الكويت مستقلة وحرة

مع الذكرى السنوية باحتفالات الاستقلال والتحرير في يومي 25 ــ 26 فبراير من كل عام تعيش الكويت مظاهر البهجة والفرح بهاتين المناسبتين الوطنيتين الغاليتين، ويحق لنا ككويتيين أن نحتفل بهما، فقد حققت المناسبة الأولى لنا كيان الدولة العصرية من المشيخة العشائرية، وانطلقت منها دولة القانون والمؤسسات وصار الناس شركاء في ادارة الدولة واقتسام السلطة، وخضعت ايرادات الدولة، والنفط تحديدا، كما هو الشأن لانفاقات الدولة، للرقابة العامة على أسس معلنة وشفافة، وصارت تلك من مظاهر قوة البلد وتماسكه.

أما المناسبة الثانية فقد جسدت مظاهر التمسك بالنظام ركيزة للشرعية الدستورية وجزءا من مؤسساتها، وأبرزت العطاء والمواطنة الصالحة لدى أبناء الكويت على اختلاف مشاربهم وفئاتهم وتعاضدوا ببوتقة واحدة في الداخل والخارج دفاعا عن وطنهم وتحريرا له من براثن احتلال غاشم وغادر، فكان مؤتمر جدة خارج الكويت ومقرراته، ووثيقة الرؤية الاصلاحية داخل الكويت، اعلانين متجددين للولاء والعهد على شرعية النظام وتوكيد الخيار الديموقراطي غاية لمستقبل الدولة.

واليوم، وفي غمرة الاحتفالات المتجددة، وبعد مضي 22 عاما على التحرير من الغزو العراقي الغادر، ينبغي أن نتساءل: أين نحن من مظاهر الاستقلال والتحرر؟

- فقد اشتدت مظاهر الصراع بين بعض أبناء الأسرة قبل أبناء الوطن، وصار الطموح الشخصي لهم سببا لتفتيت مؤسسات الدولة واضعاف الولاء للوطن، بسبب سعي بعضهم إلى أن يجعل الولاء له هو وليس للبلد، وظهرت وسائل محزنة لكيفية استقطابهم الولاء بالمال والعطايا والتسهيلات على حساب الدولة وحقوق المواطنين الآخرين. وللأسف بادرت السلطة لمجاراة ذلك بكسب شعبية ورضا وهمي للمواطنين بتشجيع قيم الأخذ وتحويل الدولة الى غنيمة للاقتسام، فتزايدت مظاهر الفساد والاتكالية ونهب الأموال العامة وتبرير الغياب عن العمل والبحث عن الطرق المشبوهة للحصول على الشهادات، فصارت المواطنة اقتناصا لفرص الاقتيات على الدولة.

- وتكاثر في مجلس الأمة النواب اللاهثون للعضوية لذاتها، فكان هؤلاء وبالا على الدولة باستغلالهم نيابتهم لأمجادهم الشخصية، فصار معظمهم أدوات للصراع على السلطة بسبب تطلعاتهم لأمجاد مزرية أو تحالفاتهم المشبوهة مع بعض أطراف الصراع، أو لكونهم باعوا البلد ببيعهم مقاعدهم النيابية، فصار في مجلس الأمة دمى تتفنن في امتهان العضوية والانحراف بها حتى انحدر كل شيء في عملنا البرلماني.

- في حوار مبكر في اواخر أيام الغزو وبعيد التحرير، كنت أردد لأصدقائي أننا أمام فرصة تاريخية لا تتكرر لاعادة بناء الوطن، فقد صارت التركيبة السكانية بوضع طبيعي ييسر السيطرة الفاعلة عليها، والناس بعزم وحماس يبدد كل احتمال للعودة الى مظاهر التسيب والاتكالية، ومن كان يظهر ولاء وحبا للكويت وهو غير صادق فقد انكشف، وكل متطلبات صياغة وطن جديد تهيأت، لكن الوقائع التي تلت تحرير الكويت والسنوات المتعاقبة منذ ذلك الحين كشفت أننا لم نستقل ولم نتحرر من أمراض النفوس الأمارة بالسوء ولم نتحرر من نهج السلطة التقليدي في الادارة ولم نتحرر من عقلية الصراع والتكسب السياسي لدى التيارات السياسية وشخصيات العمل البرلماني ولم نتحرر من الفئوية المقيتة التي ألحقت بالمواطنة ضربات قاتلة بحلول الولاءات الفئوية والقبلية والطائفية والمناطقية محل الولاء للدولة والمواطنة الدستورية، فهل لدينا ارادة الاستقلال والتحرر؟

أ.د. محمد عبدالمحسن المقاطع

[email protected]

iNewsArabia.com > رأي >