يا ولدي.. لا تمشِ وراء الجنازة

• بأفعالهم هذه مزّقوا جمعنا وشرّدوا أهلنا، وقتلوا أولادنا ورجالنا.. وهجَّروا أطفالنا وعائلتنا!

صحوت «في باكر» على اثر سماع أصوات وضوضاء وجلبة وضجيج وصيحات مزعجة تتصاعد من هنا وهناك. خرجت من غرفتي، حيث أسكن في مدينة الرباط، على الفور لأستجلي الأمر.. وإذا بأعداد كبيرة من الغوغائيين يسارعون الخطى وسط زحام المارة. يرتدون ملابس رثة كالحة باهتة الألوان. ويعتمرون فوق رؤوسهم أقنعة سوداء تغطي النصف الاعلى من وجوههم التي لم يظهر منها الا عيون غائرة ملؤها الحقد والكراهية!

كانوا يسيرون مسرعين يرددون هتافات مبهمة وهم يحملون فوق أكتافهم توابيت سوداء ومن حديد. وقفت أراقب هذا الموقف الحزين حتى مر واختفى، تاركا وراءه الغبار والدمار والفوضى. ولم يبقَ من الحشود إلا القلة من المتفرجين.

حاولت أن أعرف ما تلك المسيرة البائسة فلم أجد من أسأله إلا رجلا عجوزا كان يجلس تحت جدار أحد المنازل. اتجهت نحوه وقبل أن أبادره الحديث رفع رأسه وأشار بيده بحركات لم أفهمها، ونظر إلي بنظرة ملؤها الحزن والفزع وهو يحرك رأسه نحو اليمين والشمال. وقال كأنك أتيت تسأل عن الحشود البغيضة التي مرت توّاً من هنا، وعما تحتويه تلك التوابيت التي كانوا يحملونها على اكتافهم.

قلت: والله، هذا ما كنت أبتغيه وما أود معرفته.

قال وهو ينظر إلي بعين شاردة: يا ولدي انها مسيرة الخزي والعار، مسيرة الأفك والبهتان، مسيرة تحمل جنازة الوجدان والقيم والأخلاق، بعد أن قتلوها في النفوس.. أتعلم ما يحملون في تلك التوابيت السوداء؟.. يحملون يا ولدي كل ما تبقى لنا من عز وكرامة وإنسانية، يتسارعون بها، كما شاهدتهم يا ولدي لدفنها في مقابر الذل والإذلال، بعد أن زرعوا في نفوس الأخوة والأشقاء بذور الفتنة والبغضاء والتنافر والتطاحن واباحة قتل الجار جاره.

يا ولدي بأفعالهم هذه مزقوا جمعنا وشردوا أهلنا وقتلوا أولادنا ورجالنا، وهجروا أطفالنا وعائلتنا وكبار السن منا، بعد أن وطئوا بأقدامهم القذرة على كل ما هو غالٍ ونفيس وعز وعزيز.

يا ولدي، كارثة العصر ابتلانا بها رب العالمين بسبب أفعال السفهاء منا والمسيئين. وما لنا والله يا ولدي الا الصبر والإيمان، والا نيأس من رحمة الرحمن.

محمد البلهان

(سفير سابق)

iNewsArabia.com > رأي >
يا ولدي.. لا تمشِ وراء الجنازة,