تاريخ الرياضة الفلسطينية.. "على هذه الأرض مايستحق الحياة"


كغيرها من دول العالم شهدت فلسطين قبل عام 1948 تطوراً طبيعياً من خلال نشاط شعبها في كافة المجالات الاقتصادية والثقافية والرياضية ؛ حيث تشكل عدد كبير من الأندية الفلسطينية خلال عام 1927 ، وخاصة في مدن حيفا والقدس ويافا ونابلس ومدن فلسطينية أخرى ، وتبعاً لذلك تشكل الاتحاد الرياضي الفلسطيني في عام 1944 ، لتنضوي تحت لوائه كافة اللعب والاندية الرياضية الفلسطينية فيما بعد . تشتت القدرات الرياضية بعد نكبة عام 1948 نتيجة طرد 61 في المائة من الشعب الفلسطيني. لقد عرفت فلسطين الرياضة منذ مطلع القرن العشرين، وكان ذلك في ظل الانتداب البريطاني، بل لعل الرياضة الفلسطينية كانت سباقة للظهور في المحافل الدولية، فشارك منتخب فلسطين في تصفيات كأس العالم عام 1934، الذي خرج أمام مصر، واستمرت المحاولات حتى كانت نكبة عام 1948م، وما سببت من ضيق مادي ومعنوي.

الرياضة قبل عام 1948

برز قبل النكبة الكبرى الاهتمام بالأنشطة الرياضية؛ حيث ظهرت الأندية، وتأسست الاتحادات الرياضية لبعض الألعاب، وأنشئت الجمعيات التي تُعنى بشؤون الشباب، حتى أن عام 1934 شهد أبرز نشاط رياضي، تمثل في مشاركة المنتخب الوطني الفلسطيني في تصفيات كأس العالم الثانيـة، التي نظمتها إيطاليا، حيث لعب المنتخب الفلسطيني أمام المنتخب المصري، غير أنه هزم؛ ما أدى إلى صعود المنتخب المصري إلى نهائيات كأس العالم؛ وبذا يعد الفريق المصري أول فريق عربي يشارك في هذه البطولة.

واستمرت الحياة الرياضية في الازدهار رويداً رويداً، حتى أصبحت فلسطين تعد ضمن خمس دول عربية هي الأكثر اهتماماً بالرياضة. غير أن هذا النشاط الرياضي الملحوظ، لم يواكبه نشاط إعلامي رياضي، يشد أزره ويقوي عضده، إذ لم تعرف فلسطين أي مستوى من مستويات الصحافة الرياضية إلا في عام 1924؛ أي بعد ثمانية وأربعين عاماً من صدور أول صحيفة فلسطينية. وهذا يعني أن فلسطين عرفت هذا اللون من الصحافة مبكراً، مقارنة مع الدول العربية الأخرى، التي بدأ اهتمامها بالرياضة مع حصولها على استقلالها، بعد الحرب العالمية الثانية، وظهرت فيها الفرق الرياضية الوطنية التي صارت تشترك في المسابقات المحلية والإقليمية والدولية، أو على أقرب تقدير عام 1922؛ عندما قررت جريدة "الأهرام" أن تصبح الرياضة من موادها الأساسية، وتعاقدت مع إبراهيم علام؛ ليكون محررها الرياضي، مشترطة عليه أن تكون حدود أنباء الرياضة في حيز لا يتجاوز ربع عمود يومياً.

