قراءة في قرارات الإفراج الأخيرة عن مئات المعتقلين بمصر


أفرجت السلطات المصرية، الاثنين، عن خمسة من المعارضين البارزين، بعد أيام قليلة من الإفراج عن مئات السجناء والنشطاء السياسيين، بموجب عفو رئاسي من قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي، في خطوة أثارت جدلا في الأوساط السياسية بالبلاد.


وكان السيسي قد أصدر الجمعة الماضية قرارا بالعفو عن 560 سجينا، تم إدانتهم في أكثر من 300 قضية أمام المحاكم العادية والعسكرية والطوارئ، الغالبية العظمى منها قضايا تظاهر وعنف وانضمام إلى جماعات إرهابية وقعت أحداثها في الفترة من تموز/ يوليو 2013 إلى 2017، من بينهم صحفي بارز ونشطاء سياسيون وضباط شرطة متهمون بالقتل.

وجاءت هذه القرارات فيما يشن النظام حملة اعتقالات جديدة، ويدرج نشطاء سبق اعتقالهم من قبل في قضايا جديدة، ليبقيهم محبوسين ومشغولين عن أي نشاط سياسي أو تأثير في الرأي العام، بحسب مراقبين.

"استجابة لمناشدات حقوقية"

وأصدرت النيابة العامة يوم الاثنين قرارا بالإفراج عن السفير معصوم مرزوق وعبد الفتاح الصعيدي ورائد سلامة ويحيى القزاز ونرمين حسين، الذين تم اعتقالهم في آب/ أغسطس الماضي، بعد أيام من طرح مرزوق مبادرة سياسية جديدة، دعا فيها إلى إجراء استفتاء شعبي على استمرار السيسي في الحكم، وهدد بالدعوة للتظاهر في ميدان التحرير لإسقاط النظام حال عدم قبوله لتلك المبادرة.

ونقلت وسائل الإعلام المؤيدة للنظام عن مصدر أمني مسؤول بوزارة الداخلية، قوله إن هذا القرار جاء استجابة لمناشدات حقوقية ومطالبات مختلفة واستغاثات أسرية طالبت بإخلاء سبيل المتهمين.

وأضاف المصدر أن إخلاء سبيل هؤلاء المتهمين يعدّ خطوة هامة في سبيل تحقيق العدالة الجادة، متوقعا أن يكون له بالغ الأثر في صفوف المعارضة والنشطاء السياسيين، وأن يفتح الآفاق بشأن النظر مجددا إلى ما يثار من اتهامات للسلطة بشأن موقفها من المختلفين معها سياسيا.

قطرة في بحر

وفي قراءة لقائمة السجناء الذين عفا عنهم السيسي قبل أيام، وقرار إخلاء سبيل عدد آخر من المحبوسين احتياطيا، سجل ناشطون في مجال حقوق الإنسان تحدثوا لـ"عربي21" عددا من الملاحظات.

وفي هذا السياق، قال الباحث الحقوقي أحمد الإمام إنه على الرغم من أن بضع مئات من المحبوسين غادروا السجن بعفو من السيسي، في قائمة تعدّ من أكبر المجموعات التي استفادت بقرارات العفو الرئاسي، إلا أن هذا لا يمكن أن ينسينا وجود أكثر من 60 ألف سجين قابعين في المعتقلات، بعضهم حكم عليه بالإعدام أو بالسجن المؤبد دون جريمة ارتكبوها سوى التعبير عن آرائهم.

وأضاف الإمام، في تصريحات لـ "عربي21"، أن القائمة تضمنت تسعة من ضباط الشرطة الذي أدينوا بجريمة قتل أسرة كاملة في كمين أمني بمحافظة الغربية في آذار/ مارس عام 2013، وحُكم عليهم بالسجن سبع سنوات بتهمة القتل الخطأ، مضيفا أن هؤلاء الضباط لم يقضوا في السجن سوى شهرين فقط من مدة حبسهم المقررة.

وأكد أن النظام يواصل حماية رجاله المتهمين بقضايا قتل المواطنين، وفاء للوعد الذي قطعه السيسي على نفسه، حسب تسريب قديم له، يقول فيه إن أي شرطي يقتل مواطنا لن يدخل السجن، كما أفرج أيضا في 2017 عن رجل الأعمال هشام طلعت، مصطفى المتهم بقتل المطربة سوزان تميم، وقبله أفرج عن البلطجي الشهير صبري نخنوخ، وعن رجل الأعمال مجدي طبيخة المتهم في جريمة قتل.

