مائدة عشائي

• العلاقات الاجتماعية تأخذ وزنها واتزانها من انسجام بين عقلي المتقدم والمتلقي.. فما نسبة نجاحها اذا شعر الاثنان بأنها بلا مصلحة للطرفين؟

حين نذهب الى المطعم، ألاطف من يخدمني وأمازحه، وعلى الرغم من أنني قد سئمت من التكرار، فان مفعول تلك المزحات السحري يجعلني أكررها، فحين يستأذنوني لرفع صحني الفارغ، أشير باصبعي مبتسما الى قطعة يتيمة من الخس في صحني الفارغ تماما وأطلب منه أن يجعلها في عبوة مخصصة لأخذها معي المنزل، وحين ينظر الى وجهي مستغرباً من طلبي السخيف، يشاهد ابتسامتي ويعلم ممازحتي فينفجر من الضحك، فلا يعقل أن يضعها في عبوة!

وعلى الرغم من أن دافعي هو شفقتي لكثرة تلقيهم الأوامر العسكرية وزجرهم حين التأخر في الطلبات، فان السبب الأكبر هو حصولي على خدمة أفضل وعناية أكبر، فكلمتا ملاطفة خيرٌ من أوقيتي ذهب تدفع كبقشيش.

رغم أن ما أفعله هو نتيجة تجربتي الشخصية، فان تفسير قبولهم لملاطفتي وترحيبهم بي في الزيارات اللاحقة، تفسّره نظرية تبادل المنافع الاجتماعية (Social Exchange Theory) انها تجيب عن التساؤل: لمَ نقبل تكوين علاقات اجتماعية مع البعض ونرفضها مع الآخرين؟ فهذه النظرية تفترض أن العلاقات لا تنشأ الا اذا كان العائد من تلك العلاقة أكبر، وبالتالي فان العائد على أي علاقة اجتماعية بيني وبين من يخدمني هو عائد أكبر بالنسبة له ولذا لا يرفضها، ولكن التساؤل المنطقي هو: كيف يمكن لغيرنا أن ينظروا الى علاقتنا على أن عائدها مرتفع؟

ان عقولنا تلتقط الكثير من الاشارات من الآخرين (علم النفس الاجتماعي)، وهذه الاشارات تشمل أقوالهم وأفعالهم وطريقة لبسهم، والكثير من الاشارات يتم التقاطها والتعامل معها بلا وعي في العقل الباطن، وتعطى وزنا نسبيا في عقولنا، فعلى سبيل المثال: حين نقابل شخصا يتحدّث عن مكارم الأخلاق، فبكل تأكيد اننا سنصنف هذا الشخص ونقول انه شخص يسعى للخير، لكن تأكيد أفعاله على ما يقول سيكون هو ذا الوزن الأعلى لنقتنع، ويكون حديثه ذا تأثير بسيط وبانتظار تأكيد أفعاله، وهذه طبيعة عمل جزء من عقولنا التي تعمل في الخلفية وتهيمن على الموافقة على العلاقات الاجتماعية، ولربما كانت اشارات العقل الملتقطة تتعارض، وبالتالي سترفض عقولنا العلاقة لأنها مشوشة أو غير واضحة المعالم، ولا ننسى أن طبيعة عقل المتلقّي (من نرغب في انشاء علاقة صداقة معه) تساهم في تحديد قيمة العلاقة الاجتماعية طبقاً لاهتماماته وما سبق تعريفه لعقله على أنه مهم، ففي مثالي السابق، فالمستمع لمكارم الأخلاق قد يكون مهتما بالحصول على الأموال دون أي اكتراث بأي الطرق حصل عليها، ومثل هذا الشخص لن يطربه أي حديث عن الأخلاق ولن يهتم بمتحدّثه لكنه سيهتم جداً لو تحدّث عن ربحٍ سريع تحقق، فتراه يتقرب اليه لظنه بأن عائد التقرب اليه كبير.

وعلى الرغم من أن علاقتي بمن يخدمني بالمطعم عائدها المتصوّر يعد كبيراً لمن يخدمني، الا ان عائدها لي أيضاً مرتفع، فطالماً حصلت على معاملة أفضل وخصومات، والعديد العديد من الأطباق المجانية المزينة بابتساماتهم الصادقة.

عبدالله عبداللطيف الإبراهيم

[email protected]

iNewsArabia.com > رأي >