أم تشرشل إحداهن.. قصة «أميرات الدولار» الأمريكيات المُباعات لنُبلاء أوروبا

يبدو أن امتلاك المال يصيب صاحبه بالنقمة أحيانًا، وفي حالة فتيات من الأكثر ثراء في أمريكا يودعن حياة الترف ليلتزمن بطباع مجتمع محافظ؛ فقد كان المال أشد نقمة على بعضهن. «أميرات الدولار» مصطلح أطلق على فتيات من أثرياء أمريكا، ألقاهن والدهن لدوقات ونبلاء أوروبا للحصول على لقب مجتمعي، أو بالأحرى باعهن رغمًا عن إرادتهن؛ في أواخر القرن 19، ومطلع القرن 20.

رحلة أثرياء أمريكا للبحث عن لقب

قلبت الثورة الصناعية الحياة في أوروبا وأمريكا رأسًا على عقب في القرن التاسع عشر، وفي الثلث الأخير من القرن نفسه كان نبلاء أوروبا يواجهون أزمة مالية، وعلى الرغم من امتلاكهم لأراض واسعة وقصور ضخمة، إلا أن العصر الصناعي الجديد كان قويًا عليهم، وبالأخص نبلاء إنجلترا بعد أن بدأت الولايات المتحدة الأمريكية في زراعة الحبوب؛ مما أدى إلى معاناة إنجلترا التي كانت رائدة على مستوى العالم في إنتاج الحبوب، ومع هبوط عدد سكان الريف بدأت ثروات الأرستقراطيين تتداعى في أوروبا عامة، وبريطانيا خاصة.

لوحة مرسومة لأحد مصانع لندن في نهاية القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر

نبلاء أوروبا والذين كانوا في يوم من الأيام الأكثر ثراءً في العالم تحولوا إلى مواطنين من الدرجة الثانية مقارنةً بنخبة أمريكا، الذين أصبحوا أكثر ثراءً بفضل الموارد الطبيعية الغنية في الولايات المتحدة، لكن واجه أثرياء أمريكا الجددّ الذين لم يكن لديهم مكانة اجتماعية قبل الثراء؛ صعوبة في الحصول على القبول بين سكان نيويورك ذوي النفوذ الذين تجنبوا ما اعتبروه «نقودًا جديدة».

تلاقت رغبة أثرياء أمريكا الجددّ في الحصول على مكانة اجتماعية مع رغبة نبلاء أوروبا الغارقين في الكساد؛ ولأن الألقاب لا تشترى، فقد كان الحل هو إبرام صفقات الزواج؛ فسارع أثرياء أمريكا لإرسال بناتهن إلى نبلاء أوروبا محملات بآلاف الدولارات كمهر للنبلاء لنيل اللقب الاجتماعي، أما الفتيات فكانت حالتهن يرثى لها.

مُرفهات في قصور مظلمة ومجتمع صارم

واجهت الأمريكيات اللاتي حللن أزواجًا على نبلاء أوروبا في نهاية القرن التاسع عشر مشاكل عديدة في الانخراط بمجتمع ارستقراطي محافظ، فنبلاء أوروبا تربوا على عادات وتقاليد من الصعب كسرها، كانت هناك مشكلة الخدم الذين استاءوا من هؤلاء المبتدئات الأمريكيات اللاتي لم تكن لديهن فكرة عن التقليد والتسلسل الهرمي للعائلة، بل إن سيدات أوروبا صدمن من استهلاك الشابات الأمريكيات للفساتين، كانت الأمريكيات لديهن ما لا يقل عن 90 فستانًا في الموسم الواحد، يرتدين الفستان مرة واحدة، وعابت سيدات أوروبا على الأمريكيات العزاب ارتداء الماس في النهار، لكن الأهم أن رجال أوروبا لم يكن لديهم تلك الهواجس.

قصر بلاينهايم في بريطانيا

القصور الضخمة العتيقة أخافت الأمريكيات اللاتي نشأن في منازل حديثة مع كل وسائل الراحة الحديثة – وقتها – مثل الضوء الكهربائي، والتدفئة المركزية، لكن بعد الزواج وجدن أنفسهن في قصور كبيرة تحتاج إلى رحلة إلى المطبخ في الطابق الأسفل، بل إنهن واجهن مشكلة في الاستحمام؛ فعلى الخادمة أن تسكب أباريق من الماء الساخن لملء حوض الاستحمام، وقد كانت السباكة الداخلية الحديثة لهذه القصور غير موجودة أصلًا، والأكثر من ذلك أن قصور أوروبا كان أغلبها مظلمة وشديدة البرودة.

