العهدة الخامسة لبوتفليقة «تجمع تناقضات» الجيش والأمن والاستخبارات في الجزائر

شهدت الفترة السابقة لإعلان الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة ترشحه لعهدةٍ خامسة حربًا «تحت الستار» بين الأجهزة الأمنية في الجزائر؛ عرفت سقوط عدّة أسماء كان أولهم الجنرال محمد مدين أو المعروف باسم «الجنرال توفيق» بعد معارضته العهدة الرابعة لبوتفليقة، وتصاعد الصراع مع اقتراب نهاية الفترة الرئاسية الرابعة لبوتفليقة ليبلغ أوُجه حين دخلت الشرطة الجزائرية في صراعٍ مع المؤسسة العسكرية أفضت إلى إزاحة المدير العام للأمن الوطني الأسبق اللواء عبد الغاني الهامل من المشهد على خلفية كشف الجيش الجزائري لأكبر عملية تهريبٍ للكوكايين تشهدها الجزائر.

لكن شهر العسل بين المؤسسات الأمنية بدأ في العودة بعد تعيين بوتفليقة مع نهاية الأسبوع الماضي عبد القادر قارة بوهدبة، مديرًا عامًا للأمن الوطني خلفًا للعقيد لخضر الهبيري، وفور تنصيبه دعا بوهدبة إلى فتح «صفحة جديدة من الشراكة الفعّالة بين مختلف الأسلاك الأمنية من أجل تحقيق الأمن والاستقرار في مختلف ربوع البلاد» في ظلّ الاستمرارية التي ترفعها الموالاة، في ما يلي من أسطر نستعرض كيف اجتمعت المؤسسات الأمنية في الجزائر خلف ترشّح بوتفليقة لعهدةٍ خامسة.

فرنسا وروسيا وأمريكا.. من سيحدد رئيس الجزائر القادم؟

الجيش الجزائري يرفع راية الدعم لبوتفليقة

انقشع أخيرًا الضباب الذي لفّ موقف المؤسسة العسكرية من الرئاسيات القادمة، عبر إعلان نائب وزير الدفاع الوطني وقائد أركان الجيش الفريق أحمد قايد صالح موقفه من الانتخابات الرئاسية القادمة؛ وهو الموقف الذي فهم من الطبقة السياسية في البلاد بأنه يتماشى داعمًا العهدة الخامسة لبوتفليقة، وذلك عبر رفض المؤسسة العسكرية لجميع الدعوات التي وصلتها من المعارضة للعب دور في الانتخابات القادمة.

وتجلى موقف الجيش الجزائري من ترشّح بوتفليقة لعهدة جديدة عبر تصريحاته المتتالية والتي كان آخرها التحذيرات التي صدرت عن وزارة الدفاع الجزائرية إلى الجزائريين بضرورة «التحلي باليقظة والتصدي لمحاولات ضرب استقرار البلاد»، وقال اللواء بوعلام ماضي مدير الإعلام والإيصال والتوجيه بالوزارة الاثنين الماضي: «على أبناء هذا الوطن أن يتحلوا أكثر من أي وقت مضى بمزيد من اليقظة والإدراك العميق لحجم التحديات الواجب رفعها خاصة في ظل التغيرات التي يشهدها الوضع الجيواستراتيجي على المستويين الإقليمي والدولي، وما يرافقه من محاولات ضرب استقرار وأمن الجزائر».

بوتفليقة مع قادة الجيش

وكان الفريق أحمد قايد صالح يمثّل أمل الكثير من الجزائريين في الوقوف ضدّ العهدة الخامسة، وذلك عبر المناشدات والرسائل التي أطلقها معارضون للنظام دعوا من خلالها قائد الأركان إلى ضمان مرحلةٍ انتقالية تحول دون ترشّح الرئيس الجزائري العاجز لعهدةٍ جديدة، حيث دعا كل من وزير التجارة الأسبق نور الدين بوكروح والكاتب الصحفي حميدة العياشي في رسالةٍ إلى الجيش الجزائري قبل سنتين المؤسسة العسكرية للتدخل من أجل عزل الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، «وإنقاذ البلاد» حسبهم، مبررين ذلك بعجزه عن آداء مهامه منذ تعرضه لجلطة دماغية في 2013.

