كيف تعمل الدهشة

جيسي برينز Jesse Prinz - ترجمة: أحمد شافعي -

وأنا صغير في نيويورك، كان أبهى الأيام في تقويمي هو الموعد السنوي لوصول «سيرك حلبة الأخوين بارنوم وبيلي» .. «أعظم استعراض على وجه الأرض». كان أبواي يحتملان المهرجين خضر الشعور، ولاعبي الأكروبات البراقين والفيلة المدندشة باعتبارها جميعا نوعا من اللهو المغالى فيه. أما أنا، فكان ذلك يمثل لي كسرا جليلا للواقع اليومي، يمثل عالم الدهشة، بحسب ما تقول العبارة الرائجة المبتذلة.
يقال أحيانا إن الدهشة إحساس طفولي، أي أنها شيء نكبر عليه. ومن المؤكد أن هذا خطأ. فقد نمر بالدهشة نحن الراشدين حينما نفغر أفواهنا أمام المناظر الجليلة. فأنا مثلا ذهلت أول مرة رأيت فيها الغروب في سيرنجيتي Serengeti. وقد نمر بالدهشة حينما نكتشف معلومات استثنائية. فقد افتتنت لما عرفت أن عصبونات neurons المخ البشري قد تمتد ـ إن هي صُفَّت في خط واحد ـ لمسافة سبعمائة ميل من لندن إلى برلين. لكن لماذا؟ أي غرض يحققه ذلك الشعور مبهور العينين متهدل الفكين؟ من الصعب تحديد وظيفة بيولوجية ذات تأثير مهما يكن، ولكن مهما يكن السبب الذي تكونت لتحقيقه (وسوف آتي إلى هذا)، فإن الدهشة قد تكون أهم عاطفة بشرية على الإطلاق.

