هدم الأساطير .. أسطورة «مسافة السكة» – ج8 العبارة السلام 98

في الثاني من فبراير (شباط) 2006 كان المصريون على موعد مع مأساة جديدة:
في الساعات الأخيرة من يوم 2 فبراير (شباط) اشتعل حريق طفيف بالـ«عبارة السلام 98» في عرض البحر ، وهي في طريقها من ميناء ضباء السعودي إلى ميناء سفاجا المصري، لم يلبث أن أمتد الحريق إلى باقي العبارة في دقائق قليلة، و سرعان ما بدأت العبارة في الغرق مع بداية يوم الثالث من فبراير (شباط)، وغرقت العبارة السلام 98 المملوكة لرجل الأعمال «ممدوح إسماعيل» ونجله «عمرو» على بعد 75 ميلًا من شاطئ الغردقة على ساحل البحر الأحمر، وعلى متنها 1415 راكبًا وبحارًا و220 سيارة.
1415 مصري ظلوا يصارعون الموت في مياه البحر لمدة خمس ساعات كاملة، ولم تتدخل وحدات الإنقاذ لانتشالهم، إلا بعد مرور 17 ساعة من غرق العبارة، بعد أن صاروا جثثًا هامدة، بينما أكد العديد من الركاب أن القبطان كان أول من غادر العبارة، وأنهم شاهدوه يغادر العبارة على متن قارب صغير مع بعض معاونيه، و قد هرب وترك سفينته والركاب مستخدمًا قاربًا صغيرًا يسع ثلاثين شخصًا وحده، في نفس الوقت الذى كان فيه الرئيس المصري «حسني مبارك» يجلس في استاد القاهرة ليستمتع بمباراة مصر والكونغو، ويهلل مع كل هدف يحرزه الفريق المصري في مرمى خصمه، ويلتقط الصور التذكارية مع اللاعبين.
كارثة العبارة لم تبدأ يوم غرقها؛ وإنما بدأت يوم أن سمحت إدارة الموانئ المصرية بدخول سفن متهالكة لا يوجد عليها أي تفتيش يذكر من هيئة السلامة البحرية، اللهم إلا التفتيش الصوري المعتاد في إطار منظومة الفساد والفوضى.
عدد ركاب العبارة المعلن رسميًا هو 1600 راكب، غرق منهم 1415 راكب وبحار حسبما أشارت المصادر الرسمية للدولة، بينما العدد الحقيقي للغرقى لا يعلمه إلا الله، ذلك لأن شركة السلام المالك للعبارة الغارقة كانت تقوم بعمل مميز متكرر قبيل انطلاق أية عبارة مملوكة لها: فكانت تسمح لأى راكب بركوب العبارة قبل انطلاقها بساعتين من الزمن مقابل 100 ريال سعودي (ما يقرب من 200 جنيه مصري) مثلما يفعل سائقو الميكروباصات في مصر
بعد غرق العبارة، كان المشهد أكثر مأساوية وسوداوية، فأهالي ضحايا العبارة عانوا الأمرين في ظل تعتيم وغياب تام للمعلومات عن مصير الضحايا، بل إن حتى مجرد طلب المعلومة كان تترجم إلى إهانات وأذى بدني بمعرفة قوات الأمن المصرية، حتى في محاكمة المسئولين عن حادثة غرق العبارة السلام 98 لعبت الشرطة المصرية أقذر أدوارها التراجيدية على الإطلاق، فتواجدت الشرطة لتحمي محامي ممدوح إسماعيل مالك العبارة الهارب، واعتدت على أهالي الضحايا المكلومين بمناسبة وبدون مناسبة، أما حجم معاناة أسر الضحايا من هيئة موانئ البحر الأحمر ووزارة النقل وشركة السلام، فقد وصل إلى حد غير مسبوق؛ مما أدى إلى حدوث اعتداءات بين أسر الضحايا وقوات الأمن المصرية وصلت إلى إلقاء الحجارة من أهالي الضحايا، فى حين أن الشرطة المصرية قامت بإطلاق الخرطوش والغازات المسيلة للدموع عليهم؛ مما ضاعف من حنق الشارع على مبارك ونظامه أكثر وأكثر.