تشير التقديرات إلى أن «أميرات الدولار» ساهمن بما يوازي اليوم 25 مليار دولار تقريبًا للاقتصاد البريطاني وحده، وأبقت قصور أوروبا وبريطانيا الفخمة مفتوحة ودبت فيها الحياة، وفي الوقت نفسه، أرضت الطموحات الاجتماعية لأمهاتهن وآبائهن الطامحين في الألقاب والمكانة الاجتماعية، أما هن فكثيرًا ما وجدن أنفسهن معزولات وبائسات في الريف الأوروبي، وعلى بعد أميال من أي مكان، ولكل منهن قصة تروى.

«المجلس الأعلى للعالم»: تعرف إلى العائلات التي تسيطر على الكوكب الآن

وينارتا سينجر.. أميرة باريس الأمريكية

«إذا لمستني سأقتلك» كان هذا ما قالته الأمريكية ويناريتا سينجر إلى زوجها الأمير الفرنسي لويس فيلفريد دي سيسي مونتبيليارد؛ حين وجدها في ليلة زفافهما أعلى خزانة الملابس، وتمسك مظلة كبيرة وتهدده بألا يلمسها. ويناريتا سينجر وهي ابنة الأمريكي إسحاق ميريت سينجر، مخترع آلة الخياطة الحديثة، تزوجت الأمير الفرنسي مونتبيليارد في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، ويبدو أنه لم يلمسها فعلًا؛ لأنهما بعد فترة قصيرة انفصلا.

Embed from Getty Images

ويناريتا سينجر

في عام 1893 تزوجت ويناريتا سينجر من أمير فرنسي آخر، يُدعى إدمون دي بوليجناك، وخلال فترة زواجهما استضافت ويناريتا صالونًا شهيرًا للموسيقيين والكتاب والرسامين وغيرهم، وكان منزلها في باريس مكانًا لتجمع كل شخص تقريبًا في مجال الفنون، ومرّ عليه عدد من أبرز أدباء فرنسا وفنانينها في ذلك الوقت، ورغم أن زواجها كان قصيرًا وانتهى عام 1901 بموت زوجها، إلا أنها أكملت حياتها في فرنسا ترعى الآداب والفنون، ودعمت بسخاء أوبرا باريس، والعديد من منظمات الفنون الأخرى.

كونسويلو فاندربلت.. الأكثر مالًا وبؤسًا

كونسويلو فاندربيلت، كانت واحدة من أغنى فتيات الولايات المتحدة في ذلك الوقت، والتي قرر والدها تزويجها من الإنجليزي تشارلز سبنسر تشرشل؛ دوق مارلبورو التاسع، كان عمرها 18 عامًا، وتأخرت في حفل زفافها 20 دقيقة؛ لأنها كانت تبكي بلا حراك في أحضان والدها، ويليام فاندربيلت، وتتوسل إليه لإنقاذها من زواج أجبرت عليه ضد إرادتها، وأرادته أمها المهيمنة على أمور المنزل.

Embed from Getty Images

كونسويلو فاندربلت

تزوجت كونسويلو وصارت دوقة مارلبورو، وعاشت في قصر بلاينهايم المكون من 170 غرفة، والحقيقة أن كلًا من كونسويلو وزوجها الدوق كان لديهما قصة حب أخرى، لكن أجبروا على هذا الزواج، وخففّ على كونسويلو حياتها البائسة ولادتها لطفلين جون ألبرت إدوارد: ويليام، وإيفور، ومارست حياتها دوقةً حتى بعد أن انفصلت عن زوجها عام 1906، وكانت ناجحة إلى حد كبير في المجتمع الإنجليزي الارستقراطي، أما ونستون تشرشل – رئيس وزراء بريطانيا فيما بعد – فكان صديقها المقربّ، وهو ابن عم زوجها الدوق السابق.

