هدم الأساطير.. أسطورة عبدة الشيطان – ج2

في يناير من عام 97 تملك الرعب من مصر كلها بعد خبر القبض على تنظيم «عبدة الشيطان».

في منتصف التسعينيات، كان الاتجاه السائد في الموسيقى بين جيل الشباب من الطبقة فوق المتوسطة في مصر هي موسيقى الميتال والروك، والتي كانت تهتم بقضايا العدالة الاجتماعية والقضايا السياسية والبيئية والحروب، بعيدًا عن تفاهات الأغنية العربية السائدة في ذلك الوقت، وتماشى الإعلام مع هذا الاتجاه، فكان الإعلامي أسامة كمال يقدم برنامجه الشهير «monsters of rock, monsters of metal» على الراديو كل خميس الساعة 11 مساءً، بينما نظم محمد عبد المنعم الصاوي، صاحب شركة «عالمية للنشر والإعلان» ووزير الثقافة فيما بعد، عشرات الحفلات الموسيقية لفرق موسيقى الجاز والموسيقى الغجرية والراب، من أشهرها مهرجان monsters of rock في إستاد التنس عام 1993، وrock inn عام 1996، والذي وصل عدد الحضور فيه لأكثر من 20 ألف مشارك، وكانت تلك المهرجانات هي النواة الأولى لبذرة «ساقية الصاوي» التي أنشأها لاحقًا.

في نفس الوقت تقريبًا كان عبد الله كمال الصحفي المغمور بمجلة روز اليوسف الذي يسكن في إحدى المناطق الشعبية الفقيرة بحي حدائق القبة يبحث عن فرصة جادة للشهرة تقفز به إلى أحضان النظام، ويبدو أن سلسلة حملاته السابقة عن مؤامرات التجسس الأمريكي على عصر مبارك، والإجهاض، وحريم أنور السادات، وإمبراطورية آل الفايد لم تأتِ بالنتيجة المرجوة، ولم تلاقِ أي نجاح يذكر، فبدأ كمال حملة شعواء على محبي الموسيقى الميتال والروك، اتهمهم فيها بعبادة الشيطان في سلسلة مقالات على روز اليوسف، بدأها بتقرير صغير يوم 11 نوفمبر 1996 بعنوان «أتباع عبدة الشيطان يتحدثون»، وبعدها بأسبوع وفي 18 نوفمبر تحول التقرير إلى ملف بعنوان «نادي عبادة الشيطان في مصر الجديدة»، وسرد كمال قصصًا مختلقة، وهمية ومضحكة عن قصر البارون وطقوس عبادة الشيطان، وتدنيس مقابر الكومنولث، والرقص العاري، وممارسة الشذوذ الجماعي بعد شرب دماء القطط، والماسونية، وعلاقتهم بإسرائيل، وصلوات القداس الأسود، وأثارت مقالات عبد الله كمال رد الفعل المطلوب، ونفذت أعداد المجلة بعد صدورها بساعات قليلة، لدرجة أنها أصبحت تباع في السوق السوداء بأسعار مبالغ فيها، ولجأ البعض الآخر لنسخها على ماكينات التصوير وبيع النسخ المصورة، وارتفعت نسبة الإعلانات في المجلة بشكل ملحوظ، وفي تقريره الثالث في 9 ديسمبر أحتوى التقرير على صورة مغني الراب الأمريكي سنوب دوج Snoop Dogg، والذي ليس له أي علاقة بموسيقى الروك من قريب أو من بعيد «لاحقًا اشترك سنوب دوج مع تامر حسني في كليب شهير»، وحرصت مقالات عبد الله كمال على إثارة البسطاء ضد الأغنياء، واللعب على وتر الطبقية، فوصف سجن المرج بأنه «أصبح محاطًا بالسيارات الفارهة من طراز مرسيدس وشيروكي أثناء زيارات أهالي المتهمين»، وكتب يقول: «لوحظ على المتهمين الحرص على شرب المياه المعدنية»، وفيما بعد أصدر كمال كتابه «تجربه شخصية مع عبدة الشيطان» ليكون شاهدًا على تلفيق عبد الله كمال للقضية برمتها.

