جسد بلا مناعة

مصدر:
GMT 22:04 9/5/2013

• عندما سيطر الفكر الرأسمالي تخلت اجيال الحضارة الغربية عن القيم الدينية، علما بأن الثورات حاربت تسلط الكنيسة فقط وليس الدين.

الحضارة الغربية قبل ثلاثة قرون ليست هي ما نراه اليوم من «الانفتاح والانشكاح»، فحينها كانت لا تزال فيهم قيم اسرية وتمسك بالموروث الديني وثوابت خلقية. لكن لما قامت الثورة الفرنسية وخرجوا على الملكية القائمة وعلى السلطة البابوية (الكنيسة) وحملوا راية التغيير لتكون مولداً لركائز الحضارة الغربية الحالية، وليبدأ بعدها عهد الثورات الاوروبية، متبنين الدعوة نفسها «حرية، مساواة، اخاء». فرفعوا باسم الحرية «الحصانة» القانونية عن القيم الدينية والموروثات الاخلاقية غضباً وانتقاماً من تسلط «الكنيسة»، ثم تلاها سيطرة الفكر الرأسمالي الذي يقيم الامور كلها من دين وخلق بأوراق العملات، لتبدأ رياح الدين والاخلاق التي تدفع مركب تلك الحضارة بالسكون، لتترك الشهوة والطمع يلعبان بدفتها، فجيل الثورات لعله لم ينقطع عن كنيسته التي حاربوا سلطتها، فهم لم يريدوا محاربة دينهم بل ارادوا محاربة «تسلط» الكنيسة فقط، ولكن الاجيال التي تلت ذلك الجيل لم تكن ملزمة قانونا بأمر الدين ولا الاخلاق فالثورة كفلت الحرية شبه المطلقة دون قيود وشهوة المال ايقظت اسوأ اخلاقهم.

حضارتهم «اللادينية» تنكر زواج القاصرات (دون الثامنة عشرة)، وتعده جريمة بحق الطفولة، ولكنها ترضى لقناة بعرض برنامج عن فتيات قاصرات حوامل من دون رباط الزواج ليشبعن فضول الناس وتجني القنوات المال. ان تغتصب فتاة ثم تحرق جريمة تستحق السجن عشرين عاما كما حصل لمجويل كورانو، فحضارتهم «اللادينية» ارحم من ان تقر عقوبة الاعدام، ولكن اذا انشأت موقعا للاغاني المقرصنة لتتضرر شركات الغناء كما فعل كيم شميتز فهو جريمة تستحق السجن عليها خمسين عاما. حضارتهم «احيانا» تمنع الدعارة فهي اهانة للمرأة ولكن هذا لا يعني ان شركات الانتاج لا تستطيع دفع المال للفتيات لتصوير افلام خلاعية والقيام بالعمل نفسه؟ حضارتهم «اللادينية» تبكي على الفقر في افريقيا ولكنها ترمي القمح في البحر كي لا تقل اسعاره، فالربح اهم والمجاعة تنتظر.

نحن مثل مركب «سماري» في وسط البحر تهب عليه رياح الدين حينا وحينا الشهوة، فإن سكنت الاولى لعبت بنا الثانية، نحن بلا دين كجسد بلا مناعة، فإن غاب عن حياتنا تكدرت اخلاقنا وبارت انسانيتنا لنصبح أتباع شهوة وكناز مال.

جاسم فيصل القضيبي

[email protected]

iNewsArabia.com > رأي >