الرياضة الفلسطينية بعد النكبة


منع فلسطينيو 48 من تشكيل أندية فلسطينية خاصة بهم منذ إنشاء إسرائيل في أيار / مايو 1948، واضطر بعض اللاعبين للانتساب قسراً للأندية الإسرائيلية الناشئة؛ لكن على الرغم من ذلك بقيت فلسطين حاضرة في الدورات العربية والمنافسات الإقليمية، واستمر النشاط الرياضي في ظل الاحتلال الإسرائيلي أو في الأجزاء التي أدارتها دول عربية، وتشكلت أندية وروابط للأندية الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة ، وكانت تتلقى موازناتها بشكل دوري من قبل منظمة التحرير الفلسطينية التي أنشأت المجلس الأعلى لرعاية الرياضة والشباب في عام 1968، الذي لعب دوراً مهماً في الحفاظ على الهوية الرياضية الفلسطينية. ومع اندلاع الانتفاضة عام 1987م أغلقت الأندية الفلسطينية ومراكز الشباب أبوابها، بينما زج العديد من الرياضيين مع بقية أبناء شعبهم في السجون الإسرائيلية، ناهيكم عن عشرات الشهداء ومئات الجرحى.

منع فلسطينيو 48 من تشكيل أندية فلسطينية خاصة بهم منذ إنشاء إسرائيل في أيار / مايو 1948، واضطر بعض اللاعبين للانتساب قسراً للأندية الإسرائيلية الناشئة؛ لكن على الرغم من ذلك بقيت فلسطين حاضرة في الدورات العربية والمنافسات الإقليمية،



عادت الحياة من جديد للحركة الرياضية منتصف التسعينيات، وتم تشكيل وزارة للشباب والرياضة، وكانت إنجازاتها متواضعة على صعيد الملاعب والمنشآت. بينما تزايد عدد الأندية في غزة والضفة الغربية ، وأقيمت عدة بطولات فيهما، وعانت معظم الأندية من ضائقة مالية. أما الاتحادات الرياضية فبدأت تحقق الإنجازات على صعيد الاعتراف القاري والدولي بها، حيث قُبلت فلسطين في اللجنة الأوليمبية الدولية، وحمل العدَّاء ماجد أبو مراحيل علمها في دورة أتلانتا عام 1996م. وحقق منتخب فلسطين لكرة القدم منذ تأسيسه أكثر من فوز في إطار بطولات أسيوية وإقليمية وكذلك في العاب القوى .

الرياضة في المهاجر

إثر نكبة عام 48 وتهجير (850) الف فلسطيني إلى خارج وطنهم، تشتت النسيج الاجتماعي ومنهم الرياضيون. في لبنان على سبيل المثال لا الحصر، شكلّ الشباب الفلسطيني فرق شعبية داخل المخيمات، أطلقوا عليها أسماء بلداتهم للمحافظة على العلاقة مع الأرض والتاريخ، وقد وصل عددها مطلع الخمسينيات إلى أكثر من 60 فريقاً موزّعة على مخيمات برج البراجنة وصبرا وشاتيلا ومار الياس وتل الزعتر بيروت والضاحية والبص والرشيدية والبرج الشمالي وعين الحلوة والبداوي ونهر البارد والمية ومية وجرود بعلبك، أكثر من نصف هذه الفرق كانت في بيروت وضواحيها، ومن أهمّها على صعيد النتنائج والانجازات والاستمرارية نذكر: الكابري تأسس في العام 1951 في برج البراجنة، القسطل 1955، البعث 1955، الشعلة 1964، نجوم فلسطين 1965، حيفا والقدس 1970.

وبعد اندلاع الحرب الأهلية في لبنان تواصلت عميات تأسيس فرق بمرجعيات فصائيلية، وهي فرق: كمال ناصر وأريحا والخالصة والطلائع والديموقراطية القسّام وتل الصافي 1976، مجدو وطوباس بلدنا والكرمل 1977، طبريا وطولكرم 1978، الأقصى 1980، وفلسطين والكرامة وجنين والمجدل والجليل وشهداء الأقصى وغيرها. وسطع نجم عدد كبير من اللاعبين الفلسطينيين في كرة القدم في لبنان منذ عقد الستينيات ،الذين انضمّ بعضهم للأندية اللبنانية ؛ ومنهم أحمد فستق ووفاء عرقجي، جمال الخطيب وسمير نصّار وحسين قاسم وجميل عباس ورامي وعلي أسعد النجمة والقائمة تطول .

