إن المغرب كان دائما يطالب بصحرائه منذ الاستقلال، “والحجج والدلائل تدلبدون جدال على أن الصحراء كانت دائما مغربية، ولكن الجزائر لم ترد للمغرب أن تكون له حدود مشتركة مع إفريقيا. لا أقول مع موريتانيا، ولكن مع إفريقيا. الجزائر التي اعتادت أن ترى المغرب مطوقا، إما بينها وبين البحر، وإما بينالصحراء وبين البحر، لم تكن لترضى أن ترى المغرب يشرئب شمالا إلى أوروبا بواسطة إسبانيا ويتصالح معإسبانيا… ولم ترد أن ترى المغرب يضرب جذوره في جنوبه في إفريقيا الأصلية، لذا حاولت أن تضرب بحجر واحدعصفورين“.

الملك ذكّر بالاتفاق الذي جمعه بالرئيس المختار ولد داده، وكيف أصبحا يعتبران “أن مشكلة الصحراء لن تفرقنا، بلستكون جامعة للشمل، والخطأ الكبير الذي ارتكبه المخططون الجزائريون هو أنهم جعلوا من أركان سياستهم الظنبأن الاتفاق بين المغرب وموريتانيا مستحيل. لكن المستحيل تحقق وبعد المسيرة الخضراء واسترجاع الصحراء، وقعما وقع من الأحداث ووجدت موريتانيا نفسها أمام وضع لم تخطط له“.

هذا الحديث الدبلوماسي كانت الجزائر ترد عليه بمزيد من السلاح والضربات الموجهة د القوات المغربية فيالصحراء، فيما حرص الملك بشكل دائم على تجنب الانتقال إلى حرب مباشرة بين المغرب وبين الجزائر. ففي 2 أكتوبر 1978، وجه الملك الحسن الثاني رسالة إلى الرئيس الجزائري هواري بومدين تقول: “أتصل بكم اليوم لأحتجبشدة لدى فخامتكم في موضوع الاعتداء الذي وقع على بلادي ما بين 30 شتنبر وفاتح أكتوبر 1978… وإنني لنأخفي عليكم شعور الاستغراب والاندهاش الذي يخامرني، ذلك أن العمل الذي قامت به القوات المسلحة الجزائرية لايستجيب للتعقل ولا للمنطق… قد ذهب عدد من الموتى والجرحى ضحية الجهل المقصود بعقد ثابت الصحة دوليا،فماذا تريدون بالضبط سيدي الرئيس؟ وماذا تريد الجزائر إذن؟“

سؤال ردّ عليه بومدين حينها بمزيد من الهروب إلى الأمام، فيما يورد تقرير مفصل للمخابرات الأمريكية يحمل تاريخ23 مارس 1979، أن الحرب تدور في مصلحة جبهة البوليساريو، وأن التطورات المسجلة حينها تفيد بأن المغرب لنيحتفظ طويلا بسيطرته على الصحراء، مع استمرار تدفق الأسلحة الجزائرية في يد الميليشيا الانفصالية. و“المتاعبالمغربية تضاعفت مع إعلان موريتانيا انسحابها من النزاع، فاسحة بذلك للميلشيا بتركيز هجومها على القواتالمغربية داخل المنطقة التي تديرها المملكة من المنطقة المتنازع عليها“.

التقرير يضيف أن ما بين 3 آلاف و5 آلاف مقاتل في صفوف البوليساريو، لا يستطيعون دحر القوات المغربية خارجالصحراء، لكنهم قادرون على جعل ثمن هذا البقاء باهظا بالنسبة إلى المغرب. ورجّح التقرير الأمريكي أن تتصاعدالمعارضة داخل المغرب ضد الحرب في الصحراء، مما سيضعف موقف الحسن الثاني التفاوضي، مضيفا أن اتفاقالمغرب وموريتانيا على اقتسام الصحراء لم يحصل على اعترافات دولية كثيرة.