في ذلك الوقت كان وزير الداخلية اللواء حسن الألفي في قمة صراعه مع الجماعات الإسلامية، وكان الهجوم عليه على أشده بسبب إخفاقاته في القضاء على الإرهاب من ناحية، وتواطؤ رجال الداخلية مع تجار المخدرات، وترك الحبل لهم على الغارب مقابل تعاونهم في القبض على الجماعات الإسلامية من ناحية أخرى، واخيرًا بسبب انتهاكات الداخلية مع المقبوض عليهم مثل إلقاء أحدهم من سطوح أحد المنازل، وإشعال النيران في لحاهم من باب التنكيل، وإصابة بعض الأبرياء في إطلاق عشوائي للنيران في الصعيد من أحد ضباط الداخلية الذي «أصيب بنوبة ذعر فأخذ يطلق النار على الأبرياء»، وأتت حملة كمال المفبركة على هوى الداخلية، ووجدوها فرصة سانحة لشغل الرأي العام بقضية أخرى تشغله عن متابعة إخفاقات الداخلية؛ بل وتدفعه للتضامن معها، وتقنع رجل الشارع البسيط أن رجالها هم حماة الوطن والأخلاق والقيم.

وفي صباح 22 يناير 1997، انطلق رجال أمن الدولة في حملة أمنية مسعورة للقبض على ما يزيد عن تسعين شابًا ممن أشتهر تواجدهم في حفلات الروك، واعتُدي عليهم بالضرب والإهانة المتعمدة كونهم كفارًا و«عبدة شيطان»، وسرعان ما أختبأ الباقون، وتراجعت كل المظاهر الشبابية والتي يمكن أن تُفسر على أنها من مظاهر «عبادة الشيطان» مثل (التيشرتات) السوداء والمعاطف الجلدية؛ بل إن هناك متجرًا شهيرًا في أسيوط لبيع ملابس الشباب من (تيشرتات) وبناطيل الجينز اسمه Guns and Roses، اضطر لتخبئة واجهته الشهيرة، والتي تحمل مجسم لمسدسين تتوسطهما وردة، لفترة طويلة، خوفًا من بطش أمن الدولة.

وأتت تلك الأخبار متوافقة مع المزاج العام للشعب «المتدين بطبعه»، وتلقفت الصحف القومية حملة كمال وتبنتها، بل وتبارت فيما بينهما على المزايدة على أكاذيب عبد الله كمال، وعمدت على دغدغة عواطف المجتمع الدينية والأخلاقية، فكتب أحمد موسى في الأهرام عن «المخطط الذي تقوده منظمات خارجية لنشر الأفكار المنحرفة في مصر»، وحتى إبراهيم نافع رئيس تحرير الأهرام، ابتعد -مؤقتًا- عن نفاق مبارك تحت وطأة زخم أخبار عبدة الشيطان، وخصص مقالته صباح الجمعة 31 يناير للحديث عن عبدة الشيطان، وانتقد وبشدة البذخ الذي يعيش فيه شباب الأوساط الراقية، والتي أدت بهم للانحراف «لاحقًا وبعد ثورة يناير اتُهم نافع بقضايا فساد وتربح بعد أن فر هاربًا إلى باريس قبل القبض عليه بساعات، بسبب بلاغات متعلقة بثروته والتي قيل إنها بلغت المليار والنصف جنيه»، وطالب جمال بدوي في جريدة الوفد بمحاكمة عسكرية للمتهمين، وطالب مفتي الجمهورية نصر فريد واصل بإقامة الحد عليهم، بينما كان البابا شنودة بابا الأقباط أكثر رحمة عندما طالب بأشد العقاب «لمن انحدروا إلى الدرك السحيق»، وفي 2002، أقحم السيناريست الناصري أسامة أنور عكاشة مشهدًا ساذجًا مثيرًا للشفقة لعبدة الشيطان في مسلسله «أميرة في عابدين» تماشيًا مع الموضة السائدة.