كانت تلك واحدةً من بين عشرات الدعوات الموجهة للجيش لاتخاذ موقفٍ من الانتخابات الرئاسية القادمة، لكن كان ردّ المؤسسة العسكرية على تلك الدعوات بالرفض وهو ما حمله عدد المجلة الصادر في 6 سبتمبر (أيلول) 2017 حين ذكرت على لسان قائد الجيش الجزائري: «لكل من يطالب سرًا أو جهارًا أو ضمنيًا بالانقلابات العسكرية، نذكره بتصريحات القائد صالح، خلال زياراته الأخيرة لكل من الناحية العسكرية الثانية (غرب) والخامسة (شرق)، أن جيشنا سيظل جمهوريًا، ملتزمًا بالدفاع عن السيادة الوطنية، وحرمة التراب الوطني، وحافظًا للاستقلال».

استمرت الدعوات والمناشدات للجيش الجزائري بضرورة «تحمله المسؤولية وحماية أي انتقال ديمقراطي قد تشهده البلاد» لتنتقل من مبادرات فردية إلى مبادراتٍ حزبية وهو ما حملته المبادرة التي طرحها حزب «حركة مجتمع السلم» -أكبر الأحزاب الإسلامية المعارضة في الجزائر- منتصف شهر يوليو (تموز) الماضي تحت اسم «مبادرة التوافق الوطني» والتي دعت من خلالها حركة مجتمع السلم الجيشَ في الجزائر إلى «مرافقة» العملية السياسية الانتقالية التي تدعو لها، من خلال جعل محطة الرئاسيات القادمة فرصة للتداول السلمي على السلطة.

كما دعا عبد الرزاق مقري رئيس «حمس» الفريق قايد صالح، إلى أداء دورٍ فعالٍ في الحراك السياسي الذي تشهده الجزائر حاليًا، وهي الدعوة التي رفضها الجيش الجزائري على لسان قائده الفريق صالح بالقول: «لا وصاية على الجيش الوطني الشعبي سليل جيش التحرير الوطني، فهو يتلقى توجيهاته السامية من لدن المجاهد فخامة السيد رئيس الجمهورية، القائد الأعلى للقوات المسلحة، وزير الدفاع الوطني».

رفضُ الجيش الجزائري لأي دعواتٍ للتدخل في الرئاسيات القادمة قابلته اتهاماتٌ بأنه يعبد الطريق نحو العهدة الخامسة؛ وهو ما حمله تصريح الأمينة العامة لـ«حزب العمال» – اليساري – والذي اتهمت فيه الفريق أحمد قائد صالح بعدم الحيادية وبالتدخل في الدعوة للعهدة الخامسة، كما أدان – المراقبون – التصريحات الأخيرة للفريق أحمد قايد صالح ضدّ الجنرالات المتقاعدين والمناوئين لحكم بوتفليقة والتي هاجم من خلالها الفريق صالح المرشّح للرئاسة وأهم منافسي بوتفليقة في الانتخابات القادمة اللواء علي الغديري بالقول: «هؤلاء الأشخاص الذين خانهم حس التقدير والرصانة، ويدّعون حمل رسالة ودور ليسوا أهلًا لهما يخوضون دون حرج ولا ضمير، في أكاذيب وخرافات تنبع من نرجسية مرضية تدفعهم لحد الادعاء بالمعرفة الجيدة للقيادة العليا للجيش الوطني الشعبي».

4 يتنافسون على صندوق.. إليك أبرز المتنافسين على خلافة بوتفليقة

«الشرطة الجزائرية».. سلاح بوتفليقة لمواجهة مناوئيه

مع إعلان بوتفليقة ترشحه رسميًا لعهدة رئاسيةٍ جديدةٍ في رسالةٍ وجهها للأمة في 10 من فبراير (شباط) الماضي؛ ارتفعت الأصوات المناهضة لهذه الخطوة، وبدأت موجة الاحتجاجات والمسيرات الرافضة لترشح بوتفليقة في الاتساع، وأمام احتمال تفجّر الشارع ورفضه للعهدة الخامسة، كان أوّل قرارٍ للرئيس الجزائري بعد إعلان ترشحه هو تعيين مدير عام جديد ينحدر من سلك الشرطة على المديرية العامة للأمن الوطني، وهو عبد القادر قارة بوهدبة والذي استدعاه بوتفليقة من التقاعد الذي أحيل عليه سنة 2016، ليكلفه بمهمة جهاز الشرطة في المرحلة القادمة.

وبرأي متابعين، فقد حملت الشرطة الجزائرية على عاتقها مسؤولية «قمع» المعارضين للعهدة الرابعة سنة 2014، حين قمعت مسيراتٍ ووقفاتٍ مناهضة للرئيس الجزائري بوتفليقة، وما زالت ذاكرة الجزائريين تحتفظ بصور القمع التي سطّرها جهاز الشرطة ضدّ حركة «بركات» المناوئة للعهدة السابقة لبوتفليقة آنذاك.