في كتابه «الثورة التائهة»، يروي «عبد العظيم حماد» رئيس تحرير الأهرام سابقًا، شهادة خطيرة من النائب «حمدي الطحان» عن لقاءات لجنة تقصي الحقائق بمسئولي القوات المسلحة خلال إعدادها للتقرير الذي كان الرأي العام ينتظره بشغف، حيث جرى اللقاء الأول يوم 16 فبراير (شباط) 2006 وضم «حمدي الطحان» و«محمد أبو العينين» و«أمين راضي» كممثلين للجنة، أما ممثلو القوات المسلحة الذين حضروا اللقاء فقد كان كل من اللواء «مصطفى السيد» رئيس هيئة عمليات القوات المسلحة وقتها ومحافظ أسوان بعد الثورة، واللواء «مختار السعيد» رئيس مركز البحث والإنقاذ بالقوات المسلحة آنذاك، واللواء «ممدوح شاهين» رئيس فرع المؤسسات الدستورية والسياسية بالأمانة العامة لوزارة الدفاع وقتها، وشخص غير محدد الهوية يرتدي الملابس المدنية، كانت البداية ساخنة جدًا على عكس ما توقع الجميع، حيث يروي الطحان أن «اللواء السعيد» قال: إن الحادث وقع في منطقة لا تشكل جزءً من منطقة البحث والإنقاذ الواقعة في دائرة اختصاص القوات المسلحة، فرد عليه الطحان بشكل قانوني، قائلًا له: إن مصر وقعت على اتفاقيتين دوليتين يلزمانها بألا يكون البحث ضمن حدود المياه الإقليمية فقط، وعندما أسقط في يد اللواء السعيد من الناحية القانونية؛ إذا به يرد على الطحان بحجة أخرى، وهي: أن الإدارة تتلقى مئات الإشارات المستغيثة للبحث والإنقاذ، ولا يمكن تلبيتها جميعًا، وقال بالعامية بسخرية واضحة «هو كل ما تيجي إشارة نطلع؟» ، فرد الطحان «يا سيادة اللواء أنت ضابط..فهل ما تقوله معقول؟»، فرد بعدوانية واضحة «يعني إيه ضابط؟»، فقال الطحان «بلاش ضابط..أنتم جيش»، فقال السعيد بدرجة عدوانية أعلى «عرفني يعني إيه جيش؟»، فقال الطحان متمالكًا أعصابه «إن البلد تنفق على الجيش لغرض واحد هو الدفاع عن أمنها وأرواح أبنائها، وإذا لم يقم الجيش بهذا الواجب، فلا داعي إذن لوجوده»؛ ليحتدم الموقف ويتدخل اللواء «مصطفى السيد» مقترحًا استراحة قصيرة لشرب القهوة، وبعد الاستراحة تم استدعاء وفد اللجنة للقاء «المشير طنطاوي» في مكتبه، ليدخل عليهم بعد ربع ساعة مشدودًا ومتجهمًا، مما يوحي أنه كان يتابع اللقاء من مكتبه بطريقة ما، ليفاجأ الجميع به يبادر الطحان بقوله «القوات المسلحة لا تُسئل ولا يُحقق معها، القوات المسلحة فوق المساءلة وفوق التحقيق، هي تحمي الشرعية ولا يؤتى بسيرتها حتى في مجلس الشعب»، ردًا على ما قاله الطحان في مجلس الشعب من أن القوات المسلحة لم يكن لها أثر في اليوم التالي لوقوع الحادث، وكان المشير يتوقع أن يسكت الطحان بعد كلامه، لكنه فوجئ به يرد عليه بهدوء شديد، قائلًا: أنه لم يكن يوجه اتهامات، بل كان يسأل عن وقائع محددة حول تأخر القوات المسلحة في تلبية نداءات الاستغاثة، فرد المشير قائلًا «إن أحدًا لم يبلغ القوات المسلحة»، لكن رده كان مرتبكًا هذه المرة؛ مما جعل الطحان يدرك حين ذاك أن المشير ليس بالحزم والصرامة اللذين