وزار الإعلامي جمال الشاعر (اسمًا وموضوعًا) المعتقلين في القضية الشهيرة في السجن، والتقى بأحدهم الذي أطلق عليه الشاعر «أمير التنظيم»! وأثناء الحوار ظهر صوت صراخ قطة واضحًا في خلفية المشهد، ويبدو أنها كادت أن تقتحم الكادر ولكزها أحدهم بعيدًا، فاستغل جمال الشاعر الموقف وسأل الشاب :

– سمعت؟

– سمعت إيه يا فندم؟

– القطة.

– قطة إيه حضرتك؟

– القطة اللي لسة مصرّخة دلوقتي حالًا!

– آه حضرتك سمعتها.. مالها؟

– حسيت بإيه؟

لم يجاوب الشاب الذي استعصى عليه أن يفهم كيف يكون الإعلامي والشاعر والمثقف بمثل تلك السطحية والسذاجة في التفكير.

وكانت اللحظة الفارقة عندما رفع الإعلامي الألمعي جمال الشاعر سماعة التليفون ليتصل بالشيطان نفسه، وهو يستعيذ ويبسمل ويحوقل، بحسب الآية رقم 18 من الإصحاح رقم 13 من سفر رؤيا يوحنا اللاهوتي بالإنجيل، والتي تقول: «هنا الحكمة من له فهم فليحسب عدد الوحش فإنه عدد إنسان وعدده ست مئة وستة وستون»، ثم أخذ نفس عميقًا وضغط الرقم 6 ثم توقف قرابة دقيقة ثم ضغط الرقم 6 مرة أخرى، وبعد تردد عميق ضغط الرقم 6 للمرة الثالثة والأخيرة، وعندما خيب الشيطان أمله ولم يرد، تنفس الشاعر الصعداء وقال بنفس عميق «الحمد لله»، ويبدو أن تلك المسرحية قد أثارت الضجة الإعلامية المطلوبة، فكرر الأستاذ مفيد فوزي المشهد نفسه عبر برنامجه الأشهر «حديث المدينة» ليتصل بالرقم 666 منتظرًا أن يرد عليه الشيطان بنفسه، وعندما لم يرد الشيطان، واجه مفيد فوزي الكاميرا وقال بكل ثقة: «محدش رد سأعاود وأتصل».

بعد أشهر قليلة انحسر الزخم الإعلامي عن القضية، خاصةً بعد أن خرج القضاة ليعلنوا بكل صراحة أنه لم يكن هناك قضية من الأساس، ولا يوجد ما يسمى بعبادة الشيطان في مصر أصلًا، وأفُرج عن كل الشباب الذين اتهموا زورًا في القضية، ولم يرد لهم اعتبارهم، ولم يعتذر كمال ولا مجلته الصفراء عن أكاذيبه وخرافاته، وبعد سنوات ترقى كمال ليصبح رئيس تحرير روز اليوسف قبل أن يختاره مبارك عضوًا بمجلس الشورى نظرًا لإسهاماته وخدماته للنظام، وبعد الثورة استدعاه جهاز الكسب غير المشروع بسبب بلاغات متعلقة بثروته التي قيل إنها بلغت 60 مليون جنيه، وفي 17 نوفمبر من نفس العام، وقع هجوم إرهابي على مجموعة من السياح بالدير البحري بالأقصر أسفر عن مصرع 58 سائحًا وإصابة نحو 26 آخرين بإصابات مختلفة، وعنف مبارك حسن الألفي وزير الداخلية وسخر منه على الهواء مباشرة، ويُقال إن مبارك قد سبه بأبشع الألفاظ بعيدًا عن الكاميرات، واعتدى عليه بالضرب، قبل أن يقيله على الفور من منصبه.

The post هدم الأساطير.. أسطورة عبدة الشيطان – ج2 appeared first on ساسة بوست.

iNewsArabia.com > أخبار مختلطة > ساسة بوست