"مولانا".. مات في العشق كقطع سحب تذوب في ضوء الشمس


كأنه غادر المكان قبل قليل بعد أن أنهى أداء "طقس السماع" على صوت طرقات صحائف الذهب، أو كأنه يجلس وسط مريديه ليسمعهم ما يحررهم من قيد الجسد، حاثهم على أن يكونوا مثل المصباح أو القارب أو السلم حتى يكونوا شفاء للروح.


ليس "درويشا" بالمعنى العامي للكلمة فقد كان شاعرا، عالما بفقه الحنفية والخلاف وأنواع العلوم، لقبه تلاميذه "إمام الدين" و"عماد الشريعة"، وأطلق عليه محبوه وقراء أشعاره وأقواله لقب "مولانا"، وهو عندهم أيضا "سلطان العارفين".

ما يزال الملايين ومن مختلف أنحاء العالم رغم مرور أكثر من 750 عاما على رحيله، يسعون وراء الرجل مفتونين به، غارقين في فتنة العشق، يستجيبون لدعوة غامضة خفية لزيارة قبره بمدينة "قونية" وسط تركيا.

كيف يمكن تصنيف رجل جغرافيا كان يطفو فوق المعنى والنور باحثا عن الوصال؟ حتى اسمه اكتسبه في مرحلة لاحقة من حياته فهو ولد باسم محمد بن محمد بن حسين بهاء الدين البلخي البكري، ، في منطقة "بلخ" في خراسان ما يعرف حاليا بأفغانستان عام 1207. ويعتقد بعض أتباعه أنه ولد في مدينة صغيرة في طاجيكستان الحالية، وكانت بلخ تابعة حينها لإمبراطورية الخوارزم الخرسانية، وفيما بعد عرف باسم جلال الدين الرومي.

وقد حظيت عائلته بمصاهرة البيت الحاكم في "خوارزم"، وكان والده بهاءالدين ولد، يلقب ب"سلطان العارفين" لما له من سعة في المعرفة والعلم بالدين والقانون والتصوف.

هربت عائلة بهاء الدين ولد مع اجتياح المغول للمنطقة، إلى نيسابور، وهناك التقى الرومي مع الشاعر الصوفي فريد الدين العطار، الذي أهداه ديوانه "أسرار نامه" والذي أثر على الشاب وكان الدافع لغوصه في عالم الشعر والروحانيات والصوفية.

فيما بعد سيتوجه والده مع عائلته إلى "قونية" عاصمة السلاجقة ليكلف بإدارة مدرستها، وفي المدرسة تلقى الرومي العلم على يدي والده، ويدي الشيخ سيد برهان الدين محقق ترميذي الذي أثر بشكل كبير في تكوين شخصية الرومي التي عرفها العالم فيما بعد .


اقرأ أيضا : الاتراك يحيون الذكرى الـ 746 لوفاة "جلال الدين الرومي"


وعندما توفي والده ومعلمه برهان الدين، انتقل الرومي إلى مزاولة العمل العام في الموعظة والتدريس في المدرسة، وفي هذه الفترة توجه الرومي إلى دمشق، وألتقى هناك محي الدين بن عربي صاحب كتاب "الفتوحات المكية" وأهداه بعض أعماله العربية.

وسيشهد عام 1244 الحدث الأكبر والأهم في حياة الرومي حين وصل إلى مدينة " قونية" الشاعر الصوفي شمس الدين تبريزي، باحثا عن شخص يجد فيه خير الصحبة، تواقا إلى المعرفة فينقل إليه ما يفيض به من معارف وأسرار، وقد وجد في الرومي ضالته، ولم يفترق الصاحبان منذ لقائهما مما أثار الحسد من الكثيرين لاستئثار الرومي بمحبة القطب الصوفي شمس الدين.