وأمام الحذر المرتقب ممّا ستسفر عنه الدعوات للتظاهر ضدّ ترشح بوتفليقة لعهدةٍ خامسة، أقرّ المدير الجديد للأمن الوطني خططًا أمنيةً مشددة وواسعة الانتشار، يمكن ملاحظتها في المداخل والطرق الرئيسية لكبرى المدن، وكذا في الحملات الميدانية للمرشحين المحتملين للرئاسة، الذين اشتكى البعض منهم من ممارسات الشرطة الجزائرية.

وأمام مخاوف السلطة من الاحتقان الذي يشهده الشارع حذّر وزير الداخلية الجزائري نور الدين بدوي، من إفساد ما أسماه «العرس الانتخابي للجزائريين»، وقد صعد من لهجته وهو يتحدث عن دعوات التظاهر ضد الخامسة بالقول: «إننا أقوى من كل هذه المحاولات التي نملك ما نتصدى به لها وإننا قادرون على حماية البلاد».

وانطلقت في الفترة الماضية دعواتٌ على نظاقٍ واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي للخروج يوم الجمعة 22 من فبراير (شباط) القادم في مظاهرات رافضة لترشّح بوتفليقة لعهدةٍ خامسة؛ ما زالت الجهة التي تقف وراء هذه الدعوات والشعارات والمطالب مجهولة حتى كتابة هاته الأسطر، فيما دعت حركة «مواطنة» إلى الاحتجاج يوم 24 فبراير (شباط) القادم، تزامنًا مع ذكرى تأميم المحروقات.

«سنة الغموض».. ما هي أبرز التحدّيات التي تحملها 2019 للجزائريين؟

في سبيل البقاء.. بوتفليقة «قصقص» أجنحة جهاز الاستخبارات

كان جهاز المخابرات طيلة السنوات السابقة الظلّ الحامي لظهر الرئيس بوتفليقة خصوصًا في العهدات الثلاث الأولى له في حكم الجزائري، غير أنّ مرض بوتفليقة سنة 2013 وعودته للجزائر على كرسي متحركٍ، وعزمه على الاستمرار في الحكم لعهدةٍ رابعة فجّر صراعًا بين الرئيس الجزائري ومدير مخابراته الفريق محمد مدين على خلفية رفض الأخير خطط بوتفليقة للاستمرار في الحكم.

تصاعدت الخلافات بين المؤسسة الرئاسة والمخابرات بعد نجاح بوتفليقة في البقاء على هرم الرئاسة لعهدة رابعة، وبدأت مرحلة تصفيات الحسابات بإقالة بوتفليقة للفريق توفيق في سبتمبر 2015 وحلّ جهاز المخابرات واتباعه بجهاز الرئاسة، وتعيين المستشار الأمني لبوتفليقة اللواء عثمان طرطاق مديرًا له.

وحسب مراقبين، فقد كان حلّ بوتفليقة لجهاز المخابرات وإتباعه بجهاز الرئاسة وتعيين مدير من المقربين منه قطعًا للطريق أمام الفريق توفيق للعب دورٍ في العهدة الخامسة، لكن البعض ربط المترشّح اللواء لغديري بالجنرال توفيق وهذا ما علّق عليه اللواء الغديري بالقول: «كانت لي علاقات مهنية بحكم أنه كان مديراا لجهاز المخابرات وأنا مدير مركزي للموارد البشرية في المؤسسة العسكرية».

وأضاف الغديري إن له علاقات مع كافة قيادات المؤسسة العسكرية بحكم اشتغاله فيها لسنواتٍ عديدةٍ، متسائلًا: «لماذا يتحدثون عن الجنرال توفيق وليس عسكريين آخرين لي علاقة بهم؟!».

وكان رئيس «حركة مجتمع السلم» الدكتور عبد الرزاق مقري وأحد المرشحين للرئاسة؛ قد اتهم أطرافًا بالمخابرات وقفت وراء فشل مبادرته من خلال فرض واقع العهدة الخامسة وفي السياق قال مقري إن: «الصقور القديمة لجهاز المخابرات أو من يسمون بالدولة العميقة التي يقودها الفريق محمد مدين المدعو توفيق قائد الجهاز السابق وبعض أحزاب التيار الإسلامي أفشلت خطة التأجيل».

موازنة 2019.. هل يدخل بوتفليقة إلى العهدة الخامسة من بوابة الاقتصاد؟

The post العهدة الخامسة لبوتفليقة «تجمع تناقضات» الجيش والأمن والاستخبارات في الجزائر appeared first on ساسة بوست.

iNewsArabia.com > أخبار مختلطة > ساسة بوست