حاول أن يبدو عليهما، إدراك الطحان جعله فيما يبدو لا يكتفي بما قاله المشير، بل يستغل فرصة مواجهته به ليثير نقطة أخرى في غاية الأهمية والأسى، وهي أن حادث غرق العبارة وقع يوم الجمعة، ومع ذلك فحتى صباح الأربعاء لم يكلف أحد خاطره بإرسال سيارات ثلاجة لنقل جثث الضحايا؛ مما دفع الطحان إلى الاتصال بـ«زكريا عزمي» رئيس ديوان «حسني مبارك» ليحث الجهات المسئولة على إرسال عشر سيارات نقل بثلاجات لنقل جثامين الضحايا إلى ذويهم لدفنها، بدلًا من تركها مرصوصة في العراء، مما يفوق طاقة الاحتمال البشري، وبما يضاعف آلام الأسر والأقارب، وأنه بادر إلى الاتصال بمحافظ البحر الأحمر مطالبًا إياه بالطلب نفسه، لكن المحافظ تعلل بأن محافظته لا تملك هذا النوع من السيارات، فقال له «استأجرها يا أخي»، ولكن لا رئيس الديوان ولا المحافظ فعلًا شيئًا، فسأل الطحان المشير «أين كانت إذن القوات المسلحة، وأنا أعلم أن لديها عددًا كبيرًا من هذه السيارات؟»، وهنا مرة أخرى قال المشير «لم يعطنا أحد خبر ولم يطلب منا أحد شيئًا»، والغريب أنه بدلًا من أن يستغل المشير هذه الفرصة لبحث كيف يمكن تفادي ما حدث من تقصير، قرر أن يلجأ إلى الطريق الأسهل من وجهة نظره، وهو البحث عن وجود دوافع خفية لدى الطحان تجعله يثير كل هذه الأسئلة، فإذا به يغير مجرى الحديث، ويسأل الطحان «لماذا تتخذ موقفًا عدائيًا من القوات المسلحة؟»، وكان من السهل على الطحان دحض هذه التهمة؛ لأنه خدم ضابطًا احتياطيًا وكان من خريجي دفعة 1968 من كلية ضباط الاحتياط، ليستعيد الطحان الزمام قائلًا «كل ما نطلبه هو تقرير رسمي منكم؛ يثبت هذه الحقائق حتى نحاسب المقصرين الذين لم يبلغوكم».
فيما بعد أرسلت القوات المسلحة التقرير بالفعل، لكنه كان مغلوطًا ومغالطًا، ومع ذلك فقد كان بالغ الأهمية والفائدة؛ لأنه ادّعى أن مركز البحث والإغاثة التابع للقوات المسلحة لم يتلق أية إشارات حول الحادث، لا هو، ولا أية جهة تابعة للقوات المسلحة، وهو ما ثبت أن كله مخالف للحقيقة، فهذا المركز وحده تلقى خمس إشارات؛ لأن نظام الإنذار المطبق به يعمل أوتوماتيكيا، والأدهى أن جهاز الاستقبال في المركز أُغلق بفعل فاعل بعد الإشارة الخامسة، أما المحزن فهو أن القوات المسلحة لديها مركز آخر تكلف إنشاؤه بمعونة أمريكية 100 مليون دولار، تحت مسمى «جهاز مراقبة الشواطئ والسفن» لخدمة الملاحة العالمية بين البحرين المتوسط والأحمر، والتي تحمل كل عام حوالي 17 ألف سفينة، وكان هذا المركز قد تسلم قبل حادث العبارة سبعة «لنشات» إنقاذ سريعة ذاتية الاعتدال، أي أنها تعود إلى وضعها الصحيح ذاتيًا، إذا تعرضت لأي حادث يجعلها تنقلب في أثناء إبحارها، ولكن هذه اللنشات مثلها مثل غيرها من معدات الإنقاذ الجوي والبحري، ظلت واقفة في أماكنها ، بينما كان المصريون الفقراء يصارعون الأمواج طوال يومين كاملين، حتى لقوا وجه ربهم؛ ليشكوا إليه ظلم حكامهم وقادتهم العسكريين.

