بيت يتجوّل: قصيدة الخِفّة وغرف «خازندار» الطّائشة

يوسف عبد العزيز -
منذ نهايات الأربعينيّات انفتحَت قصيدة الحداثة العربية على مجموعة كبيرة ومتعدّدة من الشّعريّات والأشكال. فبالإضافة إلى قصيدة التّفعيلة وقصيدة النّثر، نجد هناك قصيدة المشهد وقصيدة الحالة وقصيدة الرّؤيا. لقد ساهمت هذه الشّعريّات والأشكال في إغناء المشهد الشّعري العربي، وفي ظهور عدد كبير من التّيّارات الشّعرية التي أخذت على عاتقها مهمّة التّجديد والابتكار.
من هذه المناخات الجديدة التي اجترحتها تلك التّيّارات برز إلى الواجهة ما يمكن أن نسمّيه بقصيدة الخفّة. في هذه المقالة سأحاول أن أستقصي أبعاد تلك القصيدة التي أعتقد أنّ الحديث فيها يتمّ لأوّل مرّة، كما سأحاول أن أعطي نموذجاً أعتقد أنّه يمكن أن يقدّم فكرةً واضحة بعض الشّيء عن هذا النّمط من الكتابة الشعرية.
قصيدة الخفّة يمكن اعتبارها تلك القصيدة المسكونة بالظّلال والهواجس أكثر ممّا هي مسكونة بالكلام. وهي بعبارة أخرى تلك القصيدة التي لا تُصرّح بالشّيء بقدر ما تومئ وتبوح به، ولا تقول بقدر ما تمحو. إنّها قصيدة مركوزة على سهم الهواء النّاحل، وبالكاد تحتفظ بكلماتها القليلة بعد القراءة، لأنّها سرعان ما تذوب على شفاه قُرّائها.
مثل هذه القصيدة مبثوثة هنا وهناك في نتاجات الشعر العربي والعالمي، ولكنّ نماذجها قليلة ونادرة. إنّ أكثر الذين يكتبونها هم أولئك النّفر من الشعراء الضّجرين المتورّطين بمشكلة الوجود، الذين قرّروا ألاّ يقدّموا مراثيهم للعالم وألاّ يُوبّخوه، وإنّما أن يصمتوه. الشّعراء العشّاق أيضاً لهم مساهماتهم في هذا المجال، ولو أنّهم يمكن أن يقعوا أحياناً تحت طائلة الحبّ اللاهب، الذي يمكن أن يخرجهم من ضربة الارتباك وحالة الهشاشة، باتّجاه مديح العاشق وتعداد صفاته ومناقبه. على كلّ حال تظلّ مسألة الوقوف في الحيرة، هي أهم المسائل التي عن طريقها فقط، يتمكّن الشاعر من الولوج في أرض الخفّة، والتّحرّر من الطّبيعة الثّقيلة للكلمات. إنّ المحتار ليبدو بكلّ تلك اللجلجة التي تنسيه في الواقع العبارة المناسبة التي تعبّر بدقّة عن غليان الدّاخل، فكلّما هتف بكلام معيّن كلّما محاه، ليخرج علينا في النّهاية بتلك الإشارات واللعثمات التي تحيل اللغة إلى وسيط خفيف يسهل على أيّة هبّة ريح أن تطيّره.
تقوم شعريّة الخفّة على فكرة الاحتفاظ باللحظة الشعورية حتى حدودها القصوى، وعدم ذرذرتها لتصبح محض خبر شائع مثلها مثل أخبار السّياسة. إنّها الرّغبة بالإبقاء على الحلم في أوج اشتعاله، وعدم التّفريط به ليصبح بحكم المألوف والمتداوَل. من هنا فإنّ معالجة تلك اللحظة تتطلّب نوعاً من النسيان أو السّهو. مما يدفع الشاعر الذي يكتب هذا النّوع من الشعر أن يُبقّع الكلام القليل الذي يحبّره على الورقة بعدد لا بأس به من فجوات الصّمت.
