مستقبل الطبقة الوسطى

مصدر:
GMT 22:12 5/9/2013

يقدّم كتاب «الطبقة الوسطى في العالم العربي» للدكتور عبدالمالك خلف التميمي لوحة شاملة، لعل أبرز ما فيها أنها تعيد قراءة واقعنا العربي استنادا إلى الفاعل الرئيسي فيه خلال فترة ما يسمى بـ«النهضة» مطلع القرن الماضي، خاصة بعد التخلّص من الاستعمار وتتابع حركات التحرر والاستقلال، حيث لعبت الطبقة الوسطى دورا رئيسا كقائد للحراك السياسي والاجتماعي على وجه الخصوص. يقدم التميمي كشف حساب عبر نجاحات وإخفاقات الطبقة الوسطى ودراما الصعود والهبوط، الآمال والإخفاقات، كما يفند المخاطر التي تتعرض لها.

والقبس تقدم للقارئ أجزاء من كتاب التميمي، تسلط الضوء على جانب مهم من أزماتنا المعاصرة، خاصة فيما يتعلق بمخاوف تدمير ونهاية الطبقة الوسطى، وما يمكن أن يترتب عليه من نتائج. يذكر أن د. التميمي يعد الآن طبعة جديدة من الكتاب، بإضافات ومعلومات حديثة.

الفصل السابع مستقبل الطبقة الوسطى

عندما نقرأ بعض الكتب والدراسات حول الطبقة الوسطى في العالم وفي العالم العربي خصوصاً، مثل: كتاب د. رمزي زكي «وداعاً للطبقة الوسطى»، ونلمس من واقع مستوى الدخل المتأرجح والمنخفض لفئات من الطبقة الوسطى في ظل الأوضاع الاقتصادية القائمة، وتزايد المشكلات التي تواجه هذه الطبقة الناتجة عن زيادة عدد السكان وبطالة المتعلمين، وظاهرة الهجرة وآثارها، نستطيع تصور ملامح مستقبل الطبقة الوسطى في العالم العربي، والتي يغلب عليها الجانب السلبي التشاؤمي على الأقل في المستقبلين المنظور والمتوسط.

الماضي والحاضر

إن التاريخ ليس ماضياً فحسب، فهناك الكثير من الماضي نعيشه في الحاضر، وهناك الكثير مما نعيشه في الحاضر سيكون موجوداً في المستقبل، لذلك عندما نحلل ونقيّم أوضاع الطبقة الوسطى في العالم العربي في الماضي القريب، فنحن نقيم جزءاً كبيراً من مشكلاتها في الحاضر، وسيكون من دون شك لهذه الأوضاع القائمة تأثير على المستقبل، وحتى لا نخرج عن العلمية والواقعية والتاريخية في فهم الأوضاع، خصوصاً أوضاع الطبقة الوسطى التي يعنيها موضوعنا، لا ندخل ضمن التنبؤ عن أوضاعها في المستقبل، على الرغم من أن استشراف المستقبل أمر مشروع ومطلوب بناء على دراسة واعية للماضي والحاضر. إن هناك متغيرات أساسية وجذرية اقتصادية واجتماعية وسياسية قد حدثت للطبقات الاجتماعية في العالم العربي خلال النصف الثاني من القرن العشرين، من بينها ذلك الذي حدث للطبقة الوسطى التي اتسعت وكبر حجمها، وكثرت مشكلاتها، وغدت أكبر طبقة اجتماعية في مجتمعاتنا المعاصرة، ومن دون أن نوغل في توقعاتنا باحتمالات تتعلق بأوضاعها ودورها المستقبلي، فإن فهم ماضيها وحاضرها في العالم العربي يقود إلى استشراف جيد ومفيد لمستقبلها، ونعرف أن الحديث عن المستقبل مغامرة، ذلك أن المتغيرات قد تأتي بعكس تصوراتنا. بيد أن التفكير الجدي بالغد ضرورة لبناء المشروع الحضاري لهذه الأمة.

