خوذة ممبرينو العظيم!

في واحدة من أعظم الأعمال الأدبية التي صاغها الروائي الإسباني سربانتس رواية «دون كيشوت» التي تُحدثنا عن قصة جنون بطل الرواية السيد دون كيشوت.

بطل الرواية هو رجل هزيل تعدى الخمسين من عمره يعيش في إسبانيا في بدايات القرن السادس عشر، أفنى حياته في قراءة كتب الفروسية وقصص أبطالها العظام، وفي دراسة طريقة الفروسية الجوالة التي انقرضت منذ زمن بعيد.

كُتب السيد دون كيشوت كانت مليئة بالأكاذيب والمبالغات، ولكنه كان يصدقها ويؤمن بكل حرف فيها كما يؤمن بوجود ذاته، ولأن بطلنا هذا شخص حامي الطبع فقد رأى أنه لا بد أن يعيد أمجاد الفروسية الجوالة، وأن يقوم هو لا غيره بإعادة هذه الطريقة إلى الوجود مرة أخرى وأن يسعى إلى نشر الخير في ربوع الأرض وإغاثة الملهوف والمظلوم ومساعدة الضعفاء ومحاربة المردة والشياطين.

بدأ السيد الواهم بإعداد نفسه للخروج في مهمته الجليلة، أخرج سيفًا قديمًا ورثه من أجداده، ودرعًا وخوذة مكسورة حاول إصلاحها قدر المستطاع، وبما أنه لا بد للفارس من جواد فلم يجد بطلنا غير فرسه الهزيل ليمتطيه، وبما أنه أيضا لا بد للفارس من حامل سلاح، فقد استقر رأيه على أن يستعين بسنشو الفلاح السمين الساذج ليقوم بهذه المهمة.

وعلى هذه الهيئة المضحكة والغريبة، خرج السيد البطل ومعه حامل سلاحه لينشر الحق والعدل والخير في كل أنحاء الأرض، ويقوم بمغامرات الفرسان الجوالة من جديد.

كان أول ما شاهده دون كيشوت هو طواحين الهواء، فهيأت له أوهامه أنها شياطين لا بد من محاربتها، اعترض سنشو طريق سيده وأخبره أنها طواحين هواء وليست شياطين كما يدعي، ولكنه لم يقتنع وذهب لمحاربتها وحاول غرس الرمح في الطواحين الهوائية فعلق ذراعه بها وألقته في الهواء ثم على الأرض يتأوه من أثر السقوط، ولكن السيد دون كيشوت لم يعترف أبدا أنها طواحين هواء، وقال لسنشو لا بد أن الشياطين والمردة قامت بسحره ولم يستطع أن يتغلب عليها.

وفي مغامرة أخرى من مغامرات السيد البطل، رأى رجلًا قادمًا على حماره ويرتدي على رأسه شيئًا ذهبيًّا يلمع في الشمس، على الفور وكعادته سيطرت الأوهام التي قرأها في كتبه الكاذبة عليه، وقال لسنشو إن الشخص القادم عليهما يرتدي الخوذة الذهبية لممبرينو العظيم.

وعلى الفور عندما اقترب هذا الشخص منهما، انقض عليه دون كيشوت وجندله أرضا فتفاجأ الرجل وترك حماره وخوذته وهرب، لم تكن خوذة في واقع الأمر كانت صحن حلاقة نحاسي وكان هذا الشخص حلاق القرية المسكين وليس فارسًا ولم يسمع عن ممبرينو هذا من قبل، لكن دون كيشوت اقتنع أنها خوذة ممبرينو العظيم وقرر إصلاحها وارتداءها، على الرغم من شكلها المضحك وعلى الرغم من أن سنشو أدرك تماما أنها صحن حلاقة وليست خوذة، إلا انه لم يعارض سيده في هذا الأمر على الرغم من عدم اقتناعه.

ولم يكن سنشو يعارض سيده مطلقا -فبخلاف سذاجته- فقد كان ينتظر بفارغ الصبر انتصار سيده على أحد الممالك ثم تعيينه ملكًا عليها وكان هذا كل ما يشغل باله.

وفشل وراء فشل سارا سويا -دون كيشوت وسنشو- لا يحاول أحدهما أن يفكر في أسباب الفشل التي تواجههما سوى أن السيد دون كيشوت يعزي كل هذا إلى السحر الأسود، ولم يفكرا إطلاقا في أسباب منطقية تدعوهم لمراجعة أنفسهم أو التخلي عن هذه الأوهام.

انتهت القصة بفشل دون كيشوت وانتهاء حياته بعد أحد محاولاته الفاشلة والواهمة، ومات دون أن يحقق شيئا واحدا من كل هذه الأحلام العريضة، التي تمنى تحقيقها وضحى بحياته وأمواله في سبيلها.

تحكي لنا القصة بطريقة أراد لها الكاتب أن تكون فلسفية ومضحكة في آن واحد، أنه لا يكفي أن يكون لك غايات عظيمة وأهداف نبيلة إذا اتخذت طرق وأدوات خاطئة لتحقيقها.

قصة البطل دون كيشوت -وهو ليس بطلا بالمرة- وتابعه سنشو بانثا لها إسقاطات كثيرة في الواقع وربما هذا ما يجعل الرواية ذات قيمة ومكانة على الرغم من مرور مئات السنين على صدورها، لن أتحدث عن إسقاطاتها بالطبع ستفهمها وحدك يا صديقي.

The post خوذة ممبرينو العظيم! appeared first on ساسة بوست.

iNewsArabia.com > أخبار مختلطة > ساسة بوست