القوة والحكم !

تعرّف القوّة بانّها القدرة أو امكان التأثير في الغير ! السعي في الحصول على القوة غريزة بشرية تشكّلت عبر العصور تدفعها حوافز سايكولوجية معقّدة منها طلب الانسان للهيبة والسمعة والشرف والمال والجاه والسلطة والتسلّط على الآخرين ! يرى العديد أنّ القوة تنعكس في: طرق وأساليب الحكم، قوّة القانون، العنف والقمع والقهر والاذعان، حيازة الثروة الماديّة، المعرفة والعلم ، الموروث الاجتماعي والديني "القيم والأعراف، الشخصيّات المقدّسة والمرجعيات الدينية والطائفية وغيرها" وقوّة الرأي العام كوضع استراتيجي تشكّله تفاعل توليفة من القوى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والسايكولوجية المعقّدة في بيئة مجتمع ما !

تصنّف القوة أيضا الى قوّة خشنة وقوّة ناعمة والأخيرة ترتكز على مبدأ المشاركة والتعاون الاجتماعي بينما القوة الخشنة تعتبر تكتيكا قاسيا يهدف الى تحقيق نتائج حادّة مؤكّدة! في بعض الحالات يكون التكتيك الناعم أشدّ قوة من التكتيك الخشن كالاقصاء الاجتماعي لمجموعة أو مكوّن اجتماعيّ رئيسي " على أسس دينية أو عرقية أو طائفية" بالحرمان من عدالة القانون والمساواة ومنع مشاركتهم الفعلية في الحكم وصنع القرارات ممّا يؤدّي الى تأثيرات ونتائج قد تكون أكبر مما لو استخدمت القوّة الخشنة والعقاب المادي المباشر! التاريخ يحدّثنا بأن الحــــاكم ينتقل في السلطة من القوة الناعمة الى القوة الخشنة عند مواجهته معارضة حقيقية تهدّد نــــظام حكمه وشخصه ! أساليب الحكم والقــــيادات السياسية في النظم الديمقراطية تميل لاستخدام التكتيكات العقلانية والقــــوة الناعمة!

الحكم أو السلطة تعتبر تجسيدا للقوّة بأشكالها وأبعادها كافة ويشترط أن تكون القوّة الكامنة في أبعاد التوظيف كافة تستند إلى شرعية حقيقيّة يقرّها الشعب والتنظيم الاجتماعي في الدولة! يجب على الحكم أن لا يستخدم أو يوظّف القوّة كآليّات عدوانيّة هدفها تحقيق مآرب شخصية أو مجموعته المهيمنة على مقاليد الحكم كون ذلك عملا غير شرعي يقود الى الفوضى الحتميّة بسبب من تأجيج الصراعات والنزاعات داخل المجتمع الواحد ! في اطار تسيير الدولة والمجتمع تصنّف القوّة الى " قوّة نازلة " عند قيام القيادات التنفيذية العليا في الدولة بفرض رؤاها وقراراتها وممارساتها على المجتمع وباتجاه واحد غير مسموح لأي طرف كان بمناقشته أو الاعتراض عليه! وتعتبر " قوّة صاعدة " عندما يتوفّر للمجتمع قوّة ذاتية تمكّنه من التأثير في عملية اختيار السياسات والقيادات والمشاركة الفعليّة في عملية تشكيل الدولة وعمل منظوماتها!

تتداخل القوة بالسياسة نظرا لأن عمل الدولة والحكومة هو في حقيقته توظّيف لأشكال القوّة في بعدها القسري وليس الأخلاقي ! فعمل الحكومة يعرّف بأنّه قوة سياسية ناجمة عن هيمنة وتحكّم مجموعة معيّنة بآليات الدولة التي تتعلّق بادارة وتوجيه الموارد العامة وتوظيف السياسات في جوانبها الأمنية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية وحركة المجتمع ! جوهر قوّة الحكم في طاعة الشعب لأوامر حكّامه لأن الشعب يعتبر المرتكز الشرعي الأعلى لنظام الدولة ولا شيء غيره " الشعب مصدر السلطات / القوّة بكافّة أشكالها" ! فطاعة الشعب هي القوّة الذاتيّة العظمى للحكم وللحاكمين وبحجبها تتعطّل ارادة الدولة والحكومة ورجالها " ثورات الربيع العربي" ! القائد الأعلى أو القيادات السياسية الرئيسة العليا تصبح مجرّدة من أيّة قوّة ومعزولة عن سلطاتها عند تنكّر الشعب لها ولتابعيها " عدم امتثال الشعب لأوامر حكّامه "! في هذه الحالة يكون الشعب " قوّة مضادّة " لركائز الحكم وتصبح القوة في هذه الحالة "قوّة ثنائية الأبعاد " لأن الحكم والحاكم في طرف والشعب في الطرف الآخر المعاكس ! وقد يطلق على هذه الحالة أيضا " لعبة الدكتاتور" لقيام الحاكم أو من يمثّل الحكم بحصر جميع عناصر القوة والقرارات المركزية بهم حصرا وبالتالي لن يكون أمام الشعب سوى خيار الطاعة والخنوع أو الاقصاء !

الاستقطاب والصراع الحاد بين الحاكم والمحكومين يدفع الى تعميق الاعتبارات القيميّة وتأجيج المسؤولية الاجتماعية للشعب واستخدام وسائل العنف " القوة " لاســــــترجاع الشرعيّة والهيمنة والسيطرة على الحــــــكم وأدواته من جديد ! ولتحليل ماهيّة السلــــــطة وأدواتها وكيــــــفيّة عملها لا بد من الاجابة على أسئلة رئيسة منها: من يحكم المجتمع حقيقة وفي الواقع ؟ ما هي مصادر قوّة الحكم والحــــــاكم وركائزه وكيف نشأت وتطوّرت ؟ هل أن نظام الحكم شــــــرعي يستند إلى مبدأ التفويض الاجتماعي الديمقراطي الحر فعلا ؟ هـــــــل قوة الحكم والحاكم موروث أصيل أم أعيد تشكيلها وانتاجها تحت ظروف معينة ؟ هل السلطة ترتكز على حكم الأقليّة للأغلبية ؟ ما هي طبيعة وشــــــكل العلاقة بين أعضاء الحكم المهيمنين على مقاليد القوّة في الدولة والحكومة والمجتمع ؟ ما هو جوهر وعناصر العملية السياسية في جانبها الهيكلي وآليّاتها وأطرافها و مدخلاتها ومخرجاتها …؟ !!

القوّة الكليّة في أيّ مجتمع عبارة عن محصّلة لتفاعل وعمل عناصر قوى عديدة لكلّ منها قوّة نسبية غير متســــــاوية في التأثير مع الأخرى وغير مستقرة في بيئتها عبر الزمن ! الــــــدولة والحــــــكم يشكّلها قــــــوى تتمثّل في أطراف عــــــدّة وكل طــــــرف يتحكّم بنوع من أنواع القوة ! لذا فالعــــــقلانية والديمقراطية الحقيقيّة تستوجب اعتماد تكـــــتيك استراتيجي يستند إلى مبدأ تحقــــــيق التوازن في القوّة بين الأطراف الرئيســــــة المتصارعة على الحكم وأدواته !

* كاتب عراقي

The post القوة والحكم ! appeared first on العرب اليوم.

iNewsArabia.com > أعمال > العرب اليوم | أعمال