هدم الأساطير.. أسطورة عصر الليمون – ج3

نتيجة للضغط الشعبي وأحداث شارع محمد محمود في نوفمبر 2011، استجاب المجلس الأعلى للقوات المسلحة لطلبات تعجيل نقل السلطة، وحدد يومي 23 و24 مايو 2012 لإجراء الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية المصرية الأولى بعد ثورة[email protected]# يناير، وأسفرت نتائج الانتخابات التي تنافس فيها ثلاث عشر مرشحًا، عن حصول محمد مرسي مرشح الإخوان المسلمين والفريق أحمد شفيق آخر رئيس وزراء في عهد مبارك على أعلى نسبة من الأصوات، ولم يحصل أيّ منهم على الأغلبية المطلقة، بعد فشل القوى الثورية في التوافق حول مرشح رئاسي واحد لخوض الانتخابات الرئاسية، وفي يومي 16 و17 يونيو 2012 أجريت الجولة الثانية من الانتخابات بين مرسي وشفيق وسط انقسام وتحزب شديد في الشارع المصري بين مؤيدي الطرفين، وإحباط بالغ من التيار الثوري الذي كان يرى في كلٍّ منهما انتكاسة للثورة.

كانت جولة الإعادة في انتخابات الرئاسة قد انقضت، وتأخر الإعلان عن نتائج فرز الأصوات مما أثار الشكوك حول جدية تسليم السلطة، وفي الوقت نفسه تردد أن هناك لقاءات قد تمت بين شفيق وأطراف في المعادلة السياسية المصرية، كان بعضها ذا توجهات إسلامية، وبينهم قيادات كبيرة في التيار السلفي ترفض أسلوب الإخوان وطريقتهم، وبعدها بوقت قصير أُعلن عن مؤتمر صحفي مرتقب للفريق أحمد شفيق، بعدها بساعات كان د. محمد البلتاجي القيادي بجماعة الإخوان يتحرك في عجالة لإعداد لقاء مع قوى سياسية عديدة من أجل تنظيم لقاء مع محمد مرسي يجمع رموزًا وطنية وثورية من جميع التيارات، رغبة في استعادة الزخم الشعبي مرة أخرى خوفـًا من تزوير نتائج الانتخابات.

دعا البلتاجي الدكتور محمد البرادعي، إلا أن البرادعي رفض في البداية، فتكرر الاتصال من جانب د. عصام العريان وهو الأكثر قبولًا لدى البرادعي، واستطاع إقناع هذا الأخير الذي وعد بالحضور بصحبة د. علاء الأسواني والصحفي وائل قنديل المتحدث الرسمي باسم حزب «الدستور» آنذاك، ثم دعا البلتاجي أحمد ماهر منسق حركة 6 أبريل، ود. شادي الغزالي حرب، والكاتبة سكينة فؤاد، والإعلامي حمدي قنديل، ود. عبد الجليل مصطفي المنسق العام الأسبق للجمعية الوطنية للتغيير، ود. حسن نافعة، ود. سيف الدين عبد الفتاح، وم. وائل خليل، ووائل غنيم إلى جانب بعض الشخصيات السياسية الأخرى، بينما رفض بعضهم الاخر الدعوة بسبب العجلة التي تم بها الاجتماع، ولاحقـًا تم الاتفاق على عقد هذا الاجتماع في فندق «فيرمونت المطار» بحي مصر الجديدة في قاعة «تركواز» الواقعة بالطابق تحت الأرضي مساء الخميس 21 يونيو، أي بعد انقضاء المرحلة الثانية من الانتخابات بأربعة أيام كاملة، في الوقت نفسه الذي كان الفريق شفيق يعقد مؤتمره الصحفي بفندق ماريوت.

كان رأى د. عبد الجليل مصطفي هو مقاومة وصول جنرال الثورة المضادة بكل السبل، ودعم محمد مرسي ولو كان بطعم العلقم، وحتى لو لم يكن الاختيار الأمثل للثورة؛ لأن القبول بشفيق خيانة كاملة لمبادئ الثورة وقيمها وأهدافها، وحتى لو كان مجرد دعم معنوي فقط لا تأثير له فعليًا على نتائج الانتخابات، فقط الوقوف ضد محاولات تزويرها فحسب.

