كذبة الربيع العربي!

نور الدين بالطيب -
كاتب وصحفي / تونس -

الخيبة التي يشعر بها المواطن التونسي اليوم ليست مقتصرة على الوضع التونسي السائر نحو مزيد من التأزم والانهيار بل في علاقة مباشرة مع ما يحدث في ليبيا الجارة التي كان التونسيون في إطار «الربيع العربي» يعتقدون انهم سيجدون فيها ملاذا للعمل خاصة مثلما كان الحال في السابق أو اكثر بعد أن تخلصت من الديكتاتورية.

بعد حوالي شهرين تحل الذكرى الثالثة للحدث الذي هز تونس والعالم العربي عندما أحرق محمد البوعزيزي البائع المتجول نفسه أمام مقر محافظة سيدي بوزيد في الوسط الغربي التونسي احتجاجا على الإهانة التي تعرض لها من فادية حمدي عون التراتيب البلدية.
فمنذ تلك اللحظة اشتعل حريق الغضب الذي سرعان ما امتد إلى كل جهات تونس من الجنوب إلى الشمال بين ١٧ ديسيمبر ٢٠١٠ و١٤ يناير ٢٠١١ عندما غادر ابن علي تونس بعد أن حكم تونس ثلاثة وعشرين عاما وتتحول تونس بذلك رائدة «للثورة» السلمية التي أطاحت بالديكتاتورية ودشنت جيلا جديدا من الثورات سمي بـ«الربيع العربي»!
وسرعان ما امتد «الربيع» إلى مصر واليمن وسوريا وليبيا وأصبحت «ثورات» هذه البلدان الموضوع الأساسي في كل وسائل الإعلام في العالم بل أصبحت «الثورة» التونسية موضوعا يدرس وتعقد حوله الندوات.
بعد ثلاث سنوات يتأمل المواطن التونسي حياته اليومية فيشعر بالكثير من الإحباط فالأسعار تضاعفت والاحتكار اصبح اكبر والأمن تراجع والإدارة فقدت مستوى خدماتها بسبب التساهل الإداري وانعدام الكفاءة في المسؤولين الجدد الذين عوضوا الكفاءات المحسوبة على العهد البائد الذي أطاحت به «الثورة» لقد فقد الربيع التونسي بريقه في ثلاث سنوات فقط ولم يبق له حضور إلا في مخيلة الذين استفادوا منه من الحكام الجدد الذين كان اغلبهم في السجون والمنافي الأوروبية طيلة حكم ابن علي تقريبا.
فكل ما حلم به التونسيون لم يعد إلا ذكرى وعندما يعقد أي مواطن مقارنة بسيطة بين حياته السابقة قبل هروب ابن علي من تونس وحياته اليوم يكتشف أن كل ما حدث يشبه حلقة من حلقات «الكاميرا الخفية» ذلك البرنامج الرمضاني الذي يدمن التونسيون مشاهدته فكل ما حدث لم يكن إلا ترتيبا لفرض أمر واقع جديد هو تغيير الخارطة العربية بتمهيد الطريق لوصول الإسلاميين للحكم بتوفير مناخ ملائم عبر شيطنة النظام القديم الذي ورث الحزب الدستوري الذي قاد معركة الاستقلال وبنى الدولة التي كان التونسيون يتباهون بها إلى وقت قريب قبل أن توجه لها ضربات موجعة من «ثوريين» صدقوا أن هناك فعلا ربيعا عربيا.
لقد تم استثمار الغضب الشعبي العارم في الجهات الداخلية التي عانت من التهميش والحرمان طيلة سنوات الاستقلال مثل محافظات قفصة وسيدي بوزيد والقصرين وجندوبة وسليانة وقبلي والكاف وتوجيه هذا الغضب التلقائي عبر وسائل الإعلام لإسقاط النظام وإيجاد واقع جديد بعد أن تورط النظام السابق في الفساد والمحسوبية والرشوة وقمع الحريات والتضييق على الإعلام.
فالقول إن الربيع العربي كذبة لا يعني انه لم يكن هناك فساد أو تجاوزات أو أن النظام السابق كان بلا أخطاء ليس هذا المقصود بالمرة لكن كل هذا الكم من الفساد اصبح اكبر وهيمنة الحزب على الدولة واعتماد مبدأ الولاء على الكفاءة اصبح اكثر وضوحا يضاف إلى كل هذا انعدام القدرة على تيسير الدولة التي تحولت الوظائف فيها إلى غنيمة كل هذا يجعل المواطن البسيط يدرك انه أخذ على حين غرة وأن «الثورة» لم تحدث إلا في وسائل الإعلام للانقضاض على الدولة وتصفيتها وتأسيس بديل آخر موالي للجماعة الإسلامية التي تحكم تونس وتريد حكمها إلى الأبد ربما!