وبمجرد الخروج من مبنى وزارة الدفاع تطوع رجل الأعمال «محمد أبو العينين» بتصريح لم يستأذن فيه الطحان بصفته رئيس اللجنة كما سبق الاتفاق بينهما، حيث قال بأن محطة الاستغاثة الدولية التابعة لهيئة «اللويدز» في الجزائر لم تبعث إلى مصر بإشارة الاستغاثة، وأن مصر سوف تحاسب الجزائر على هذا التقصير، وعلى الفور بعث السفير الجزائري في القاهرة إلى كل الجهات المعنية بخطاب رسمي موثق يفيد تلقي سفارته عدد 16 استغاثة من الجزائر، وأن جميع هذه الإشارات قد أُرسلت إلى الجهات المصرية المعنية، وبهذه الرسالة يبلغ عدد الإشارات المرسلة من السفارة الجزائرية بالقاهرة 17 إشارة.

لكن ما هو التفسير الذي يجعل قادة القوات المسلحة يتجاهلون كل هذه الإشارات الموثقة، والتي كان يمكن أن تنقذ الكثير من الركاب الذين ظلوا يصارعون الأمواج لساعات؟ يسأل «عبد العظيم حماد» كل المختصين والمعنيين، فلا يجد إجابة مقنعة غير الإجابة التالية، تقول الروايات الرائجة إن القواعد التي وضعها مبارك استلهامًا من القذافي لتأمين النظام من الانقلابات العسكرية كانت هي السبب في عدم قيام القوات المسلحة بدورها في إنقاذ ركاب العبارة، وقد ألمح إلى هذه القواعد الدكتور مصطفى الفقي في برنامجه التليفزيوني «سنوات الفرص الضائعة»، قائلًا «أن سلاح الجيش المصري في مكان وذخيرته في مكان آخر والوقود في مكان ثالث، ولا بد من قرار من القائد العام شخصيًا للجمع بين الثلاثة للقيام بأية مهمة»، ولما كان حادث العبارة قد وقع بعد منتصف الليل، فلم يجرؤ أحد على إيقاظ القائد العام وقائده الأعلى
تم تداول القضية على مدى 21 جلسة طوال عامين استمعت خلالها المحكمة لمسئولين هندسيين وبرلمانيين وقيادات في هيئة موانئ البحر الأحمر وهيئة النقل البحري، وتم الحكم في قضية العبارة في يوم الأحد 27 يوليو (تموز) 2008 في جلسة استغرقت 15 دقيقة فقط ببراءة جميع المتهمين، وعلى رأسهم ممدوح إسماعيل مالك العبارة ونجله عمرو، الهاربان بلندن وثلاثة آخرون هم «ممدوح عبد القادر عرابي، نبيل السيد شلبي، ومحمد عماد الدين»، بالإضافة إلى أربعة آخرين انقضت الدعوى عنهم بوفاتهم، بينما عاقبت المحكمة «صلاح جمعة» ربان الباخرة سانت كاترين بالسجن لمدة ستة أشهر مع إيقاف التنفيذ، ودفع غرامة بقيمة عشرة آلاف جنيه مصري بتهمة عدم مساعدة السلام 98.

The post هدم الأساطير .. أسطورة «مسافة السكة» – ج8 العبارة السلام 98 appeared first on ساسة بوست.

iNewsArabia.com > أخبار مختلطة > ساسة بوست