كما تولدت حالة رياضية فلسطينية في سوريا كنتيجة مباشرة للمجتمع السوري السمح، وسطع نجم مئات اللاعبين الفلسطينيين في العديد من اللعب الرياضية، ليساهموا إلى حد كبير وملحوظ بالنشاط الرياضي في سوريا، ومن بين هؤلاء اللاعب الفلسطيني جورج مارديني الذي لعب في فريق الجيش السوري لكرة القدم حتى عام 1951؛ كما لمع اسم جبرا الزرقاء وكان لاعباً في منتخب فلسطين قبل عام 1948 وأصبح بعد العام المذكور لاعباً في فريق الدرك السوري لكرة القدم حتى عام 1961؛ ومن الأسماء الهامة إسماعيل النجار الذي كان في النادي الإسلامي في حيفا وانتقل بعد النكبة ليلعب خط وسط في منتخب سورية لكرة القدم حتى عام 1961؛ أما أسدور الذي كان حارس مرمى في النادي العربي في حيفا؛ فقد بات لاعباً هاماً في فريق الجيش السوري وسافر إلى أرمينيا في أواسط الخمسينات من القرن العشرين؛ وقد ضم فريق الجيش السوري ثلة من اللاعبين الفلسطينيين حتى بداية السبعينات ومنهم: فؤاد أبو غيدا وهو من طيرة حيفا؛ وكذلك قلب الدفاع المرحوم عزمي حداد؛ وإبراهيم المغربي والأخوان أحمد طالب تميم؛ وإسماعيل تميم وهما من قرية الجاعونة في قضاء مدينة صفد؛ كما سطع نجم آخرين مثل: نزيه زواوي لاعب الوسط حتى منتصف السبعينات في فريق الشرطة لكرة القدم وهو من قرية معذر؛ وكذلك هي الحال بالنسبة ليوسف تميم والملقب بالهسي وهو أخو المرحوم اللاعب أحمد طالب تميم؛ حيث لعب قلب هجوم في منتخب الشرطة حتى منتصف السبعينات؛ ولمع اسم عبد المنعم نعيمي كقلب دفاع لفريق الشرطة خلال الفترة المذكورة؛ وهو من قرية الجاعونة في قضاء صفد؛ وأحمد عليان الذي قام بتدريب منتخب شباب سورية في منتصف السبعينات؛ كما كان لاعباً لفترة وجيزة في منتخب سوريا؛ وأحمد نجم عمورة الذي كان لاعباً في نادي النهضة السوري، وموقع النادي في القصاع في باب توما؛ ومن اللاعبين في النادي أيضاً محمود رضوان السهلي؛ وسامي الهندي وأحمد السليم، وابراهيم المغربي، وعمر فوراني وهو من مدينة صفد في الجليل الفلسطيني، ومن اللاعبين الفلسطينيين الذين ذاع سيطهم في لعبة كرة القدم في الستينيات والسبعينيات غازي منور، وكذلك الراحل محمود حصوة، ونهاد مناع ومنصور الحاج سعيد وعمر حجير ومروان كنفاني وابراهيم المغربي، فضلاً عن احمد الناجي وعبد الرحمن قاسمية وقد لعبا لفترة طويلة مع نادي بردى ومنتخب فلسطين .

من خلال استمرار نشاط الشعب الفلسطيني بكافة المجالات ومنها الرياضة داخل فلسطين التاريخية وخارجها في المهاجر البعيدة والقريبة،يمكن استحضار قصيدة الشاعر محمود درويش، الحاضر رغم الغياب "على هذه الأرض ما يستحق الحياة". نعم وبكل تأكيد الشعب الفلسطيني .

*كاتب فلسطيني مقيم في هولندا

iNewsArabia.com > سياسة > عربي21
تاريخ الرياضة الفلسطينية.. "على هذه الأرض مايستحق الحياة",