ممنوع لقيادات الإخوان

ولفت أحمد الإمام إلى أن العفو الأخير شمل واحدا فقط من السياسيين المعروفين، هو الصحفي البارز عبد الحليم قنديل، الذي كان يقضي حكما بالسجن ثلاثة أعوام بتهمة إهانة القضاء، فيما رفض النظام العفو عن أي شخصية مشهورة من الإخوان المسلمين، واكتفى بإطلاق سراح بعض الأعضاء العاديين فقط دون قيادات الجماعة.

وتابع: في هذا رسالة واضحة للجميع، في الداخل والخارج، أن النظام يرفض العفو عن الإخوان، ويرفض التصالح معهم، حسب قوله.

إفراج شكلي

من جانبه، قال الصحفي المتخصص في ملف حقوق الإنسان، خالد حماد، إن قرار العفو تضمن كثيرا من السجناء الذين أوشكت مدة عقوبتهم على الانتهاء، وكانوا سيغادرون السجن قريبا، بل إن بعضهم قضوا بالفعل مدة عقوبتهم، وظلوا في السجن دون إطلاق سراحهم!

وأوضح حماد، لـ "عربي21"، أن من بين هؤلاء مئات المتهمين في قضايا العنف التي تلت فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة في آب/ أغسطس 2013، وكانوا يستحقون الخروج من السجن بعد أسابيع.

وتابع: هناك أيضا السيدات المتهمات في قضية "فتيات دمياط" التي تعود وقائعها إلى عام 2015، وتم حبسهن منذ وقتئذ حتى حكمت عليهم المحكمة عام 2017 بالسجن من عامين إلى ثلاثة أعوام، وهو ما يعني أنه كان يجب الإفراج عنهن العام الماضي باحتساب فترة الحبس الاحتياطي ضمن فترة العقوبة! وأيضا المتهمة إيناس حسين إبراهيم، المحكوم عليها بالسجن عامين منذ عام 2017 في قضية "اتحاد الجرابيع"، وقضت مدة العقوبة منذ أسابيع.

كما شمل العفو عددا من المحبوسين الذين سبق أن قضت محكمة النقض ببطلان حبسهم، وألغت الأحكام الصادرة ضدهم، ومنهم المتهمون في قضية "أحداث سيدي جابر" التي جرت وقائعها عام 2013 بالإسكندرية، وقضت محكمة النقض بإعادة محاكمتهم في تموز/ يوليو 2018، وكان يجب الإفراج عنهم منذ ذلك الوقت.

انتقائية أمنية

وقال خالد حماد إن قائمة العفو تضمنت أفرادا تم انتقاؤهم من عدد كبير من القضايا بشكل فردي، فيما تُرك المئات من زملائهم في قضايا مشابهة في السجن رغم أنهم يواجهون التهم ذاتها، وهو ما حدث في قضايا "مذبحة كرداسة" و"أحداث مجلس الوزراء"، وعدد آخر من قضايا العنف التي وقعت عقب فض اعتصامي رابعة والنهضة عام 2013 بعدة محافظات.

وأوضح حماد أن هذه الانتقائية تمت وفقا لتحريات أمنية وليس اعتبارات قانونية، مشيرا إلى أن أجهزة الأمن تجري تحريات حول المحبوسين ونشاطهم داخل السجون، وتعاملهم مع زملائهم، وتجري تحريات حول أقاربهم في الخارج؛ لتحديد المشمولين بالعفو، والتأكد من عدم وجود خطورة على النظام من إطلاق سراحهم.

وأضاف أن هناك أسبابا أخرى لضم بعض المحبوسين إلى قوائم العفو، من بينها وجود بعد الوساطات من رجال مقربين للنظام، مثل القضاة أو نواب البرلمان أو ضباط الجيش والشرطة، لإطلاق سراح معارفهم أو أقاربهم لاعتبارات اجتماعية.

iNewsArabia.com > سياسة > عربي21
قراءة في قرارات الإفراج الأخيرة عن مئات المعتقلين بمصر,