أحداث جنوب السودان تكشـف عن وضع سياسي وقبلي هـــشّ

يعتقد أكثر من محلل أن الأحداث الأخيرة في جنوب السودان من أكبر مهددات الاستقرار في هذا البلد الوليد. ويتساءل البعض ما اذا كان ما حدث هو فعلاً محاولة انقلابية جاءت قبل المخاض؟ أم اقتتال بين قبيلتي النوير والدينكا اللتين ينتمي إليهما الرئيس سلفاكير ونائبه السابق ريك مشار؟

إصلاحات عاجلة:

الحركة الشعبية، وفقاً لمشار، أصبحت بلا دفة وتعج بالدكتاتورية وبحاجة إلى إصلاحات عاجلة لبث روح الديمقراطية فيها. وما يثير القلق هو احتمال أن يبعد نظام سلفاكير قادة رئيسين يمثلون قطاعات مهمة من مجتمع جنوب السودان في هذه المرحلة المبكرة من تطور الدولة.

هناك بالفعل أعمال عنف مستمرة في أجزاء مختلفة من جنوب السودان قبل الأحداث الاخيرة، إلا انها لم تكن تستهدف الجيش، ولم تهدد الوضع الإنساني والسياسي هناك، مثل ما حدث من اشتباكات الاحد قبل الماضي، بين فصائل الجيش الشعبي لتحرير السودان، التي راح ضحيتها عدد من المدنيين والعسكريين. كما أن اعتقال 10 أو أكثر من كبار الشخصيات في الحركة الشعبية لتحرير السودان والبحث عن الآخرين هو أيضا حدث غير مسبوق، حيث امتد العنف من العاصمة جوبا إلى ولاية جونقلي، ولم تكن هذه الاحداث مفاجئة.

كشفت هذه الاحداث انقساماً متزايداً داخل الحركة الشعبية لم يكن واضحاً من قبل، وكشفت أيضا احتمال نشوب نزاع عنيف يتكشف يوما بعد يوم بين جماعتين متنافستين يقود احداهما سلفاكير والثانية مشار.

يبدو أن السوابق التاريخية للأزمة الحالية، لاسيما «محفزاتها » واضحة تماما في الآونة الأخيرة، منها إقالة مشار كنائب لرئيس الجمهورية، إلى جانب اقالة عدد من الوزراء، وتعليق نشاط الأمين العام للحركة الشعبية، باقان أموم، ما أعطى أقوى إشارة بأن الحركة الشعبية أصبحت في حالة حرب مع نفسها، وقبل ذلك، كان الرئيس قد أصدر مراسيم بعزل واليي ولايتي البحيرات والوحدة.

وفي حين أن الدستور يتيح للرئيس الصلاحيات لفعل ذلك، فإنه ينص أيضا على أن مثل هذه الإقالات يجوز تبريرها لأسباب تتعلق بالأمن الوطني. ولم يكن واضحاً كيف يشكل الواليان تهديداً للأمن القومي، ولكن ربما لأن ولايتيهما تشهدان صراعات بين بعض الطوائف، ولم يستطيعا حلها، الا أن البعض يشير إلى تقاربهما السياسي مع مشار.

المنطق نفسه - على الاقل من وجهة نظر بعض مراقبين داخل وخارج الجنوب - ينسحب على إقالة وزراء في الحكومة واعفاء الامين العالم للحركة ، فضلاً عن إبعاد بعض كبار الضباط من الخدمة العسكرية الفعلية.

وحتى الآن هناك نوعان من القوى السياسية الرئيسة داخل الحركة الشعبية، ففي مؤتمره الصحافي في أعقاب الأزمة، أشار سلفاكير إلى مشار وجماعته بأنهم «مدبرو الانقلاب». ومن المفترض أن تضم المجموعة، من بين آخرين، وزراء ومحافظين أقيلوا أخيراً من بينهم ايضا الأمين العام للحزب الحاكم.

لكن لماذا يعتبر سلفاكير ان كل من يدعم مشار أو يتقرب منه يرتكب خطيئة؟ ربما لأن مشار عبر عن نيته صراحة بأنه سيسعى لاحتلال منصب رئيس الحزب ويترشح للرئاسة - وهما منصبان يريد سلفاكير أن يستأثر بهما لفترة أخرى. وفي حين تم تأجيل مؤتمر الحزب مرات عدة، فمن المقرر أن تجرى الانتخابات عام 2015. ليس هذا كل شيء فقد أعرب مشار علناً عن رأي مفاده أن سلفاكير قد أنجز مهمته كرئيس انتقالي منذ وفاة زعيم الحركة الشعبية والرئيس المفترض لجنوب السودان، جون قرنق عام 2005، ويتعين على الرئيس الآن افساح المجال أمام قيادة جديدة لتقود فترة ما بعد المرحلة الانتقالية.

