كيف يمكن لكلمات صغيرة أن تغير مسارات الاقتصاد العالمي؟

لم يعد الاقتصاد العالمي هو ذلك النظام المعقد الذي يتأثر فقط بالنتائج والأرقام والإحصائيات كما أوضحنا سابقًا خلال التقرير الذي نشر في «ساسة بوست» مؤخرًا بعنوان «ليست مجرد أرقام وإحصاءات.. كيف تحرك مشاعرك اقتصاد العالم؟»، لكن المشاعر كما ذكرنًا ربما لا يكون تأثيرها لحظي، كما يحدث من خلال بعض الكلمات، وقد تصبح في بعض الأحيان ذات تأثير كارثي على الاقتصاد العالمي، ويمكنها تغيير مسار كثير من القطاعات، وهو ما سنناقشه خلال السطور القادمة.

رؤساء البنوك المركزية.. عندما تقلب «كلمة» الأمور رأسًا على عقب

من المعلوم أن منصب رئيس البنك المركزي هو المنصب الاقتصادي الأكثر حساسية في الدول، لذلك فأن كلمات وإشارات شاغلي هذا المنصب في غاية الأهمية، ويكون تأثيرها فوري على أسواق الأسهم والعملات وتتسبب كذلك في تغيير مسارات الأموال حول العالم. وهو بالتالي ما قد يؤدي إلى تغيرات جوهرية في الاقتصاد العالمي، لكن ليس تأثير كلمات كل رؤساء البنوك المركزي حول العالم بالدرجة نفسها، فبطبيعة الحال هذا الأمر يختلف حسب مكانة اقتصاد الدولة بالنسبة للاقتصاد العالمي.

لذلك نجد أن كلمات رئيس الفيدرالي الأمريكي (البنك المركزي) لها التأثير الأكبر، يليه رئيس المركزي الأوروبي، ثم رئيس بنك انجلترا، ثم المركزي الياباني، وبسبب هذه التأثير الكبير نجد أن الاقتصاديين دائمًا ما ينصحون رؤساء البنوك المركزية بالتزام الصمت قدر الإمكان، وهو ما يحدث بالفعل، لكن عندما يتحدثون، تقع الكثير من التغيرات. وهو ما حدث مؤخرًا بالفعل عندما خرج رئيس الفيدرالي الأمريكي، جيروم باول، ليقول إن ابتعاد معدل التضخم عن مستهدف البنك يرجع لـ«عوامل مؤقتة».

جملة «عوامل مؤقتة» دفعت أسواق المال للهبوط، وضربت بطموحات الجميع عرض الحائط وقلصت آمال خفض الفائدة، فقد تُسبب هذه الجملة لخيبة أمل للدولار الأمريكي ليكسر مسيرة صعوده التي يتبعها هذا العام مسجلًا خسائر أسبوعية بالأسبوع المنتهي بداية هذا الشهر، وكذلك تضرر الذهب أيضًا، لكن في الوقت ذاته استفادت الأسهم من جملة باول.

Embed from Getty Images

إذ ربح مؤشر «داو جونز» نحو 200 نقطة في الجلسة الأخيرة من الأسبوع نفسه، مع تحقيق مؤشر التكنولوجيا «ناسداك» مستوى قياسيًا، بينما صعدت الأسهم الأوروبية بشكل ملحوظ في ختام الأسبوع، فيما صعدت العوائد على الديون الحكومية لأعلى مستوى في أكثر من أسبوع، نظرًا لوجود علاقة عكسية بين أسعار الفائدة والعوائد، ويمكن القول إن جملة «عوامل مؤقتة»، دفعت كل الأسواق تقريبًا للتحرك، سواء صعودًا أو هبوطًا وهو ما نقصد به أن الكلمات أربكت الأسواق.

عندما تقنع العالم بـ«لا شيء».. زلزال منوتشين نموذجًا

في نهاية يناير (كانون الثاني) 2018 قال وزير الخزانة الأمريكي، ستيفن منوتشين، خلال مشاركته بـ«المنتدى الاقتصادي العالمي» في دافوس بسويسرا، جملة أثارت كثير من الجدل، وتسببت فعليًا في زلزال هز أسواق المال في أولى جلسات التداول خلال فبراير (شباط) 2018، إذ قال: «إن تراجع الدولار استفاد الميزان التجاري».

دفعت تلك الجملة أسواق المال العالمية إلى تسجيل هبوطًا حادًا، بعدما هَوَتْ «وول ستريت» لأدنى نسبة منذ 2011، وشهدت كل أسواق المال تقريبًا تراجعات كبيرة تراوحت ما بين 5 – 7% في كل من آسيا وأوروبا، بالإضافة إلى الأسواق الناشئة، واستمرت هذه التراجعات عدة أيام.

Embed from Getty Images

السبب الذي جعل هذه الجملة تتسبب بنسبة كبيرة في هذا الارتباك؛ الذي حصل في أسواق المال، هو تفسيرها بأنها تعكس وجهة نظر الإدارة الأمريكية الحالية من حيث تبنى سياسية الدولار الضعيف، لكن الأيام أثبتت أن الأمر ليس كذلك، وهذا ما يوضح أن تأثير هذه الكلمات الكبير كان في غير محله، وهو ما يجعلها سلاحًا خطيرًا قد يغير مسارات الاقتصاد العالمي.

