لماذا بقي "حليم" سيد الأغنية الرومانسية لأكثر من 68 عاما؟


في يوم في شهر في سنة.. تهدى الجراحوتنام.. وعمر جرحي أنا أطول من الأيام.. وداع يا دنيا الهنا.. وداع يا حب ياأحلام.

كان ذلك مطلع أجمل أغنية في الخمسينسنة الأخيرة، والقول للموسيقار المصري الشهير محمود الشريف (توفي عام 1990).

يتفق كثير ممن عاصروا عبد الحليم حافظأن "العندليب الأسمر" كما يطلق عليه عشاقه، غنى هذه الأغنية قبل رحلةسفره إلى الخارج لتلقي العلاج، وسرى اعتقاد بأن رحلته هذه هي الرحلة الأخيرة، لذلكألفها مرسي جميل عزيز، ولحنها كمال الطويل، إحساسا بأنها كتبت في وداعه، وكأنه لنيعود من رحلته حيا أبدا، كان ذلك عام 1959 .

كان إحساس "حليم" في هذهالأغنية عالي التوتر، كان صوته ناطقا بالحزن حتى أنك كنت تسمع أصوات بكاء خافت فيثنايا صوته، نظراته إلى وجه مريم فخر الدين في فيلم "حكاية حب" وهو يغلقجفنيه نصف إغلاق كانت توحي بأنه على وشك أن يغلق جفنيه في سبات عميق، كأنها سكرةالموت، فيما أصوات الأمواج تضرب الشاطئ وقت الغروب.

لقد لعبت الناحية التأثيرية والتعبيريةوالذوبان في الكلمة واللحن في وصول أغنيات "حليم" إلى جمهور عريض فيالوطن العربي، ولم يستطع عشرات المطربين الذين عاصروه أن يسقطوه عن عرش الأغنيةالعاطفية على مدى 25 عاما هي الفترة الذهبية له في الغناء حتى رحيله المدوي في 30آذار/ مارس عام 1977 .

لم يكن "حليم" الصوت الأقوىفي زمانه، ولم يكن ممثلا عبقريا، ولكنه كان ذكيا، ملتهب المشاعر، أحاط نفسه بكوكبةمن الكتاب والموسيقيين والإعلاميين الذي كانوا جميعا في خدمة صوته، من بينهم محمدالموجي وكمال الطويل وبليغ حمدي وحتى موسيقار الجيل محمد عبد الوهاب، فصدقه الناسكما لو كان يغني بصوتهم هم وليس بصوته.

وربما استفاد "حليم" بسرعةبديهته من ثورة 23 يوليو(تموز) عام 1952 التي قادها الضباط الأحرار لإسقاط الملكيةفي مصر، فكان ابن الثورة وصوتها، عبر أغنيات "العهد الجديد" ، "إحنا الشعب"، "أحلف بسماها"، "عدي النهار"،"البندقية أتكلمت"، "المسيح" التي غناها للقدس، وغيرها.

نشأ عبد الحليم شبانة المولود عام 1929في قرية الحلوات التابعة لمركز الإبراهيمية محافظة الشرقية، يتيما بعد أن توفيتوالدته بعد ولادته بأيام، وقبل أن يكمل عامه الأول توفي والده ليعيش اليتم في بيتخاله.

أصيب في مرحلة مبكرة من عمره بمرض"البلهارسيا" حين كان يلعب مع أولاد عمه في ترعة (قناة ري) القرية، ومعالوقت تطور المرض معه فأصيب بتليف الكبد، وكثيرا ما قال عن نفسه بسبب المرض"أنا ابن القدر" بعد أن أجرى خلال حياته 16 عملية جراحية، و25 رحلة علاجإلى الخارج من بينها بريطانيا وفرنسا وأمريكا منذ اكتشاف إصابته بالمرض أثناءبطولته أول أفلامه "لحن الوفاء" مع شادية عام 1955.

بدأ حب "حليم" للموسيقى حينكان يتلقى تعليمه في كتاب القرية، وبدأت محاولاته دخول مجال الغناء بعد أن أصبح رئيسالفرقة الأناشيد في مدرسته، فالتحق بمعهد الموسيقى العربية قسم التلحين عام 1943.