يقول الكاتب عطاء الدين تدين، في كتابه "بحثا عن الشمس من قونية إلى دمشق"، عن اللقاء الأول الذي جمع الرومي مع تبريزي: "كانت الساعات الأولى ليوم سبت مشمس، في السادس والعشرين من جمادى الثاني عام 642 هـ، كان شخصان قلقان يمران بسوق قونية. موجتان عظيمتان، بحران زاخران، وعالمان عجيبان يمضي أحدهما نحو الآخر".

يضيف عطاء الدين أنه "وفي سوق قونية وقف شمس التبريزي الزاهد المتشرد ذو التركيب العجيب من العشق والصفاء، وقد ضرب بيده على بغل مولانا جلال الدين، في لحظة يقول عنها: "كأنما توقفت الأرض فيها عن الدوران".

وبعد اللقاء الأول مع تبريزي اعتزل الرومي مدرسته وتلاميذه وألقى كتبه التي كان يطالعها جانبا واعتزل العالم واكتفى بمجالسة تبريزي.

ومضت الأيام والشهور وتلاميذ الرومي وكل أهالي "قونية" لا يرون "مولانا"، فمنذ جاء ذلك "الدرويش" الغريب والرومي لا يرى ولا يكلم غيره.

وتذكر بعض المصادر أن بعض الأشخاص هددوا تبريزي بالقتل إن لم يغادر "قونية"، فغادر تبريزي ذات ليلة دون أن يخبر أحدا، وترك تلميذه ورفيقه يحترق بنار الشوق، وقد أصابه الحزن والكمد .

وتقول روايات أخرى أنه في عام 1248 اغتيل تبريزي ولم يعرف قاتله ويقال إن شمس سمع طرقا على الباب وخرج ولم يعد منذ ذلك الحين.

ويؤكد المؤرخ أحمد الأفلاكي صاحب كتاب "مناقب العارفين"، إن فراق تبريزي لجلال الدين الرومي هو "تجل من التجليات كما كان لقاؤهما تجليا من تجليات الجمال".


اقرأ أيضا : الصوفية.. بين التراث الإسلامي وصراع المذاهب


وذات يوم كان يمر الرومي من سوق "قونية" وهو مطأطئ رأسه إلى الأمام يعتريه الحزن الشديد على صاحبه، فإذا به يسمع أصوات المطارق التي تطرق صحائف الذهب، فحولت تلك المطارق همومه إلى شوق ورغبة، فتوقف، واستمع مدة إلى الأصوات، ثم رفع يده اليمنى، وعيناه مغمضتان، ورأسه ساقط على الكتف اليمنى، فدار دورتين معتمدا على رجله اليمنى، ثم شرع في الدوران، أصوات المطارق أصبحت أكثر قوة، وحين شاهد صاحب المحل أن "مولانا" لما بدأ بسماع أصوات المطارق أزداد شوقا، أمر عماله بأن لا يتوقفوا عن الطرق، وكانت تلك اللحظة هي ميلاد "طقس السماع" عند "المولوية"، وقد وصفها الرومي بقوله: "هل تعرف ما السماع؟ هو سماع النداء، ونيسان النفس، والوصال إلى الله، هو الغفلة عن الوجود، وتذوق البقاء في الفناء المطلق".

حب وعشق الرومي لصاحبه نتج عنه أشعار وموسيقى ورقصات تحولت إلى ديوان سماه" ديوان شمس الدين التبريزى" أو" الديوان الكبير".

وحتى مماته كان الرومي يقدم المواعظ والمحاضرات إلى مريديه ومعارفه وللعامة والخاصة، ووضع معظم أفكاره في عدة كتب بطلب من مريديه حتى توفي في 17 كانون الأول/ ديسمبر عام 1273 متأثرا بحمى أصابته، وحمل نعشه أشخاص من ملل خمسة إلى قبر بجانب قبر والده وسمى أتباعه هذه الليلة ب"العرس" ومازالوا يحتفلون بهذه الليلة إلى الآن.

