الديمقراطية.. ليست حكم العدد

كثيرا ما يُساء فهم معنى الديمقراطية، أو تُستثمر سلبيا لترسيخ ممارسات بعيدة عن روحها وأبعادها. ولأن الديمقراطية ليست عملية حسابية، ولن تكون، كذلك، مهما أُريد لها أن تكون أرقاما حسابية جامدة، فإن الحكمة تقول إن الديمقراطية قيمة ومنهج، أي منظومة من الأفكار والاختيارات الناظمة للسلوك والممارسة، وهي، أيضا، مجموعة من الآليات والوسائل المُمَكنة من بث هذه القيم والأفكار كي تستقيم الممارسة وتكون ديمقراطية فعلا.
الغرض من هذه الإشارة التأكيد على أن الديمقراطية وإن كانت تنبني في جوهرها على إرادة الأغلبية، فإنها لن تكون ناجزة أهدافها ومقاصدها بناء على منطق العدد وحده، بل لابد أن تكون مؤطرة بثقافة البحث عن الأشكال التي من شأنها تجنيب منطق العدد من أن يُصبح سيفا مسلطا على ما سواه من الآليات الكفيلة بتحويل منطق العدد أو الأغلبية العددية، إلى وسيلة معضدة لقيم الديمقراطية لا ضدها. فلو نظرنا إلى كيف يتعامل الفاعلون الحزبيون المغاربة مع نتائج الانتخابات عموما، ونتائج اقتراع 07 أكتوبر 2016 تحديدا، لخلُصنا، دون تردد، إلى أن منطق العدد هو المتحكم في تصريحاتهم، وممارستهم، وأن اللجوء إلى بدائل لا تُلغي منطق العدد، أي النتائج المحصل عليها، بل تعززه وتعطيه روحا إيجابية، ضعيف، حتى لا نقول منعدما.
فما يمكن ملاحظته على ممارسة الفاعلين الحزبيين، من خلال تصريحاتهم في وسائل الإعلام، أو عبر ما يتسرب عن فحوى مشاوراتهم، وفي قضية تشكيل الحكومة تحديدا، أن الأمر يتعلق بـ”غنيمة”، يُراد لها أن توزع على أساس عدد المقاعد المحصل عليها، وليس على أي معيار أو مقياس آخر.. واللافت للانتباه أكثر، أن منطق العدد، ألغى تماما التحاور والتوافق حول الرؤية والبرنامج وسُبل التنفيذ التي يجب أن تُكونَ اللحمةَ التي على أساسها تشكل الحكومة الائتلافية المرتقبة. لذلك، صار عصيا على رئيس الحكومة المكلف، بناء توافقات حول من سيكون شريكا لحزبه في حكومة ما بعد اقتراع السابع من أكتوبر 2016. ولعل هذا ما يُفسر، أيضا، لماذا يأتي حجم الحكومات المتعاقبة منذ تجربة “عبدالرحمن اليوسفي” (1998 ـــ 2002)، كبيرا، حيث تجاوز عدد أعضاء الحكومة أحيانا الأربعين عضوا، وهو رقم كبير من حيث كلفته المالية وفعالية أعضائه.. أليس في ذلك ترضية للخواطر، وانصياعا لمنطق العدد؟
من المطلوب أن تتحول الانتخابات في بلادنا إلى لحظة سياسية لمراكمة الثقافة الديمقراطية، التي تمنح منطق العدد أو الأغلبية العددية روحاً ومعنى إيجابيين، وإلا سنبقى ندور في حلقة مفرغة، وسيظل الاختيار الديمقراطي الذي تم تكريسه في الدستور الأخير ثابتا ضمن ثوابت البلاد، قوقعة بلا مضمون. لننظر مثلا، على سبيل المثال، إلى ممارسات بعض الديمقراطيات المترسخة وكيف تبني تحالفاتها، وتُدبر الاختلاف بينها، ولنمعن في الدروس المستفادة منها. صحيح أن قدم التجارب ومراكمة التقاليد يلعبان دورا مركزيا في تعميق الثقافة الديمقراطية، وبثها في روح الأحزاب، وصحيح، أيضا، أن تجربتنا، قياسا إلى نظيراتها المترسخة في بعض البلدان مازالت في حاجة إلى تعميق، لكن الأصح أن علينا أن نراكم الممارسات المُثلى لكي نؤسس الثقافة الديمقراطية المطلوبة. فمثلا، لماذا تبقى الأحزاب متقوقعة، وهي بصدد البحث عمن يمثلها في التحالفات الحكومية، على مناضليها، وغالبا بشكل مكرر ودون معايير الاستحقاق، ولا تنفتح على الكفاءات التي تقدر أن لها الإمكانيات المطلوبة لتتحمل المسؤولية باقتدار؟.. لماذا يتحول الحزب إلى ما يشبه “الزاوية”، لا مكان فيه إلا للمريدين والأنصار من المنتسبين؟.. أليس ذلك مُضرا وقاتلا للأحزاب نفسها وآفاق تطورها؟ لننظر مثلا إلى ممارسات بعض الديمقراطيات، وكيف لا تتقيد بمنطق العدد في بناء التحالفات والبحث عن المشترك. فعلى سبيل المقارنة كثيرا ما يعين “مجلس العموم” البريطاني متحدثه Speaker، أي رئيسه، من خارج أغلبيته العددية، بل غالبا ما يكون من المعارضة، وهي ممارسة حميدة في التجربة البريطانية.
الحكمة هنا ليست في استنساخ التجارب، ولكن في الاستفادة منها لتطوير الممارسة السياسية كي تنتقل من منطق العدد أو الأغلبية العددية، إلى منهجية جديدة تُغذي الديمقراطية بروح أعمق وأوسع، وتجعل منها ثقافة ومنهجا في الآن معا.

iNewsArabia.com > أخبار مختلطة > اليوم 24
الديمقراطية.. ليست حكم العدد,