فزاعة الاستبدال

الجمع من حولك يمضي كلٌ في طريقه، أنت وحدك تقف لتقاتل وتناضل، تتمسك بالقضايا وتدافع عن الحقوق، تمد يد العون لهذا وذاك، لا تخشى شيئًا إلا الاستبدال، يقتلك إحساس العجز إذا ما رأيت أحدهم أقدر منك على المساعدة ويندفع لعقلك كل حكاية وراوية سمعتها أو رأيتها عن أقوام استبدلوا بغيرهم فنفع الله بهم وعملوا وعلمّوا ما لم يقدر عليه غيرهم.

الاستبدال في اللغة هو مصدر استبدل ومدته «بَدَلَ» وتعني ترجيح شيء على شيءٍ وتغليبه وذُكر في القرآن في غير موضع – كلها- تجعل قلبك ينخلع من الفزع وتخشاه في اليوم والليلة مئات المرات فيقول «إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا»، ويقول «وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ» وقد ذُكر بغير تصريح واضح في قوله «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ»، فمن معلوم أن الاستبدالَ سنةٌ من سنن الله في الأرض، سنةٌ ثابتةٌ راسخةٌ لا تتغير، حينما يسكن الجمع ويولي كل واحد منهم الدبر فلا يلوي على شيء ولا يهتم إلا بما يُصلحه هو لا علاقة ولا رابط يجمعه بغيره، حينما يُستضعف الفقراء ويستبد الأغنياء وتتحول الأرض إلى مظلمة كبيرة لا حد لها ولا نهاية، حينما يُستباح العرض ويُنتهك الدين وتُصبح الدماء شراب علية القوم يأتي الاستبدال ليضع حدًا فاصلًا لكل هذا؛ لكن أن تُستبدل وحدك ويستعمل الجمع لهو الخوف الأكبر والفزاعة الأشد تخشى مع كل موقع تتركه أن يكون استبدالاً، ومع كل خيرٍ تقصر يدك عنه أن يكون بدايةً، تخشى أنك لُعنت بلعنةٍ لطالما لحقت بالأمم والأفراد قبلك، أن تُصبحِ مستبدلاً.

عليك أن تعرف أولاً أن الاستبدال لا يعني بالضرورة تركك لثغر أو قصور يدك عن مد العون لمحتاج، الاستبدال ذو مفهوم أوسع وقاعدة أشمل، الاستبدال هو أن تكون يدك قادرة على المساعدة فتقصرها طواعيةً، أن تستبدل من كل الثغور فتجد نفسك وحدك تلهث وراء مصلحتك الخاصة غير مكترث بتبعاتها على الآخرين وعواقبها على أمتك، ستجد نفسك في النهاية معطوبًا متوقفـًا حتى حاجاتك لن تقضيها وحلمك لن تحققه.

تقول صديقة في إحدى حكاياها أن شجرة الموز لا تثمر إلا مرة واحدة في حياتها، بعدها تبدأ الفسائل في النمو فيأخُذها الزارع ليستبدلها ببناتها فتثمر الواحدة وتُزهر، وهكذا تتكرر العملية فيَنبت من نسل الشجرة الواحدة مئات الأشجار، تقف هنا لتسأل «هل أن الشجرة الأم قصرت؟ أم أنه تم الاستغناء عنها؟ هل هذا يعني استبدال؟»، ستجد نفسك تجيب أن لا، الشجرة المسكينة أدت دورها كما شاء الله لها، أزهرت وتركت وراها جيشًا كاملًا يُنبت ويُثمر.

أن تترك ثغرًا وتمضي، أن تقرر أن هذا المكان لا يُصلح لك أو أنك لا تصلح لتجاهد هنا لا يعنى بالضرورة أن استعمالك انتهى وأن سنة الاستبدال بدأت تأخذ مجراها عليك، قد يكون من المقدر لك أن تُستعمل في مكانٍ أعظم وتخوض غمار حربٍ أَجل.

طالما أنك رُزقت همة وتستطيع استثمارها في هدى أمةٍ وإصلاح طريق فأنت لست مستبدلاً أنت مُستعمل في جانبٍ قد لا تكون تعيه، لكن عليك ألا تركن لأنك مُستعمل وقف لتسأل نفسك في اليوم والليلة هل هذا الطريق هو طريق الاستعمال الصحيح أم أنه استبدال تزين فأُعملت الهمة فيما لا ينفع وضاع الشغف سُدى فيما لا يُفيد، واسأل الله استعمالاً فيما يُرضيه.

The post فزاعة الاستبدال appeared first on ساسة بوست.

iNewsArabia.com > أخبار مختلطة > ساسة بوست