مراجعات مع القرضاوي (3) .. الغزالي واغتيال البنا (شاهد)


يبدأ الشيخ القرضاوي في مراجعته الثالثة باستئناف ذكرياته حول اعتقاله عام 1948 مع صدور قرار حل جماعة الإخوان المسلمين، وحملة اعتقالهم، وفراره مع صديقه محمد الدمرداش إلى قريته، واعتقال الأمن لوالدة الدمرداش وأخذها رهينة.

وقال الشيخ إنه قرر مع صديقه الدمرداش تسليم نفسيهما إلى الأمن ليتم الإفراج عنها، ثم ترحيلهما إلى مركز مدينة "زفتى" ليدخلا إلى مقر الاحتجاز مع عدد من الفلاحين الذين عليهم قضايا بسيطة مثل الديون وتأخر المدفوعات وغيرها، "وبعدما قضينا أول ليلة، وفي الصباح، وجدنا أن بعضهم يتوضأ للصلاة والبعض الآخر لم يتوضأ لعدم معرفته به"، وعلمهم القرضاوي وزميله كيفية الوضوء ثم أقاموا الصلاة وكان عددهم 35 شخصا.

وعرض عليهم القرضاوي ترديد "المأثورات" التي وضعها الإمام البنا والمجمعة من السيرة النبوية، وبالفعل ردد معه باقي المحبوسين ما استطاعوا أن يرددوه، لكن حضر إليهم الشاويش وقال لهم: "انتم قلبتوه مسجد" ثم تم نقلهما عصر اليوم ذاته إلى طنطا.

وهناك قابل المدير العام للأمن العام سعد الدين السنباطي، وكان مشهورا بقسوته وشدته، وقال الشيخ: "لما رآني قال "عامللي نفسك زعيم"، وسب صديقي الدمرداش لإيوائه لي، وقال لنا "الإخوان دول أد إيه نص مليون؟ مليون حتى؟ مصر بدل ما تبقى 20 مليون تبقى 19 مليون ومتبقاش فيها الدوشة بتاعتكم"".

وأردف: "نقلونا إلى الحجز مرة أخرى في زنزانة ننام فيها على الأرض ونافذة صغيرة جدا تدخل القليل من الهواء والضوء، ونقل معنا عدة إخوة من كفر الزيات وشبين وطنطا"، كما تطرق إلى الحديث عن رفقاء زنزانته الذين استمر معهم 40 يوما معزولين عن أي أخبار أو صحف حتى يوم 13 شباط/ فبراير 1949 حيث نودي عليهم للذهاب إلى القاهرة.

اغتيال الإمام حسن البنا

حين خروج القرضاوي مع زملائه في الزنزانة في يوم 13 شباط/ فبراير لنقلهم إلى القاهرة، فوجئوا بالعناوين الرئيسية في الصحف "اغتيال الشيخ حسن البنا"، فقال: "لا حول ولا قوة إلا بالله، أول ما طلعنا فوجئنا بخبر مقتله، وظللنا نبكي ونعزي بعضنا بعضا".

وأردف: "نقلنا إلى القاهرة وعرفنا مما قرأناه أن الأستاذ البنا ظل وحده، اعتقل كل من حوله ولم يعتقل هو أو أحد أقربائه، كان يرافقه في مشاويره بوسط البلد، ولم يكن للبنا سيارة أو حارس، وكان لديه مسدس أخذوه منه، وفي ذلك اليوم طٌلب إلى مركز الشبان المسلمين بوسط القاهرة، وذلك خلال سعيه لتلطيف الجو مع الحكومة قائلا: "اتركونا فقط نشتغل بالتربية".

وأضاف: "اغتياله كان مدبرا، وفي ذلك اليوم قابل من قابل وأراد الرجوع إلى المنزل ووقف أمام دار الشبان المسلمين الواقعة في وسط القاهرة تماما، لينتظر تاكسي، وإذا بمن يطلق عليه الرصاص من سيارة عرفها وحفظ رقمها، وترك البنا على الأرض لفترة طويلة ينزف، ولو كان تم نقله مبكرا لربما نجا، لكنه انتقل إلى رحمة الله".