التقسيم الطبقي: أغنياء وفقراء

يبدو من قراءة متمعنة للواقع أن الوضع الطبقي في العالم العربي يسير باتجاه التقسيم الحاد إلى طبقتين أساسيتين، هما: الأغنياء والفقراء، تأثراً بالعولمة المعاصرة، وهذا يعني تغيراً واختلالاً في بنية المجتمعات وتركيبتها، ويعني ضعفاً وتدهوراً للطبقة الوسطى التي كبرت واتسعت وأثرت في تطور مجتمعاتنا أخيراً، وعلى الرغم من توافر فرص العمل وتقدم التكنولوجيا، واستغلال الموارد والإمكانات البشرية، فإن الفقر والبطالة والفساد والمشكلات الاجتماعية تزداد وتتفاقم، وإن المرحلة المقبلة ستشهد تقسيماً طبقياً جديداً وقد بدأت ملامح هذا التقسيم إلى طبقتين هما الأغنياء والفقراء، بحيث توضع الطبقة الوسطى بين مطرقة الطبقة الغنية وسندان الطبقة الفقيرة، وهذا يعني أن مجتمعاتنا ستشهد أزمات اقتصادية واجتماعية هي من ثمار العولمة القائمة المقبلة المهيمنة لا محالة، وعجزنا عن التعامل الندي معها بحكم الفارق الحضاري بيننا وبين القوى الدولية الكبرى التي تتزعم العولمة وتقودها. فسياسات الإصلاح الهيكلي الاقتصادي بإطلاق قوى السوق، وتقليص القطاع العام تعني تعزيزاً للرأسمالية التي تتجه أكثر فأكثر نحو التقسيم إلى أغنياء وفقراء، وعدم التوازن الطبقي في المجتمع، وتعني مزيداً من التدهور لأوضاع الطبقة الوسطى.

تفاوت الرواتب

إن المستوى المعيشي للطبقة الوسطى في الشرق الأوسط مثل دخل الأطباء والمدرسين منخفض، وهو نسبي بين دول مثل: مصر وسوريا والعراق، وفي مثل هذه البلدان هناك زيادة في عدد المتعلمين وقلة في فرص العمل، ما ينتج عنه انخفاض في مستوى الدخل. مما يضطر فئات اجتماعية إلى البحث عن وسائل للحصول على مستوى في الدخل يتناسب والظروف الاقتصادية الاستهلاكية في كل دولة من دولنا العربية، وقد تكون بعض تلك الوسائل غير مشروعة يجد فيها من يلجأ إليها التبريرات المناسبة. وفيما يلي قصة واقعية نوردها لنتعرف على انتهازية ووصولية بعض أفراد الطبقة الوسطى يمكن أن تكون مثلاً نقيس عليه أوضاعاً في دول عربية أخرى، هي عائلة خليجية رأى الأب أن يقود أبناءه لمساعدة أحد المرشحين للنجاح في الانتخابات النيابية، على أمل المساعدة في خدمات يحصل عليها في وزارات الدولة، مثل قرض أو توظيف الأبناء أو الواسطة لخدمات أخرى، والأمر الغريب تنقل الأب والأبناء من مرشح إلى آخر في كل انتخابات تجري عندما يعجز المرشح السابق عن تلبية طلباتهم كلها على الرغم من اختلاف توجهات المرشحين السياسية، فمرة مع الليبرالي، ومرة مع الديني، ومرة مع نائب الخدمات الحكومي .. إلخ، أين تكمن الأزمة هنا؟ هل هي في المرشح أم في هذه العائلة التي تنتمي إلى الطبقة الوسطى؟ إن المشكلة تكمن في الفكرة الخاطئة أساساً والتي ركزت على المصلحة الشخصية وليس المصلحة العامة، ولضعف تطبيق القانون، ما جعل هذه العائلة وغيرها تبحث عن الواسطة، ووجدت في دعم مرشحين معينين ضالتها لتحقيق تلك المصالح، إنها مسألة قصور في وعي الناخب وثقافته، هذه الحالة وأمثالها جزء من أزمة الطبقة الوسطى في مجتمعاتنا التي تعيش ضعفاً في الوعي وخللاً في تطبيق القانون.

الطبقة الوسطى وضغط الأغنياء والفقراء

في ظل التقسيم الطبقي الجديد قلنا تتجه التطورات الاقتصادية المعاصرة الى تكوين تسود فيه طبقتان هما: الطبقة الغنية والطبقة الفقيرة، وهذه حصيلة ما تبشر به العولمة الرأسمالية، ذلك لا يعني إلغاء للطبقة الوسطى، ولكن تقليص وضعها المادي ومن ثم تأثيرها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.