فتاوى الحسن الثاني

بين تاريخ الانقلاب في موريتانيا ومسارعة الجيش المغربي إلى فقرض سيطرته على “تيرس الغربية” وبين لحظة قدومشيوخ وأعيان الإقليم لتقديم بيعتهم في غشت 1979، واصل الحسن الثاني مرافعاته الدينية والتاريخيةوالدبلوماسية لتأصيل ما يقدم عليه من خطوات. ففي مساء يوم 2 غشت 1979، وفي افتتاح درس حسنيرمضاني، ألقى الملك الحسن الثاني خطابا مطولا حول التطورات الحاصلة في إقليم وادي الذهب والعلاقات معموريتانيا قال فيه:

“إننا صرحنا مرارا ومازلنا نصرح، بأن موريتانيا دولة ذات سيادة، فلها أن تشرع كما تريد من الناحية الداخلية فيحدود بلدها الدولية المعترف بها اليوم والمتعامل بها اليوم، لكن هناك نظرية تجعل الاتفاقيات الثنائية أو متعددةالأطراف ذات الصبغة الدولية تلزم الموقع عليها أكثر مما يلزمه القانون الداخلي، وبعبارة أوضح، لا يمكن لموريتانيا أنتتخذ، كما لا يمكن للمغرب أن يتخذ، تشريعا داخليا يجعل أو يتجاهل ما بين الدولتين من اتفاقات دولية… فإذا قامتموريتانيا بعمل مثل هذا، فسوف يكون على المغرب إذاك أن يتحمل مسؤوليته، ولا أقول مسؤولياته، أي المسؤوليةالوحيدة الضرورية الواجبة، وهي مسؤولية الدفاع عن البقاء… وحين يقول بعض المسؤولين الموريتانيين إنهم سوفيسلمون ما لديهم من الإدارة فإنهم نسوا أو تناسوا أنهم نظموا انتخابات محلية ووطنية في بلدهم، نسوا أو تناسواأنهم أبرموا اتفاقيات مع دول مختلفة للصيد البحري على شواطئهم من الداخلة إلى نهاية جنوب موريتانيا“.

في تقرير مطول حول تداعيات الانسحاب الموريتاني من نزاع الصحراء، تقول المخابرات المركزية الأمريكية إنالجيش المغربي سيطر على الإقليم الذي كان تحت السيطرة الموريتانية في غشت 1979 وذلك بشكل أحادي، خطوةجاءت، حسب الوثيقة نفسها، مباشرة بعد إقدام السلطات الموريتانية الجديدة على التنازل عن هذا الإقليم لصالحالبوليساريو. وبعد تذكيرها بالتصويت المضاد للمغرب في قمة منظمة الوحدة الإفريقية التي انعقدت في يوليوز منالسنة نفسها، تقول الوثيقة إن الصراع بات أكثر من أي وقت مضى، مواجهة مباشرة بين المغرب والجزائر.

تحرّك مغربي من أجل البقاء

وبعد استقباله وفود الأعيان الصحراويين المنحدرين من وادي الذهب وتلقيه بيعتهم، عقد الملك يوم 19 غشت 1979،ندوة صحافية بقصر فاس حضره نحو 200 صحافي من المغرب ومن الخارج قال فيها إن من المهم معرفة أن محكمةالعدل الدولية قالت بان هذه الأرض لم تكن أرضا خلاء، “ولهذا فإن ما يمكن تسميته باتفاق الجزائر لم يكن في الواقعسوى بطاقة تافهة وقعت في لحظة عابرة. فلقد جعل من وادي الذهب أرضا خلاء من الناحية القانونية، لأنه أراد تسليمأرض إلى جهة لا وجود لها وعي البوليساريو، ولهذا توجهنا إلى الداخلة عندما استقبل المغرب سكان الداخلة، فإنه فيالواقع دافع عن المشروعية، وعن قرار محكمة العدل الدولية“.

وردا على سؤال يقول إن المغرب أعطى موريتانيا، حسب اتفاقية مدريد، جزءا من الصحراء، قال الحسن الثاني إنهذا الأمر لا تتضمنه اتفاقية مدريد، “في الحقيقة لو لم يتفق المغرب مع موريتانيا، لوضع السؤال أو السؤالين علىمحكمة العدل، لكانت المعارضة الإفريقية وبعض الدول الأوروبية والعالمية ستمنع إلقاء السؤالين أمام المحكمة… إذن،الاتفاقية بين المغرب وموريتانيا حول الصحراء مرحلة ضرورية، وقد ظهر الآن أنها مسألة حادثة وليست قارة“.

إطار—————–

الموساوي العجلاوي*: هكذا تحوّلت الصحراء إلى ورقة داخلية في موريتانيا

جاء قرار موريتانيا بالانسحاب من إقليم وادي الذهب لصالح جبهة البوليساريو عقب الانقلاب الذي عرفته موريتانيافي يوليوز 1978. ولمعرفة مدى الارتباط بين الحدثين، يمكن العودة إلى كتاب مذكرات محمد خونة ولد هيدالة، الذيصدر عام 2012.