فاني.. جدة الأميرة ديانا

ولدت فرانسيس إيلين وورك والمعروفة باسم فاني في نيويورك عام 1857، وكانت ابنة فرانك وورك، أحد أثرياء أمريكا، والذي ترك ثروة قدرها 15 مليون دولار حين توفي، تزوجت من جيمس بورك روش، الابن الثاني للبارون فيرموي عام 1880، ولكن بعد الزواج اكتشفت أن لقبه جاء بلا أرض ولا منزل ولا تركة، هو فقط كان بارونًا، وهي أصبحت بارونة وفقط.

الأميرة ديانا مع أمها فرانسيس المسماة على اسم جدتها فرانسيس وورك

عاش الزوجان في أيرلندا، وأنجبا أربعة أطفال؛ توفي أحدهم رضيعًا، ولم تكن فاني سعيدة بزوجها، ولا كونها بارونة حتى، فعادت إلى أمريكا، وحصلت على الطلاق في محكمة في نيويورك عام 1891، وحصلت على حضانة أطفالها، وكان أكبر أولادها إدموند موريس، وهو جد الأم للأميرة ديانا.

ماري ليتر.. أقصى ما وصلت إليه الأمريكيات

ماري ليتر فتاة أخرى، لكن كان حظها أفضل من سابقاتها بكثير، ولدت في شيكاغو عام 1870، كان والدها واحدًا من أكبر ملاك الأراضي في أمريكا، ذهبت إلى لندن، وهناك تعرفت إلي اللورد جورج كورزون، وأحبته، وأرادت الزواج منه، أما هو فأراد تسديد ديونه، والتي دفعها والد ماري، ودفع له أيضًا مهر قدره 200 ألف دولار، وتزوجا عام 1895.

Embed from Getty Images

ماري ليتر

حب ماري لجورج جعلها تدعمه بكل قوة، كانت تدعمه في خطاباته السياسية، وبفضلها تمكن بعد ثلاث سنوات من الزواج، من الوصول إلى منصب نائب الملك البريطاني في الهند، وبالتالي أصبحت ماري نائبة الملكة في الهند، وهو أعلى منصب وصلت إليه أمريكية من أميرات الدولار.

مترجم: كيف سرق ونستون تشرشل الهند وجوّع شعبها من أجل حروب بريطانيا؟

جيني جيروم.. بهذه الطريقة جاء ونستون تشرشل

كانت جيني جيروم المولودة في بروكلين عام 1854؛ من أجمل «أميرات الدولار»، بالإضافة إلى أنها ابنة ليونارد جيروم، والذي لقب بـ«ملك وول ستريت» بفضل الثروة التي جمعها من خلال سوق الأسهم المالية، التقت باللورد راندولف تشرشل، ابن دوق مارلبورو السابع، واتفقا على الزواج، إلا أن والديه عارضا الزواج في بادئ الأمر، فهذه العائلة الأمريكية غير معروفة، وليسوا من نخبة أمريكا.

جيني جيروم وولديها؛ ونستون تشرشل (يمين) وجون تشرشل (يسار)

المال حسم الخلاف تقريبًا، والدا جيني دفعا 50 ألف جنيه إسترليني إلى راندولف، بالإضافة إلي مبلغ ثابت يدفعه لجيني سنويًا، أيضًا ساهم الأمير إدوارد، أمير ويلز، وهو صديق والد جيني، في إقناع والد راندولف بإتمام الزواج، وتزوجا في نهاية الأمر، ونظرًا لعمل زوجها نائبًا في مجلس الوزراء البريطاني؛ عاشا في لندن، لكن عاشا بانتظام في منازل فخمة في جميع أنحاء البلاد، بما في ذلك قصر بلاينهايم الذي أنجبت فيه ابنهما الأول ونستون تشرشل، رئيس الوزراء المستقبلي، وواحدًا من أعظم القادة الأوروبيين في القرن العشرين.

مترجم: من تشرشل إلى لوثر كينج.. 10 من أكثر الخطابات تأثيرًا عبر التاريخ

The post أم تشرشل إحداهن.. قصة «أميرات الدولار» الأمريكيات المُباعات لنُبلاء أوروبا appeared first on ساسة بوست.

iNewsArabia.com > أخبار مختلطة > ساسة بوست