ومن الطبيعي أمام هذا التطور الاقتصادي والتغير في البنية والتركيب الطبقي أن تتكوّن رؤية وموقف للطبقتين الغنية والفقيرة تجاه القادمين الجدد من الطبقة الوسطى، فالطبقة الغنية التقليدية تنظر للذين صعدوا إليها من الطبقة الوسطى بأنهم طارئون منافسون لها. والطبقة الفقيرة تنظر الى هبوط أعداد من الطبقة الوسطى إليها بأنه عبء إضافي لمعاناتها.

صعوبات الطبقة الوسطى

إنه من دون شك وكما أوضحنا في مواقع أخرى من هذه الدراسة إن صعوبات جمة تواجه الطبقة الوسطى في حاضرها ومستقبلها بيد أن تدمير الطبقة الوسطى أو تفكيكها غير وارد في ظل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية القائمة والقادمة في مجتمعاتنا النامية، والسؤال: لماذا يتوقع البعض تفكيك ونهاية الطبقة الوسطى ولم يتوقعوا عكس ذلك، وكيف تعود الأوضاع الى عهد مضى عندما كانت فيه الطبقة الوسطى ضعيفة أو غير موجودة في العالم العربي مع تغير وتطور كبير في الوضع الاقتصادي والاجتماعي؟! هذه أسئلة نريد مشاركة القارئ في التفكير والإجابة عنها.

الآن وقد أشرفنا على الانتهاء من دراسة أوضاع الطبقة الوسطى الظاهرة المهمة في تاريخنا المعاصر، ماذا يمكن أن نستنتجه ونتعلم منه بعد تفحص أوضاع هذه الطبقة مفهوما وممارسة في دولنا ومجتمعاتنا؟

استنتاجات

1 - إن أسباب تكون واتساع الطبقة الوسطى الأساسية، التعليم الحديث والتطور الاقتصادي المعاصر الذي نتج عنه ارتفاع في مستوى المعيشة في العالم العربي لاتزال قائمة ومؤثرة في أوضاع هذه الطبقة وبناء عليه ستبقى هذه الطبقة مؤثرة في حاضرنا ومستقبلنا المنظور على الرغم من المشكلات والسلبيات التي تعيشها.

2 - إن المشكلات التي تعيشها الطبقة الوسطى في العالم العربي تعرقل مسيرتها ودورها المفترض أن تقوم به على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، ومن هذه المشكلات: الهجرة، والتهميش، وصراع القيم.

3 - إن فشل القوى السياسية في العالم العربي في إدارة شؤون هذه الدول في الوقت الذي أتيحت للطبقة الوسطى الفرصة في ذلك لإحداث التنمية دليل على فشل الطبقة الوسطى في تاريخنا المعاصر لأنها هي التي تشكل البنية الأساسية قيادة وقاعدة للأحزاب والقوى السياسية العربية.

4 - لقد توصلت الدراسة أيضا الى أن انتهازية ووصولية مثقفي الطبقة الوسطى قد ساهمت في إضعافها في فترة ما بعد استقلال الدول العربية.

5 - وعلى الرغم من تحسن أوضاع هذه الطبقة تعليميا واقتصاديا فانها تعيش حالة من البطالة بكل أنواعها، كما تعيش فئات منها حالة الفقر في عدد من الدول العربية.

6 - من النتائج الأساسية التي يمكن معرفتها من دراسة هذه القضية أن التقدم في عالمنا العربي مرهون بدور الطبقة الوسطى في هذه الدول العربية لحجمها المتنامي وتعليمها وثقافتها والدور الذي يمكن أن تلعبه في تنمية مجتمعاتها وتطورها.

7 - إن المشكلات التي تعانيها الطبقة الوسطى ليست خاصة بأوضاعها في العالم العربي، ولكن في العالم في ظل العولمة المعاصرة التي تركز على الاقتصاد الحر والقطاع الخاص والحياة الاستهلاكية، وتقليص وربما تقزيم دور القطاع العام.

iNewsArabia.com > ثقافة >