وفي الوقت الذي يعلن مشار رغبته في احتلال أعلى مقعد في الدولة، فإنه يشير إلى ستة مهام ينبغي أن تضطلع بها القيادة الجديدة للحركة وحكومة جنوب السودان، تتمثل في: محاربة الفساد داخل الحكومة، ومعالجة الفقر والتخلف المستمر، ومعالجة انعدام الأمن في البلاد، وتعزيز الوحدة الوطنية ومحاربة القبلية المتجذرة في الأعماق، وتحسين العلاقات مع المؤيدين والحلفاء السابقين في النضال من أجل التحرير، ووضع رؤية جديدة للحزب،لأن الحركة الشعبية، وفقا لمشار، أصبحت بلا دفة وتعج بالدكتاتورية وبحاجة إلى إصلاحات عاجلة لبث روح الديمقراطية فيها، وتوضيح رؤية الحزب، ويرى مشار أيضا أن المصلحة الوطنية تقتضي أن يتخلى سلفاكير عن منصب رئاسة جنوب السودان قبل عام 2015.

وعلى كل حال، لا ينفي سلفاكير وجود مثل هذه المشكلات، الا أن السؤال المهم هو من القيادي الذي يستطيع ايجاد حلول ناجعة لذلك، وكيف يتسنى له ذلك؟ هذا هو جوهر المسألة. في البداية، لايزال سلفاكير يرى نفسه زعيماً للفترة الانتقالية، حيث لا توجد أي وثيقة تحدد تطور المنصب الرئاسي في دولة جنوب السودان،علاوة على ذلك، يبدو أن الرئيس غير راضٍ عن نائبه الذي يعكس عداء بشكل مفرط ويمارس صراحة أقرب إلى العصيان، ليس من الشائع أن يعلن نائب الرئيس على الملأ أن وقت رئاسة رئيسه قد شارف على الانتهاء، وكلما حدث مثل ذلك فإن الرد هو اقالة ذلك النائب، لهذا ينبغي ألا نتحدث بشيء من المبالغة عن الخطأ الذي ارتكبه سلفاكير في إقالة نائبه. لكن ما يثير القلق هو احتمال أن يبعد نظام سلفاكير قادة رئيسين يمثلون قطاعات مهمة من مجتمع جنوب السودان في هذه المراحل المبكرة من تطور الدولة. لقد حان الوقت لقادة جنوب السودان النظر في مسألة وطنية ملحة، هي الوحدة في التنوع. المشكلة الحالية ليست خلافاً بين النوير الدينكا في حد ذاته، إنما هي أكثر تعقيدا من ذلك، لأن هناك ادعاءات من نظام دكتاتوري من جهة، ومن جهة اخرى هناك مجموعة معارضة غاضبة بشدة على النظام، تجنح إلى المغامرة السياسية لإبعاده.

أبدى الرئيس سلفاكير بالفعل استعداده للقاء مشار، ويدعمه في مثل هذه المحادثات الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة ودول ومجموعات أخرى في العالم، وعلى الأقل يرغب سلفاكير من مناوئيه احترام فترة رئاسته الحالية، وتركه يمارس حقه في الدفاع عن منصبه في الانتخابات المقبلة، ويطلب مشار فرصة عادلة للمنافسة على المقعد الذي يحتله سلفاكير في الوقت الراهن، وذلك من خلال منافسة ديمقراطية حرة ونزيهة في الانتخابات الوطنية المقبلة، ويفضل كلا الرجلين استخدام الحركة الشعبية كأداة انتخابية لهما. ويمكن أن هذه الأهداف يمكن أن تتحقق في إطار دولة ديمقراطية، لكن قبل ذلك يجب أن يلتقي الرجلان للتفاوض. ويتعين على الرئيس سلفاكير ألا يصور هذا الوضع بأنه مواجهة بين قبيلتي الدينكا والنوير، أو أي مجتمع قبلي آخر في جنوب السودان. وأن يحضر سلفاكير المباحثات معتمرا قبعته التقليدية بدلاً عن الزي العسكري، لان في ذلك دلالة رمزية مهمة.

من جانبه ينبغي أن يتخلى مشار عن رؤيته المتمثلة في أن الحل الوحيد للأزمة هو رحيل النظام، وأن يتخلى ايضاً عن ادعائه بأن سلفاكير ليس رئيساً شرعياً.

iNewsArabia.com > سياسة > الإمارات اليوم | سياسة