أكذوبة المساواة بين سوط القانون ورحمة الإسلام

تنص القوانين الدولية والوطنية على الحق في المساواة وعدم التمييز، وتفرد لذلك أبوابًا وفصولًا، تتبعها بشرح مفصل، يخرجها من نطاق المسطور إلى المعمول، إلا أن جل الرعايا في العالم يعانون من التمييز وعدم المساواة وينشدونها في كل محفل من محافل الدول سواء من الليبرالية أو العلمانية أو الساسة الإسلاميين، فأين الخلل؟

نص ميثاق الأمم المتحدة -الذي يوصف بأعظم وثيقة عرفتها الإنسانية- بأن الحق قي المساواة بين البشر هو هرم الحقوق والذي لا يقبل التفاوض ويكتسبه الإنسان من مجرد كونه إنسانًا، مثل ذلك في التشريعات المحلية.

والحق أن الأمم المتحدة وهي في نطاق وضع سياستها ونصها على عدم التمييز، قد ميزت بين بني البشر، إذ جعلت بعض أعضائها لهم حق «الفيتو» ليتحكم نفر من الناس في مصير العالم، ولا أدل على ذلك ما يشهده الشارع العربي من صراع سياسي كان من الممكن أن ينتهي لولا استخدام حق الفيتو وتسبب في إبادات جماعية فأي مساواة تلك التي كفلتها الأمم المتحدة؟

ويزداد الأمر شناعة إذ يخرج من نطاق الدول إلى حيز الأشخاص والوظائف، فأفراد الهيئة الدبلوماسية – المكلفون بحماية حقوق الإنسان- فوق القانون والمساءلة غير خاضعين للقانون، بل لا يخضعون للقانون الوطني حال وجودهم في دولة من الدول، فكيف يحافظ على المساواة من اتخذ من التمييز حجابا بينه وبين الناس.

ويدلل الواقع على أحداث شتى، ففي وقت ليس ببعيد ضبط قاض محملا بالمخدرات، إلا وأن قانون الدولة قائم على تمييز تلك الفئات من التمييز، واكتشف الأمر «كلب» تربى وعلم ألا يميز بين القاضي وغيره، فضلا عن أن القاضي قد خرج من القضية لبطلان التفتيش وهو الأمر الذي يهز عرش العدالة في تلك الدول.

ألا يعد وضع أفراد المنظمات الدولية في مرتبة أعلى بحصانات وامتيازات بعينها، أمرًا يعارض المبدأ والحق المنشود، أليس من العدل أن تطبق الأمر على نفسك بداءة، أم أن مبدأ المساواة التي تتغنى به الدول ما هو إلا أكذوبة يستتر خلفها العنصريون لتمرير تطرفهم تحت ستار من المدنية والتحضر، ألا يخالف هذا مبادئ العلمانية والليبرالية وكل من ادعى العدالة؟

بالمقابل نجد النظام الإسلامي، وفرق جم بين الإسلام باعتباره نظامًا شاملًا وبين رجال الإسلام، فالأول منهج كامل متكامل لا يعتريه النقص، ويعجز العالم كله أن يكتشفوا فيه نقصًا إذ هو وحي من قبل الله جمع بين الأصالة والتحضر، بخلاف رجال الإسلام فهؤلاء بشر يعتريهم ما يعتري الإنسان فقد يصيبون ويخطئون، وقد تتحكم فيهم رغباتهم فينافقوا، ويخالفوا الإسلام مدعين أنهم حراس العقيدة، لذلك كان من سماحة الدين عدم وجود وصي على المسلمين، أو مرجعية لبشر إذ المرجعية للكتاب والسنة.

تجد الإسلام من بداية القرآن نص في أكثر من موضع على المساواة وأن أصل بني الإنسان واحد وأن الفضل يكمن في التقوى، والتقوى تعني الإنسانية، فجعل الله معيار التفضيل هو العمل حال الكسب، لا بمال أو جاه أو سلطان.

بل أكبر من ذلك كله حين حرم الله الجنة على كل رجل لم يؤمن بمبدأ المساواة فقال صلى الله عليه وسلم

«في صحيح مسلم من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

لا يَدْخُل الجَنَّةَ مَنْ في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، فقال رجلٌ: إن الرجلَ يُحبّ أن يكون ثوبُه حسنًا ونعلُه حسنةً، قال عليه الصلاة والسلام: إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ الكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ».

فجعل النبي صلى الله عليه وسلم الكبر والذي هو احتقار الفقير أو الآخر سببا كافيًا للحرمان من الجنة وإن كان مثقال ذرة.

بل يزداد الأمر وضوحًا عندما يدخل رجل على النبي صلى الله عليه وسلم فيهابه فماذا يقول له صلى الله عليه وسلم وهو رأس الدولة؟

عن قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ: أَنَّ رَجُلا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَامَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَأَخَذَهُ مِنَ الرِّعْدَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَوِّنْ عَلَيْكَ فَإِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ، إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ كَانَتْ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ».

فلم يجعل رسول الله لنفسه سلطنة أو حاشية أو حاجبا عن الناس، بل نهى صلى الله عليه وسلم صحابته من القيام إليه عن رؤيته، ولم يجعل من البروتوكولات ما لو أنفقت على ما فيه نفع لكانت أقرب للقبول.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل اقتص النبي صلى الله عليه وسلم من نقسه، عندما جاءه رجل وقال أعطني من مال الله فإنه ليس مالك ولا مال أبيك، فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم، ومثل ذلك من المواقف أكبر من أن تحصى.

لنفهم ونتعلم الفرق بين المسطور والمعمول، وميدان الكلام وميدان العمل، وأن من صلحت نيته وافق فعله طويته، فلا تنتظروا ممن جعلوا أنفسهم فوق الناس، أدنى مساعدة أو مساواة بين الناس، إذ السلوك دليل على ما هو في النفس مربوط.

The post أكذوبة المساواة بين سوط القانون ورحمة الإسلام appeared first on ساسة بوست.

iNewsArabia.com > أخبار مختلطة > ساسة بوست