وحين عرض عليه السفر في بعثة حكوميةإلى الخارج فضل أن يعمل مدرسا للموسيقى قبل أن يقدم استقالته من التدريس من أجلالالتحاق بفرقة الإذاعة الموسيقية عازفا على آلة الأوبوا (آلة نفخ خشبية) عام1950.

وسيلتقي عام 1951 مجدي العمروسي الذيسيكون له دور كبير في مسيرة حليم ككاتب ومؤرخ لمسيرة "حليم" الفنيةوالشخصية، وفي تلك الفترة سيلتقي أيضا بمكتشفه الإذاعي حافظ عبد الوهاب الذي سمحله باستخدام اسمه "حافظ" بدلا من شبانة.

ووفقا لما نشر عن حياته فإن عبد الحليمأُجيز في الإذاعة بعد أن قدم قصيدة "لقاء" كلمات صلاح عبد الصبور، ولحنالطويل عام 1951، في حين ترى مصادر أخرى أن إجازته كانت في عام 1952 بعد أن قدمأغنية "يا حلو يا أسمر" كلمات سمير محجوب، وألحان الموجي، وحين غنى "صافينيمرة" ألحان الموجي عام 1952 لم يتقبل الجمهور الأغنية، ولم يكن الناس علىاستعداد لتلقي هذا النوع الجديد من الغناء.

وحين أعاد غناء "صافيني مرة"في العام التالي، يوم إعلان الجمهورية، حققت الأغنية نجاحا كبيرا وعرفت الجمهوربصوته بشكل جيد.

قدم "حليم" أكثر من 230أغنية. وغنى بصوته فقط في أفلام قليلة هي: "بعد الوداع"، و"بائعةالخبز"، و"أدهم الشرقاوي"، كما قام ببطولة المسلسل الإذاعي الوحيد"أرجوك لا تفهمني بسرعة" مع عادل إمام. شارك "حليم" في 16 فيلماكان آخرها "أبي فوق الشجرة" مع نادية لطفي والذي أحدث ضجة كبيرة مع بدءعرضه في دور السينما عام 1969 . وكان "حليم" يحضر لتقديم قصة"لا" للكاتب مصطفى أمين على شاشة السينما ورشح نجلاء فتحي لبطولتها ولكنالقدر لم يمهله.

نسجت حوله كثير من حكايات الحبوالزواج، من بينها زواجه من الفنانة سعاد حسني، وهو زواج يحمل أكثر من رواية غيرمؤكدة، كما أن صديق حليم المقرب الملحن الطويل نفى في أكثر من حوار صحفي أيعلاقات حب أو زواج في حياة "حليم"، وقال إنها كانت سطحية لم تأخذ منقلبه وعقله شيئا.

ونفى العمروسي زواج"حليم" من سعاد حسني، ونقل عن "العندليب" قوله "إنالمسألة مجرد صداقة لأنه يرتاح إلى بساطتها ومرحها، ولم تتطور إلى زواج غير معلنبسبب مرضه وظروفه الصحية التي تمنعه من الارتباط بزوجة".

قدمت حياة "حليم" في أكثر منعمل فني من بينها فيلم "حليم" عام 2006، إخراج شريف عرفه، وقام بتقديمشخصيته الفنان الراحل أحمد زكي. كما قدمت شخصيته في مسلسل "العندليب"وقام بدور "حليم" الفنان شادي شامل.

ورغم مرور نحو 44 عاما على رحيله فلاتزال أغنيات "حليم" إلى جانب أم كلثوم، تتصدر قائمة الأكثر مبيعا منالفنانين الراحلين في سوق الأشرطة الغنائية.

ولا يزال "العندليب" يشكل رمزا منرموز الحب والرومانسية والوفاء في العالم العربي.

"حليم" جزء رئيسي من الذاكرة الفنية والوطنيةوالعاطفية لثلاثة أجيال على الأقل في الحياة المصرية والعربية: جيل الخمسينياتوالستينيات وجزء كبير من السبعينيات، وربما سيبقى لسنوات طويلة رمزا لزمن العواطفوالمشاعر الملتهبة التي أسرتنا في أكثر من أغنية من بينها "في يوم في شهر فيسنة" التي كانت السبب وراء بقاء عرض فيلم "حكاية حب" لأكثر من 25أسبوعا متتاليا.
iNewsArabia.com > سياسة > عربي21
لماذا بقي "حليم" سيد الأغنية الرومانسية لأكثر من 68 عاما؟,