والخيبة التي يشعر بها المواطن التونسي اليوم ليست مقتصرة على الوضع التونسي السائر نحو مزيد من التأزم والانهيار بل في علاقة مباشرة مع ما يحدث في ليبيا الجارة التي كان التونسيون في إطار «الربيع العربي» يعتقدون انهم سيجدون فيها ملاذا للعمل خاصة مثلما كان الحال في السابق أو اكثر بعد أن تخلصت من الديكتاتورية ولكن الذي وقع أن الوضع الأمني المتدهور في ليبيا وخاصة انتشار السلاح وتمركز الجماعات الدينية المتشددة اصبح خطرا حقيقيا على تونس بعد أن تم اكتشاف ورصد كميات كبيرة من السلاح دخلت إلى تونس من حدودها الجنوبية والمثير للخوف فعلا أن الوضع الأمني في ليبيا قد يحتاج إلى وقت طويل مع ورود معلومات عن وجود متشددين تونسيين على الأراضي الليبية.
ولا يختلف الوضع في سوريا كثيرا إذ يتمركز عدد يقدر بثلاثة آلاف شاب تونسي هناك تم تجنيدهم عبر شبكة بين تركيا وتونس وليبيا التي يتدرب معظمهم على أراضيها ثم يتم توجيههم إلى سوريا للقتال مع جبهة النصرة والجماعات الإسلامية المسلحة والسؤال الذي يؤرق التونسيين اليوم هو ماذا سيفعل هؤلاء الشبان المدربون على استعمال السلاح الخفيف والثقيل عندما تنتهي الحرب في سوريا ويعودون إلى بلادهم؟ وهو السؤال ذاته الذي يطرحه الشارع التونسي على الشبان الذين يوجدون الآن في ليبيا ويتدربون على السلاح كما كشفت ذلك التقارير الأمنية التي لم يعد اغلبها سريا إذ تتداولها وسائل الإعلام من مصادرها.
لهذه الأسباب يشعر التونسيون بالمرارة، لقد استيقظوا بعد ثلاث سنوات من الحلم الثوري الذي عاشوا عليه لمدة عام تقريبا ليكتشفوا واقعا مؤلما وصورة جديدة لبلادهم لا يريدون تصديقها فلم يعرف عن التونسيين في كل عهودهم الولع بغير العلم والمعرفة ومجاراة الشعوب الأوروبية المتقدمة لكنهم اليوم أصبحوا يحملون السلاح في اكثر من بلد من سوريا إلى العراق إذ تؤكد التقارير أن التونسيين هم الأكثر عددا بين المسلحين في سوريا والعراق فضلا عن تونسيين آخرين في الشريط الحدودي مع الجزائر وفي ليبيا!
كيف حصل كل هذا في ثلاث سنوات فقط؟
لكل هذه الأسباب يعتقد اليوم العدد الأكبر من التونسيين أن بلادهم رغم كل شيء كانت افضل ولم يعد هذا الرأي يقال سراً أو يهمس به في الجلسات الخاصة بل اصبح رأيا عاما يتداوله التونسيون في وسائل الإعلام فليس من ما يحدث اليوم من انهيار لصورة الدولة ومن عنف ومن سلاح ومحسوبية ولاء وقمع للحريات ومحاصرة للإعلاميين قامت الثورة بل من اجل تونس أجمل، من اجل فصل الحزب عن الدولة وهو الحلم الذي ناضلت أجيال من اجل تحقيقه وزج بالمئات في السجون من اجل هذا ومن اجل حق الشبان في العمل والذي حصل أن عدد العاطلين تضاعف ليصل إلى حدود المليون بعد أن كان في حدود ٥٠٠ ألف قبل ثلاث سنوات ومن اجل أن تتوفر للفقراء إمكانيات العيش الكريم منها الحق في الصحة والسكن ومن اجل بيئة اجمل والذي حدث أن الأوساخ تراكمت بسبب تراجع الخدمات البلدية إلى حد عودة بعض الأمراض التي تخلصت منها تونس منذ الستينات ومن اجل منظومة تربوية اكثر نجاعة ومردودية لكن الذي حدث أن المؤسسة التربوية بعد ثلاث سنوات تراجعت بشكل غير مسبوق!
فهل ما زال احد يصدق أن هناك ربيعا تونسيا أو عربيا أمام مشاهد الخراب المتنامي في كل الدول التي عرفت هذا «الربيع»؟
لا أحد يصدق ذلك اليوم فكل ما حدث ليس إلا صياغة جديدة للخارطة العربية سايكس بيكو جديد بشعارات براقة مثل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والتنفيذ هذه المرة بأيادٍ عربية بعضها بحسن نية وبعضها تم تدريبه في كواليس أجهزة المخابرات لتنفيذ مشروع هدفه الظاهر نشر الديمقراطية والباطن تقسيم الوطن العربي مرة أخرى!
فلا عزاء للفقراء ولا للثوريين الصادقين لقد انتهى الدرس!

iNewsArabia.com > سياسة >