كان الرومي مسلما مؤمنا بتعاليم الإسلام، لكنه استطاع جذب أشخاص من ديانات وملل أخرى، وبالنسبة إليه وإلى أتباعه فإن كل الديانات وحقيقية بمفاهيمها، لذلك كانوا يعاملون المسلمين والمسيحيين واليهود معاملة سواسية، وبطلب من مريديه وضع الرومي أفكاره ومبادئه في كتاب سماه "المثنوي".

وكان الرومي يستخدم الموسيقى والشعر والذكر كسبيل للوصول إلى الله، فالموسيقى الروحية بالنسبة له تساعد "المريد" على تعرف الله والتعلق به، ومن هذا المنطلق تطورت فكرة الرقص الدائري التي وصلت إلى درجة الطقوس، وقد شجع الرومي على الإصغاء للموسيقى فيما سماه الصوفية "السماع"، فيما يقوم الشخص بالدوران حول نفسه، فعند " المولوية " الإنصات للموسيقى هو رحلة روحية تأخذ الإنسان في رحلة تصاعدية من خلال النفس والمحبة للوصول إلى الكمال.

وتركت مؤلفاته تأثيرا كبيرا في الأدب الفارسي والتركي والعربي والأردي، كما أثر في التصوف بشكل عام. وترجمت مؤلفاته إلى اللغات العالمية المعاصرة .

يقول عباس محمود العقاد :"يتنافس على نِسبة جلال الدين أربعة أوطان وهي، بلاد الأفغان، وبلاد فارس، وبلاد العرب، وبلاد الترك، التي اشتهرت ببلاد الروم. فهو قد ولد في "بلخ" من بلاد الأفغان، في بيت عريق من بيوت العلم والإمارة، ونظم بالفارسية والتركية والعربية، ونسبه عربي صميم إلى الخليفة أبي بكر الصديق، وعاش في بغداد حينا، وضريحه في قونية، حيث وفاته؛ فلا جرم أن تتفتح الأبواب للتنافس عليه؛ بحجة من الحجج، لكل منافس يحرص على هذه الدرة النفيسة، وإنها في الحق لذخيرة للحضارة الإسلامية وللإنسانية، يأخذ منها من شاء من بني الإنسان بنصيب موفور".

وتذكر المصادر أنه عقب وفاة الرومي، شيد طلابه غرفة دفنوا فيها رفاته، ثم أقاموا أعلاها قبة خضراء، ما تزال باقية حتى اليوم.

واستمر وضع قبر الرومي هكذا حتى إعلان الجمهوررية التركية عام 1923، حينها أُطلق على المكان اسم “متحف قونية .. آثار عاتكة”، وفي عام 1954 تم تغيير الاسم ليصير "متحف مولانا"، وهو الاسم المستخدم حتى اليوم.

بقاء ذكره مشتعلا حتى اليوم وشغف الناس به حتى في دول الغرب يؤكد مقولته "أينما كان النور فأنا الشغوف به، وأينما كانت الزهرة فأنا الفراشة، وأينما كان الجمال فأنا العاشق، وأينما كانت الحكمة فهي ضالتي".

يستقبله محبوه ومريدوه في ذكرى رحيله بقوله الشهير: "سلامٌ على أولئك الذين رأوا جدار روحك يريد أن ينقض فأقاموه، ولم يفكروا أن يتخذوا عليه أجرا."

وقد يقول قائل:" ما مر ذكرك إلا وابتسمت له .. كأنك العيد والباقون أيام. "

غادر "مولانا" الدنيا "كقطع سحب تذوب في ضوء الشمس". كما كان يتمنى. ويقول ومريدوه :" ما ضرك لو أطفأ هذا العالم كله أضواءه في وجهك، ما دام النور في قلبك متوهجا!".

iNewsArabia.com > سياسة > عربي21
"مولانا".. مات في العشق كقطع سحب تذوب في ضوء الشمس,