صورة المسؤول الأردني.. فساد وانتهازية

مع مرور الذكرى الثانية والاربعين لاستشهاد رئيس الوزراء الأردني وصفي التل ظهرت حالة من التفاعل غير المسبوق في أوساط الشارع الأردني. اللافت هو ازدياد حجم التفاعل في كل سنة بالرغم ان جانبا كبيرا من شخصية الشهيد مازال غامضاً بالنسبة لكثير من الأردنيين.

الشاعر الكبير الراحل حبيب الزيودي كان أول من أعاد انتاج صورة الشهيد بصورته الشعبوية القريبة للواقع الأردني المعاصر عبر قصيدته الرائعة "وصفي" ومن ثم عبر اسقاط صورة الشهيد البطل على موروث الغناء الشعبي. اعادة انتاج صورة وصفي التل جاءت في وقت خلت فيه الساحة الأردنية من نموذج المسؤول القريب الى ذهنية الأردنيين ومعاناتهم و في وقت شهدت المنظومة الأردنية انهياراً في صورة مسؤولي الدولة الأردنية حيث أضحت هذه الصورة مرتبطة بحالات كثيرة من الفساد والانتهازية أي بصورة أقرب الى صورة "عابري الوطن" و حاملي "حقائب النقود".

الحالة التي تمر بها الساحة الأردنية تستدعي الدراسة؛ حيث إن ظاهرة الاشتياق للبحث عن شخصيات من الماضي و اسقاطها على الحاضر هي نتاج طبيعي لفشل او افشال الدولة لصناعة رموز معاصرة. في الحالتين ان كان هذا العمل ممنهجا او عشوائيا فان تفريغ الساحة قد يكون له عواقب وخيمة، اولها انتشار حالة يوتوبيا الماضي أما أخطرها فهو بناء العقلية الأردنية على ركيزة رؤية المستقبل من زاوية الماضي التي تضع المجتمع بأسره خارج اطار الزمن. كثيرة هي النقاط المضيئة في شخصية وصفي التل، أنا شخصياً معجب جدا بنموذج الاستقلال الاقتصادي وبناء الانسان الاردني الذي آمن وصفي التل أنه أساس التنمية المستدامة والمواطنة الحقة، عداك عن بساطة الاردني وعفويته سواء في الحديث او السلوك التي أهلته للبس ثوب الزعامة الوطنية والشعبية الجارفة التي لم يجاريه فيها أحد.

الاشتياق لنموذج وصفي هو اشتياق يتم التعبير عنه اليوم عبر رمزية وصفي لكنه في الحقيقة هو اشتياق للأردنية المطموسة والكرامة المستباحة الناتجة عن اصرار السياسات العامة على انتاج حالة استهلاكية وتحويل الاردني الى عنصر غير منتج وتعزيز صورة نمطية سلبية للاردني.

لهذا فمن يصر على تعزيز الحالة الاستهلاكية الأردنية هو نفسه الذي يقاوم اليوم ظهور نماذج تشابه وصفي. قد يحاجج بعضهم أن وصفي التل لم يكن نموذجاً ثوريا او تحرريا بل كان نموذجا من رحم السلطة، لكن يجب ألا ننسى أن هذا أيضاً كان سببا من أسباب نجاح الراحل في تطبيق مشروعه حيث إن هذا الواقع قدم له فرصة للتحرك بحرية في الداخل الأردني، بالإضافة إلى أن رؤيته الدولية والاقليمية هيأت له مناخات سمحت له بحرية التحرك وترجمة رؤيته على أرض الواقع في الداخل الأردني. . بقاء الأردن على خارطة المنطقة كدولة مستقلة ذات سيادة هو أخطر نتائج مشروع الاستقلال الاقتصادي الأردني الذي يقود ضمناً الى حالة الاستقلال السياسي.

اردن مستقل اقتصاديا ويملك حالة مميزة من التنمية تجعله في غنى عن برامج التركيع الاقتصادي والاقتراض الدولي و بالتالي بعيد عن مؤثرات القرار الدولي ما يعني استحالة استثمار الاردن في مشروعات التسوية النهائية للقضية الفلسطينية. وصفي الذي يشتاق الأردنيون له قد لا يكون وصفي التل الشخص بل وصفي المشروع، مشروع تحرير الداخل الأردني من الارتهان سواء في الرؤية التقليدية للأردن او للأردنيين أنفسهم التي اختزلت بطريقة مشوهة للحقائق منذ تأسيس الامارة لليوم.

أخطر ما في مشروع استقلالية الأردن والاردنيين هو النجاح في بناء الانسان الاردني الذي من الطبيعي ان تشكل نتائجه العامل الاخطر على مسار القضية الفلسطينية مستقبلا. لهذا يشتاق الاردنيون عبر عشقهم لعيون وصفي الى حالة من الاستقلالية والعزة والقوة والاباء، ويشتاق الاردنيون الى تاريخهم الضائع وهويتهم المطموسة. لهذا فليكن العشق لوصفي اليوم هو الطريق نحو بناء الأردن الجديد وبلا شك ولادة الأردنيين الجدد.

The post صورة المسؤول الأردني.. فساد وانتهازية appeared first on العرب اليوم.

iNewsArabia.com > أعمال > العرب اليوم | أعمال