مساء الخميس وفي الموعد المحدد تم إغلاق الدور الذي يجري فيه الاجتماع من الجهتين تحت إشراف كوادر الإخوان، وطاقم الحراسة المعين من قبل وزارة الداخلية لحماية محمد مرسي، وبدأ استقبال المدعوين، وبينما كان الحضور يتوافد انتظر محمد مرسي في الجناح 130المجاور الذي تم حجزه باسم شخص يدعى عبد الله، حتى ينتظر اكتمال حضور المدعوين، وفي الحادية عشرة مساء دخل المرشح الرئاسي ورحَّب بالحضور، ثم بدأ شرح الموقف السياسي الحالي، مركزًا على الخطر الذي سيداهم جميع المشاركين في ثورة[email protected]# يناير في حالة عدم تكاتفهم، فقام د. علاء الأسواني بمقاطعة مرسي قائلًا: «أنتم السبب فيما يحدث الآن بالبلد، وأنتم من تركتمونا بعد دخولكم البرلمان، وأنتم سبب نجاح الفريق شفيق»، وأعلن الأسواني أنه لم يحضر الاجتماع إلا لقناعته بالتحالف ولو مع الشيطان ضد المرشح أحمد شفيق، وأضاف: «لم أحضر حبًّا فيكم، فأنتم خادعتم الجميع»، ثم تحدثت سكينة فواد فأعلنت رفضها الإعلان الدستوري المكمل، مؤكدة أن جماعة الإخوان هي السبب في إصداره، واستمر انتقاد الحاضرين لسلوك جماعة الإخوان دون إعطاء فرصة لمرسي الذي فوجئ بهجوم محموم من الجميع، تركزت في نقد استعلاء الجماعة على جميع القوى السياسية خلال الشهور الماضية، وإصرارها على الاستفراد بالمشهد السياسي بعد أن تصدرته عقب الانتخابات البرلمانية، ونقض وعودها السابقة، والدفع بمرشح إخواني في الانتخابات الرئاسية، مما تسبب في دفع الآلاف – وخصوصًا المسيحيين – للتصويت لصالح أحمد شفيق خوفًا من وصول الإخوان للحكم، وها هي الثورة قاب قوسين أو أدني من العودة لنقطة الصفر حال وصول شفيق للكرسي، وكاد الاجتماع أن يفشل تمامًا، لولا تدخل الإعلامي الكبير حمدي قنديل، وتأكيده ضرورة الخروج من الاجتماع بموقف وطني، مما امتص حالة التوتر وأعاد الهدوء إلى القاعة.

عرض مرسي الموقف بتفاصيله، ودار حديث طويل عن حالة التفتت التي حدثت في الجماعة الوطنية منذ الاستفتاء الشهير، ومضت المناقشات صريحة وتخللتها اعترافات بأخطاء ارتكبت بحق الثورة والثوار، وبدا أن روح الاصطفاف الوطني يمكن أن تعود مرة أخرى في مواجهة تجاوزات المجلس العسكري غير الدستورية مثل الإعلان الدستوري المكمل، والضبطية القضائية للعسكريين، وحل مجلس الشعب، وتشكيل مجلس الدفاع الوطني، و الحل يكمن في إعادة تشكيل جبهة وطنية تتصدى للبديل المخيف

بدون مقدمات قام د. علاء الأسواني والكاتبة سكينه فواد بالانسحاب من الاجتماع في تمام الساعة الثانية عشرة والربع، لكن الاجتماع استمر حتى الساعة الواحدة وخمسة وأربعين دقيقة من فجر الجمعة، بعد التوصل إلى توافق مشترك على تشكيل جبهة وطنية لإدارة الأزمة وشراكة وطنية واسعة بين كل القوى الوطنية بكل تياراتها، واستقر رأي الحاضرين على عقد مؤتمر صحفي ظهر اليوم التالي الجمعة يُعلن فيه بيانًا يتم الاتفاق عليه بين القوى المشاركة، ويقوم بصياغته حمدي قنديل، وبالفعل تم الاتفاق على صياغة بيان مشترك يعبر عن هذه الروح ويكون بمثابة وثيقة بين الجماعة الوطنية، وتمكن الاجتماع من الخروج بالحد الأدنى من التوافق، رغم الخلافات الشديدة التي سادته، حيث تعهد مرسي بتنفيذ بنود الاتفاق بعد مناقشات امتدت لساعات، على أن يلتقي المشاركون بعد ظهر اليوم التالي الجمعة 22 يونيو بالفندق نفسه لإطلاق هذا الاتفاق في مؤتمر صحفي عالمي كما يلى نصًا:

«اجتمع اليوم مجموعة من الرموز والشخصيات الوطنية والشبابية مع الدكتور محمد مرسي، وذلك للحديث حول الأزمة الراهنة في ضوء الخطوات التي قام بها المجلس العسكري بدءًا من تمرير قرار الضبطية القضائية وتشكيل مجلس الدفاع الوطني إلى حل مجلس الشعب وإصدار إعلان دستوري ينتزع من الرئيس سلطاته وصلاحياته، وأخيرًا تأخير نتائج الانتخابات الرئاسية بما يثير الشكوك حول جدية تسليم السلطة في مصر بشكل ديمقراطي، وقد أعرب الجميع في الاجتماع عن رفضهم لأي تزوير لإرادة الشعب في اختيار رئيسه، وعن رفضهم لممارسات المجلس العسكري الأخيرة وما يجرى حاليا من تضليل للرأي العام عبر وسائل الإعلام المسموعة والمرئية، وقد اتفق الحاضرون على ما يلي:

أولًا: التأكيد على الشراكة الوطنية والمشروع الوطن الجامع الذي يعبر عن أهداف الثورة وعن جميع أطياف المجتمع المصري ومكوناته، ويمثل فيها المرأة والأقباط والشباب.

ثانيًا: أن يضم الفريق الرئاسي وحكومة الإنقاذ الوطني جميع التيارات الوطنية، ويكون رئيس هذه الحكومة شخصية وطنية مستقلة.

ثالثًا: تكوين فريق إدارة أزمة يشمل رموز وطنية للتعامل مع الوضع الحالي وضمان استكمال إجراءات تسليم السلطة للرئيس المنتخب وفريقه الرئاسي وحكومته بشكل كامل.

رابعًا: رفض الإعلان الدستوري المكمل، والذي يؤسس لدولة عسكرية، ويسلب الرئيس صلاحياته ويستحوذ السلطة التشريعية، ورفض القرار الذي اتخذه المجلس العسكري بحل البرلمان الممثل للإرادة الشعبية، وكذلك رفض قرار تشكيل مجلس الدفاع الوطني.

خامسًا: السعي لتحقيق التوازن في تشكيل الجمعية التأسيسية بما يضمن صياغة مشروع دستور لكل المصريين.

سادسًا: الشفافية والوضوح مع الشعب في كل ما يستجد من متغيرات تشهدها الساحة السياسية.

ونؤكد بوضوح استمرار الضغط الشعبي السلمى في كل أرجاء الجمهورية حتى تتحقق مطالب الثورة المصرية ومطالب جميع المصريين، هذا ويهيب الجميع بالرموز الوطنية ومختلف أطياف الشعب المصري بالاصطفاف معًا حماية لشرعية اختيار الشعب لرئيسه وتحقيقـًا لأهداف ثورته في بناء دولة مدنية بما تعنيه من دولة ديمقراطية دستورية حديثة تقوم على العدالة الاجتماعية وحماية الحقوق والحريات والمواطنة الكاملة بما يتفق ووثيقة الأزهر الشريف»

أشاع الإعلام وقتها من مؤيدي النظام السابق أن تلك الاتفاقية كانت بغرض حث الشارع على التصويت لمرسي، واُتهم التيار الثوري بـ«عصر الليمون» كناية عن اختيار السيئ بديلًا عن الأسوأ، وهو ما كان مستحيلًا بالمرة؛ لأن هذا الاجتماع وتلك الاتفاقية تمت بعد أربعة أيام كاملة من انتهاء المرحلة الثانية والأخيرة من الانتخابات، أي أنها لم يكن لها أي تأثير فعلي على نتيجة الانتخابات، وإنما كانت بغرض حشد الشارع والرأي العام ضد حدوث تزوير متوقع في النتيجة لترجيح كفة شفيق، ومحاولة الحصول على ضمانات من مرسي تضمن مدنية الدولة وتمثيل الاقباط والشباب والمرأة، وتحقيق التوازن بين أعضاء الجمعية التأسيسية للدستور، دون أية تنازلات تذكر من ناحية التيار الثوري، وعليه فإن الذين قبلوا الجلوس مع مرسي على طاولة المفاوضات لم يفعلوا ذلك بهدف دعمه انتخابيًّا، بل لتشكيل جبهة من القوى الوطنية تحتشد للدفاع عن الثورة وحمايتها من المتربصين بها من الإخوان قبل مؤيدي النظام السابق، ومن ثم فأسطورة «عصر الليمون» التي أثارها أبناء مبارك، خصوصًا مع انحراف مرسي وجماعته عن تنفيذ بنود الاتفاقية والسير قدمًا في تأسيس دولة الإخوان الدينية، ومحاولة إلقاء اللوم على التيار الثوري واتهامه أنه السبب في وصول الإخوان للحكم، لا تتعدى كونها أكذوبة عارية تمامًا عن الصحة، صدقها الناس من كثرة ترديدها واعتبروها حقيقة لا تقبل النقاش.

The post هدم الأساطير.. أسطورة عصر الليمون – ج3 appeared first on ساسة بوست.

iNewsArabia.com > أخبار مختلطة > ساسة بوست