تعمل فجوات الصمت هذه على خلخلة المعنى الدّلالي للعبارات المكتوبة، وتحويلها إلى شكل من أشكال التّجريد. إنّها شديدة الشّبه بالوسط المذيب الذي يغيّر اللون والنّكهة للمادّة المذابَة تمهيداً للحصول على سائل جديد له مواصفات أخرى مختلفة. العملية التي تتم هنا قريبة من فكرة التّشكيل، فمن أجل استبطان الأعماق، يلجأ الفنّان إلى تلخيص هواجسه بأقل ما يمكن من الضّربات أو الخطوط، تاركاً فسحةً معقولة للمشاهد حتى يُكمل المشهد.
من أجل التّمثيل على هذا النّوع من الشّعر اخترت نصّاً للشاعر الفلسطيني (وليد الخازندار) من مجموعته الأخيرة (غرف طائشة) الصادرة عن دار فكر للنشر في بيروت، النّصّ بعنوان (مجروحةٌ وآسرة):
“بالصّرخة، فجأةً، عالياً تغالبين السّدى، وتراوغين الدّمع بالنّكتة السّافلة. على الجدار القهوة ما تزال من فورةٍ أخيرةٍ، وعلى الكرسيّ عند السّرير في التّميمة من شهرين شال يؤرّخ لي يديكِ، كم تُرى أخطأتُ؟! أتوجّس إذ يتأخّر الشّجرُ وإذ قمرٌ وراء الغيم يختفي، وأخبّئ من عينيكِ وردةً ذبلت، وأحاذر كلمةً تفضي إلى الزّعل، لأنّك مجروحة وآسرة لأنّك منهوبة من الخطف، حدّكِ الثّأر، حدّكِ المغفرة، تدورين بعد الظّهر كلّه في ثياب خفيفة في غرف طائشة”.
في القصيدة السّابقة تقع أعيننا أوّل ما تقع على صورة المرأة الآسرة المجروحة التي رسمها الشّاعر. هنا تبرز تلك اللحظات المكتظّة بالأسى والتّمرّد والتي هي بمثابة تأريخ مقتضب للمرأة قام الشاعر بسردها، في محاولة منه للإمساك بشيء من أثرها. لنلاحظ هنا الانقطاعات التي تُحدِثها الفواصل: بالصّرخة، فجأةً، عالياً. مثل هذه الانقطاعات تحزّز العبارة وتخلق في نسيجها فجوات من الصّمت التي تعمل على نقل الشّحنة العاطفية بكل ذلك الزّخم والرّجفان. على إثر ذلك نلمح ردّة الفعل بالمقابل لدى الرّجل العاشق الذي يستريب: أتوجّس إذ يتأخّر الشّجر، وإذ قمر وراء الغيم يختفي، ثمّ وأحاذر كلمةً تفضي إلى الزّعل. في نهاية القصيدة نعثر على الضّربة الأخيرة التي تحيل المشهد كاملاً إلى نوع من الخفّة: تدورين بعد الظّهر كلّه في ثياب خفيفة في غرف طائشة.
لقد تحوّل المشهد بكل ما فيه إلى حالة من الطّيران، لقد خفّت الأرض، وخفّت المرأة وطاشت مثلها مثل غرف البيت التي تتجوّل فيها.
شعرية الخفّة ربّما تكون هي البديل الحقيقي، لشعرية الضّجيج، ذلك النموذج التي طغى على الكتابة الشعرية العربية ردحاً طويلاً من الزمن، حيث كان الشّاعر مهتمّاً بقراءة تلك النصوص، التي هي أقرب إلى البيان السياسي منها إلى القصيدة. ويحمّل الشّعر أكثر ما يَحتمِل.

[email protected] -

iNewsArabia.com > سياسة >