فقد ورد في هذا الكتاب ما يُبيّن انحياز ولد هيدالة للطرح الجزائري، فالانقلاب نفسه من تداعيات مشاركة موريتانيافي نزاع الصحراء، ولذلك كانت قراءة الانقلابيين للأوضاع الإقليمية خاطئة، بل هناك من يتهم ولد هيدالة بالتعاون معالمجموعات المسلحة للبوليساريو إبان هجماتها على موريتانيا، وحتى بعد انقلاب 1978.

يبدو من خلال التحليل القيمي لعدد من المصطلحات الواردة في الكتاب أن ولد هيدالة ارتمى بشكل تلقائي فيأحضان الدولة الجزائرية آنذاك، وهو يقول في الكتاب بسلامة الموقف الموريتاني من نزاع الصحراء في عهد ولدداداه. إن تحول ملف الصحراء إلى ورقة داخلية وتحول موازين القوى داخل السلطة في عهد ولد هيدالة إلى الانتصارللجزائر والبوليساريو، عجّل في الوقت عينه ببروز تناقضات جديدة داخل النظام الموريتاني، وهو ما يحكي بعضا منتفاصيله حين يتحدث ولد هيدالة عن العلاقات مع البوليساريو إذ يقول: “ورغم هذا الموقف الذي حاننا فيهالبوليساريو، وخاصة البشير السيد، فلم تمس علاقتنا بالصحراويين لأننا نعرف أن مصيرنا ومصيرهم واحد، وكانهدفنا الكبير هو قيام دولة صحراوية لأننا كنا نريد أن تقوم دولة تحول بيننا وبين المغرب التي كانت في سالف الأزمانتطالب بنا“.

وقد خصص ولد هيدالة الفصل الثالث من الباب الرابع من كتابه للعلاقات مع المغرب والجزائر والبوليساريو والسنغال،والظاهر أن للرجل علاقات عداء مع بشير مصطفى السيد، الذي كان يقود وفد البوليساريو في مفاوضات الطرفين،كما اتهم ولد هيدالة البوليساريو بتصفية العناصر الموريتانية داخلها. لكنه يعود ليعترف بانتصاره للجزائروالبوليساريو حن يقول: “بالنسبة إلى قضية الصحراء، فقد شهد موقف بلادنا وموقعها في هذه القضية خلال فترةحكمي تغييرا لا بأس به“. وعن الجزائر يقول ولد هيدالة: “كنا ننسق معهم بشكل مستمر في الاجتماعات الإفريقيةلدعم القضية الفلسطينية، كما أن الدور لجزائري في التوسط بيننا وبين البوليساريو مشهور منذ لقاء “منروفيا“، إلىاتفاقية الجزائر رغم الملاحظات عليها، ومن جهة أخرى كانوا يمدوننا بالمعلومات الاستخباراتية عن المغاربة“.

عموما، الأمر يعود إلى لحظة تنفيذ الانقلاب، ففي الفصل الأول من الباب الثالث من كتاب مذكراته، يبرر ولد هيدالةمساهمته في الانقلاب على ولد داداه بأن مشاركة موريتانيا في نزاع الصحراء جرت عليها مشاكل كثيرة، ويقول بهذاالخصوص: “عاش البلد في الفترة الأخيرة من حرب الصحراء تدهورا لا مثيل له في أوضاعه العامة على كافةالصعد، فعلى الجبهة الحربية ورغم استبسال قواتنا أصبحت البوليساريو تشكل تهديدا حقيقيا لوجودنا، فهيتضرب حيث شاءت داخل مدننا أو في مواقعنا الاستراتيجية، وعلى رأسها السكة الحديدية، وعلى المستوىالاقتصادي استنزفت الحرب كل مواردنا الذاتية والمساعدات الخارجية. أما الجبهة الداخلية، فقد بدأت تتفكك نظراإلى طول الحرب وكلفتها الباهظة… إذن، ففكرة الانقلاب على نظام المختار ولد داداه كانت الوسيلة الوحيدة لإيقافهذه الحرب“.

وعكس ما قاله ولد هيدالة من كون اعترافه بالبوليساريو يعود إلى بناء المغرب للجدار الرملي، الذي فرض على قواتالبوليساريو مهاجمة المغرب انطلاقا من الأراضي الموريتانية، فإن ولد هيدالة لا يعترف فقط، بمحاولة منح إقليم واديالذهب للبوليساريو، بل إنه يقر كيف أصبح المدافع عنها في المحافل الدولية، وحتى مع دول كان لها موقف مبدئي منالوحدة الترابية للمغرب مثل العراق.

iNewsArabia.com > أخبار مختلطة > اليوم 24
وادي الذهب.. قصة عبوره بموريتانيا ثم عودته إلى المغرب,