وتحدث الشيخ عن نقله إلى المقر احتجاز آخر فقال: "انتقلنا نحن إلى الهايكستب في أطراف القاهرة، وهو مكان لمعسكر إنجليزي، وذلك لترحيلنا إلى السويس برا ثم إلى الطور في سيناء، ونقلونا بالباخرة عايدة إلى الطور، وقبل أن نصل إلى وجهتنا، ونحن في الباخرة، حدث اضطراب بين الأخوة وهرج ومرج بسبب مقتل البنا".

الغزالي

وتابع الشيخ: "جاء إلينا شاب يهدئ الإخوان، كان حاسر الرأس، ويتحدث اللغة العربية الفصحى، وقال "أيها الإخوة علينا أن نهدأ ونثبت حتى نصل إلى مكاننا، إلى هذه الأرض المقدسة التي انطلقت منها شرارة الوحي لتحرير أمة مستعبدة من طغيان الطاغين"، وتعجبت لهذا الشاب، وسألت من حولي من هذا؟ لم أره قبل ذلك؟ قالوا لي "هذا الشيخ الغزالي"، حبيبي الشيخ الغزالي، كانت أول مرة أراه، وكنت قد قرأت له، وحسبته أفندي من خريجي كلية الآداب، لاختلاف كتاباته عن كتابات الشيوخ في المجلات الإسلامية، وسررت سرورا عظيما".

كما تناول الشيخ فترة اعتقاله في معتقل الطور، ووضع الأهالي في المنطقة المحيطة، والمصادمات التي حصلت بين الغزالي وإدارة المعسكر بعدما سرقت الإدارة الطعام المخصص للمعتقلين وقامت ببيعه، فخطب الغزالي خطبة حماسية يوم الجمعة هيجت المساجين، وقاد مظاهرة داخل السجن تهتف بإسقاط اللصوصية المنظمة وسياسة التجويع، فخافت إدارة السجن وأرسلت من يتفاوض معهم، واستجابت لمطالب السجناء بإعادة جميع الغذاء على أن يقوم كل عنبر بالطبخ، متناولا أجواء اعتقالهم التي قضوها خلال رمضان واعتباره مدرسة ومعسكرا تربويا، وقنوتهم يوميا ودعائهم بقضاء عدة أيام من رمضان بين أهليهم.

وتحدث الشيخ عن يومهم في المعتقل بدءا من صلاة الفجر مرورا بالتدريبات الرياضية التي كان يختص بها محمد مهدي عاكف – المرشد السابق للجماعة والمعتقل حاليا - ثم الإفطار، وهكذا حتى بدء الفترة الثقافية بعد العصر يعطيها الشيخ الغزالي تحت عنوان "الاستبداد السياسي".

وعرض الشيخ قصيدة ألقاها في المعتقل احتفالا بليلة القدر كانت آخر مقاطعها دعاء على الظالمين، وبعدها بيومين جاء الأمر بالإفراج، وكان الشيخ في الفوج الأول الذي أفرج عنه ضمن طلبة الثانوي.

جدير بالذكر أن برنامج "مراجعات" يعد واحدا من أشهر البرامج الحوارية العربية، حيث استضاف على مدار السنوات الماضية عددا من قادة الفكر والرأي والسياسة، فضلا عن أن أغلب ضيوفه هم من رموز التيار الإسلامي في العالم العربي، فيما يُعده ويُقدمه الإعلامي والأكاديمي المختص في الفكر السياسي الإسلامي، عزام التميمي، الذي يُعتبر أحد المفكرين الإسلاميين في العالم، والمتخصصين في القضايا المتعلقة بالحركات الإسلامية.
iNewsArabia.com > سياسة > عربي21