طوِّر قدرات تفكيرك بالتدبر

• هل السماء بلا عمد تحتها، ام انها موجودة ولكننا لا نراها بحكم قانون إبصارنا؟ ان الرؤية لا تقتصر على الحاسة بل بالتفكر ايضا!

يعلمنا التدبر صواب التفكير والتبصر، ويطور قدراتنا ومهاراتنا الذاتية، فلو سألنا انفسنا كيف تكون السماء من فوقنا على امتدادها بغير عمد تحتها؟ لقوله تعالى: «اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا»، فهل السماء بغير عمد تحتها! ام انها موجودة ولكننا لا نراها بحكم قانون ابصارنا، مما يعني وجود اعمدة مصنوعة بطريقة غير معروفة لنا بالرؤية، وفي ذلك تصور العلماء مجازا، لو اننا وضعنا على سطح الارض، برا وبحرا، تريليون عمود واكثر، شديدة التحمل من الفولاذ المضفور، قطر الواحد منها خمسة امتار، فلن تكون هناك رؤية وحياة ومكان للبشر، ولن يكفي حتى ذلك، بمنع الارض من اندفاعها الى متاهات الفضاء الكوني المعتمة.

معلوم ان الرؤية لا تقتصر على الحاسة، بل تكون ايضا بالتفكر، «إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ»، وبالعقل، «مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى»، وتحقيق القول في «بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا» فان النفي «بغير» يرد في اللغة على اوجه، منها ان يكون متناولا للذات، اذا كانت غير موصوفة، كقوله: «وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ»، اما اذا كانت الذات موصوفة، فان النفي يقع على الصفة دون الذات، كما في قوله: «خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا»، وحيث ان اعراب «ترونها» صفة للعمد، فيكون المنفي «بغير» هو الرؤية، لا العمد، وعليه فان للسموات اعمدة، لكنها غير مرئية، فما اجمل تدبر القرآن في اعجازه العلمي وبيانه البلاغي.

توصلت الدراسات الكونية، بوجود قوى عظيمة تعتبر من السنن الاولى للدعائم الخفية، التي يقوم عليها بناء السماوات والارض، اودعها سبحانه في اللبنات الاولية للمادة، من الذرات والجزيئات، الى كل اجرام السماء، لتحكم وتنظم بناء الكون، وتمسك بأطرافه، وتسري بسرعة الضوء في مختلف جنباته بأوجه متعددة، لتربطه برباط وثيق، الى ان يشاء الله.

تتمثل القوة العظمى بأربع صور هي: القوة النووية الشديدة التي تمسك مكونات الذرة والذرات بعضها ببعض، والقوة النووية الضعيفة، التي تقوم بتفكك وتحلل بعض الجسيمات الاولية للمادة داخل الذرة، والقوة الكهرومغناطيسية، لربط الذرات بعضها ببعض داخل الجزيئات، فتعطي المواد صفاتها الطبيعية والكيميائية، والقوى الرابعة الجاذبية، التي تعتبر ضعيفة على المدى القصير، ولكنها على المدى الطويل تصبح الاقوى في الكون، نظرا لطبيعتها التراكمية، وتطلق هذه القوة موجاتها الجاذبة، التي اودعها الله تعالى مادة للكون، من نواة الذرة الى المجرة العظمى، لتربط كل اجزاء الكون بعضها الى بعض، برباط وثيق، كما ترتبط اجزاء البناء الواحد، بما يوضع بينها لتتماسك به، حتى لا ينفرط عقده.

يرى العلماء عند توقف عملية توسع الكون، ستبدأ الجاذبية وموجاتها في العمل على انكماش الكون، واعادة جمع كل مكوناته على هيئة جرم واحد، شبيه بالجرم الابتدائي، الذي بدأ به خلق الكون، وسبحانه القائل: «يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ».

حجاج بوخضور

iNewsArabia.com > رأي >