المضاربة عبر الكلمات.. تغريدات ترامب ترشدك

بالحديث عن خطورة هذا السلاح لابد أن نتطرق للحديث عن تغريدات ترامب، التي باتت كما يرى مراقبون مؤشر على المضاربة، فقد وضع الخبير المالي الأمريكي فيليب فيرلدزار صيغة جديدة تسمح لزبائن وعملاء شركته الاستشارية «PKVerlrger» بكسب المال عبر المضاربة في أسعار النفط؛ إذ تتنبأ الآلية بأسعار الأسهم، من خلال تتبع تغريدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على «تويتر».

وقام فيرلدزار بتحليل سلوك ترامب، خلال الأشهر الأخيرة، وتوصل إلى استنتاج يفيد بأن الرئيس الأمريكي يسعى للتدخل في أسواق النفط، بهدف تقليص الأسعار، وهو الأمر الذي صرح به ترامب كثيرًا، وهو ما دفعه لنصح المضاربين، للعمل ضد أسعار النفط وضد أسعار أسهم الشركات النفطية وبيع الأوراق المالية أو العقود المستقبلية بعد تغريدات ترامب، وذلك تحسبًا لحدوث هبوط في الأسعار، فيما سمي هذا المبدأ بـ«Trump’s call option».

هذا الأمر يكشف بوضوح مدى تأثير تلك الحروف القليلة التي تتكون منها التغريدة على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، فقد كان لهذه الحروف تأثير على مسار الاقتصاد العالمي من خلال اتجاه أسعار أحد أهم السلع في العالم –النفط – كما أن منظمة البلدان المصدرة للنفط «أوبك»، قد ذكرت على لسان الأمين العام محمد باركيندو، أن تغريدات ترامب تربك سوق النفط، إذ وجه الرئيس الأمريكي أكثر من ثماني تغريدات لـ«أوبك» خلال أقل من عام.

Embed from Getty Images

على الجانب الأخر وبعيدًا عن سوق النفط، تتسبب حروف ترامب التي ينشرها عبر «تويتر» في مشاكل اقتصادية كثيرة لعل آخرها كان في 6 مايو (أيار) الجاري، عندما عصفت تغريدة ترامب بشأن التعريفات الجمركية بالأسواق العالمية وخاصة الصينية، إذ فقد مؤشر «شنغهاي» بنهاية الجلسة نحو 5.6%، كما سجل اليوان الصيني أكبر نزول له في 10 أشهر، ناهيك عن التحركات التي حدثت في كل الأسواق بسبب هذه التغريدة التي عززت من مخاوف الحرب التجارية مجددًا.

وسبق لكلمات ترامب أن تسببت في خسارة عملاق البيع بالتجزئة على الإنترنت شركة «أمازون» في خسائر بمليارات الدولارات، وبعيدًا عن تفاصيل تغريدات ترامب حول هذا الموضوع، إلا أنه يكشف كيف تسببت تغريدات ترامب في أزمة جوهرية في القطاع الاقتصادي الأكبر في العالم حاليًا – قطاع التكنولوجيا – وهو ما يثبت أيضًا أنه من الممكن أن تتسبب كلمات صغيرة في تغيير مسار الأموال حول العالم.

كلمات أردوغان.. سر هبوط عملة تركيا

في المقابل تتسبب بعض الكلمات التي تخرج عن السياسيين في كثير من المشاكل الاقتصادية لبلدانهم ظنًا منهم أنهم يدعمون الاقتصاد، لكن النتائج تأتي عكسية، ويعتبر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أبرز النماذج التي توضح هذه الحالة، وذلك من حيث تعامله في عدة مناسبات مع هبوط الليرة، الذي كان في كثير من الأحيان لا يعبر عن الواقع الاقتصادي في البلاد، لكن بما أن سوق العملات من أكثر الأسواق حساسية بالأوضاع السياسية، نجد الليرة تتحرك صعودًا مع الاستقرار السياسي، وهبوطًا في ظل وجود أي توترات سياسية.

Embed from Getty Images

لكن الرئيس التركي لا يضع هذا الأمر في حساباته دائمًا، إذ يخوض صراعًا مع البنك المركزي التركي حول سعر الفائدة منذ عدة سنوات، هذا الصراع يقوده أردوغان من خلال تصريحاته المتكرر عن هذا الأمر وهي التصريحات التي تقود الليرة إلى الهبوط دائمًا؛ إذ ينظر المستثمرون إلى كلمات أردغان على أنها إشارة على تدخلات في السياسية النقدية، وهو ما يجعل عواقب هذه الكلمات سلبية على الاقتصاد التركي عمومًا، وتقلل من الاستفادة بانتعاش قطاعات كالصادرات والسياحة.

ختامًا يجب أن نشير إلى أن التأثر الكبير لأسواق المال بمثل هذه الكلمات الصغيرة يشير إلى هشاشة الوضع الاقتصادي العالمي، وكذلك قلق المستثمرين من الأوضاع العالمية، وهو ما يجعل لمثل هذه الكلمات دورًا كبيرًا في تغيير مسار الاقتصاد دون الاعتماد على أرقام وإحصاءات واقعية.

الأرقام لا تكذب عادةً.. 2019 موعد الأزمة المالية الجديدة

The post كيف يمكن لكلمات صغيرة أن تغير مسارات الاقتصاد العالمي؟ appeared first on ساسة بوست.

iNewsArabia.com > أخبار مختلطة > ساسة بوست