العنف داخل أسوار المدينة الفاضلة

المدينة الفاضلة، تلك المدينة التي كانت أحد أحلام الفيلسوف أفلاطون؛ التي تحكمها الحضارة في التعاملات بين مواطنيها والنظام في كل مؤسساتها، وتسمى الفاضلة نسبة للمعاني السامية والراقية التي يجب أن تتحكم في الأساس في المعاملات بين بني البشر صغارًا أو كبارًا، سادة كانوا أو محكومين، رجالًا أو نساءً، وهنا تكمن مشكلة عدم القدرة على تطبيقها في حياتنا الواقعية.

«الرجال من المريخ والنساء من الزهرة» هو كتاب يحظى منذ صدوره عام 1992 إلى الآن على صيت واسع، تم تأليفه من قبل الطبيب النفسي جون جراي. ويتحدث عن كوننا من عوالم مختلفة، الرجال والنساء، مختلفون في الطباع والسلوك والحكم على الأشياء والنظر للأمور الحياتية شتى، وهذا سبب الخلاف الدائم القائم بين الجنسين.

من منا لم يستمع لمثل هذه الخلافات وإلقاء الاتهامات من جنس إلى آخر أيًّا كان موطنك ولغتك فهي مشكلة نواجهها كل يوم من حولنا في العمل، في المنزل أو حتى في الشارع تحاصرنا، كما لو لا يمكنك أن تسير عكس التيار وترفض هذا النوع السطحي للنظر للعلاقات.

الجدال قائم لا محالة، وأنا لم ولن أحاول أن أوجد حلًّا موجود من الأساس لأناس يتلذذون بوجود هذا النوع من الخلافات، بل يستغلونها أحيانًا. ولكن أكتب لعرض قضية ومناقشة الأفكار ليس أكثر.

من قال إننا يجب أن نكون متشابهين لكي نجد حلولًا لهذه الاتهامات والنقاشات؟ ومن يعتقد أننا بالفعل من كواكب مختلفة؟ طبيعتنا مختلفة نعم، سلوكنا بالطبع لكن هذا ليس بسبب أنني امرأة وهو رجل، هذا بسبب أنه إنسان وأنا شخص آخر، بشر وجودنا مرتبط ببعضه إلى حد لا يمكننا تخيله؛ بل إن أقدارنا ملتصقة.

التقبل هو مصدر وعنصر المشاكل، تقبل الاختلاف، تقبل احتياجنا لبعضنا وإلا كان كوكب الأرض عبارة عن رجال فقط، أو نساء فقط.

عدم تقبل الاختلاف، وعدم تقبل الآخر وصل إلى حد العنف حتى في مدينة أحلام الشباب، أمريكا، فبحسب الإحصائيات وصل العنف الأسري في وقتنا هذا إلى 11,667 شخصًا، وهو ضعف ما فقدته الإنسانية خلال الحرب. عالميًّا يوجد حوالي واحدة من ثلاث نساء يتعرضن للضرب أو الإكراه على الممارسة الجنسية.

الهدف من هذا النوع من العنف هو السيطرة على الكائن الأضعف، وهو ليس فقط بالضرب والإيذاء الجسدي، لكن يمكن أيضًا أن يكون لفظيًّا أو عاطفيًّا أو اقتصاديًّا أو جنسيًّا. سواء بالإهانة أو التهديد أو التجاهل أو اللوم أو الانعزال.

وهو نوع آخر من أنواع الإرهاب الذي يتلقى رد فعل مشابهًا له، وهو من نفس نوع الفعل، وهو العنف من قبل الكائن الآخر؛ مما يؤدي إلى زيادة نسبة العنف ضد الرجال سواء للدفاع عن النفس أو حتى للانتقام.

فحسب الأمم المتحدة، الولايات المتحدة الأمريكية هي من ضمن البلاد الأعلى رتبة في حصيلة الوفيات بسبب العنف ضد المرأة، خاصةً في فترة الحمل. الأطفال ليسوا فقط الضحايا فهم يمثلون 90% شواهد على هذا النوع من العنف، فهم معرضون للتشرد والاتجاه للمخدرات أو حتى أن يصبحوا نسخة من الطرف الذي يمارس العنف.

فكل فرد في الأسرة ضحية، حتى مرتكب هذه الجرائم فهو ضحية لنفسه. أصبحت العلاقة بين الرجال والنساء قائمة على السيطرة والبقاء للأقوى، للعنصر للذي يتحكم سواء ماديًّا أو جسديًّا.

والإحصائيات صادمة في كل أركان العالم، كندا وفرنسا وإيران وتركيا والهند وأمريكا الجنوبية وغيرها، ناهيك عن الوطن العربي بعيدًا عن القيم الدينية التي تطول الحديث عنها، وتفتح أبوابًا من النقاش المقنع.

من حق أي إنسان أن يعيش عيشة سوية دون التعرض للقهر، وهذا النوع من الاستعباد. اختلافنا نعمة. وجود الرجل بجانب المرأة، والعكس، نعمة. فإننا لسنا في ساحة حرب، والاعتراض على ذلك هو اعتراض على استقامة الكون.

The post العنف داخل أسوار المدينة الفاضلة appeared first on ساسة بوست.

iNewsArabia.com > أخبار مختلطة > ساسة بوست