نكن واضحين ابتداء فيما نتكلم عنه. يرجع تعريف الدهشة المفضل عندي إلى فيلسوف الأخلاق الأسكتلندي الذي عاش في القرن الثامن عشر، والمشهور بوصفه أول من وضع دعائم الرأسمالية، أعني آدم سميث. فقد كتب سميث أن الدهشة تنشأ «عندما يتم تقديم شيء جديد ومفرد… وتعجز الذاكرة أن تجد في شتى مخازنها صورة تقارب هذا الظاهر الغريب». ربط سميث هذه الخبرة بشعور جسدي مميز ـ «تلك الحملقة، بل وتقلب العينين في بعض الأحيان، ذلك النفس المحبوس، ذلك القلب الواقع».
هذه الأعراض الجسدية تشير إلى أبعاد ثلاثة قد تكون فعلا من مكونات الدهشة الجوهرية. البعد الأول حسي: فالأشياء المدهشة تخاطب حواسنا، إذ نحملق فيها بأعيننا المتسعة. والثاني معرفي: فهذه النوعية من الأشياء تكون محيرة لأننا لا نستطيع أن نعول على خبراتنا الماضية في فهمها. وهذا يسوقنا إلى النفس المحبوس، وهو قريب من الإحساس بالتجمد الذي يضربنا عندما نجفل، فإذا بنا نلهث قائلين «واو». وأخيرا، ثمة بعد رابع من مكونات الدهشة يمكن أن نصفه بالروحي: إذ نرفع رءوسنا في إجلال، ومن هنا توسل سميث بالقلب الواقع.
تحتوي اللغة الإنجليزية كثيرا من الكلمات المرتبطة بهذه العاطفة متعددة الأشكال. في الناحية الهادئة من هذا الطيف اللغوي، نتكلم عن الأشياء الرائعة. ثم تأتي حلقات أحدّ منها فتوصف ربما بالفاتنة والآخذة. وفي أقصى الطيف نصادف المرعبة والجليلة. هذه الكلمات تبدو أنها تشير إلى تأثير واحد لكن في مستويات مختلفة من الحدة، مثلما يتطور الغضب من مجرد ضيق بسيط إلى غضبة مستعرة، ومثلما يتراوح الحزن من شجن إلي يأس وقنوط.
يظهر تحليل سميث في كتابه الصادر سنة 1795 بعنوان «تاريخ الفلك». في هذا العمل مهضوم الحق، ذهب سميث إلى أن الدهشة أمر لا غنى للعلم عنه. فعلماء الفلك ـ على سبيل المثال ـ ينطلقون منها إلى البحث في سماء الليل. ولقد كان بوسعه أن ينقل هذه الفكرة عن الفيلسوف الفرنسي «رينيه ديكارت» الذي وصف الدهشة في كتابه «خطاب في المنهج» (الصادر سنة 1637) بأنها العاطفة التي تدفع العلماء إلى البحث في أقواس قزح وغيرها من الظواهر الغريبة. وبروح مماثلة، قال سقراط إن الفلسفة مبدؤها الدهشة، وإن الدهشة هي التي تسوقنا إلى محاولة فهم العالم. وفي زماننا هذا رسم «ريتشارد داوكنز» Richard Dawkins الدهشة معينا يبدأ منه البحث العلمي. والحيوانات ـ ببساطة ـ تعمل طلبا للشبع، والأمن والجنس. بينما الإنسان يتأمل طلبا للفهم.
ابتغاء رؤية أقل ولها، نلتفت إلى فيلسوف القرن السابع عشر الإنجليزي «فرانسيس بيكون» Francis Bacon أبي المنهج العلمي. فلقد أطلق على الدهشة مسمى «المعرفة الكسيرة»، قاصدا أنها عوار في الفهم وغموض لا يملك تبديده ومداواته غير العلم. ولكن في هذا الكلام سوء توصيف للعلم وللدهشة على السواء. إذا العلماء تحفزهم الدهشة، إلى أن ينتجوا بدورهم نظريات مدهشة. وما روعة مفارقات نظرية الكم وكفاءة الجينوم منكم ببعيد. المعرفة لا تنفي الدهشة، بل إن المكتشفات العلمية في واقع الأمر أكثر إدهاشا في أغلب الحالات من الألغاز التي تحلها. وبغير العلم، نبقى أسرى عالم المظاهر الموحش. وبه، نستكشف أعماقا لا نهاية لأغوارها، فنرى لها روعة تفوق حدود خيالنا.
وبهذا المعنى، يشترك العلم في الكثير مع الدين. فالآلهة والوحوش الخرافية أشياء مدهشة مجندّة لتفسير المجهول. كما أن للدين ـ شأن العلم ـ مقدرة مميزة على أن يجمع فينا إحساسين متزامنين بضآلتنا وسمونا. ولقد تبين لـ داتشر كيلتنر ـ أستاذ علم النفس بجامعة كاليفورنيا ببيركلي ـ أن الجليل ـ وهو شكل حاد من أشكال الدهشة ـ يُشعر الناس أنهم فيزيقيا أصغر مما هم عليه. وليس من قبيل المصادفة أن دور العبادة غالبا ما تعزز هذه المشاعر. فنرى للمعابد عمدا عظيمة مهيمنة، وفي نوافذها نرى زجاجا مزخرفا ومدوخا، ولها أسقف مقببة متعالية، وأسطح مزدانة بالزخارف المعقدة. وتستخدم طقوسها الغناء والرقص والرائحة والأزياء المهيبة لتأسر حواسنا بالحيرة والطغيان والمجاوزة.
توحد الدهشة إذن العلم والدين، وكليهما من أجلّ المؤسسات البشرية. ولنضف ثالثا. فالدين أول سياق نصادف فيه الفن. تبدو «فينوس ويلندورف» وثنا، ومن المعتقد أن الحيوانات المرسومة على جدران كهوف شوفيه وألتاميرا ولاسكو كانت تستخدم في طقوس شامانية يرحل المشاركون فيها إلى عوالم سفلية خيالية وهم في حالة انتشاء بتأثير من وميض قنديل كأنه ينومهم مغناطيسيا. ووصولا إلى عصر النهضة، أصبح الفن يظهر بالدرجة الأساسية في الكنيسة. ولما تحرر جيوتو Giotto في العصور الوسطى من قيود الرسم القوطي، أنتج فنا علمانيا لكنه ذو رؤية روحانية عميقة، فجعل الشخصيات الإلهية أقرب منالا إذ قام بتصويرها تصويرا واقعيا. وما رسمه في كنيسة سكروفيني بـ بادوا ليعد بمثابة علبة مجوهرات تتفجر بشخصيات تتنفس وتتصارع وتبكي وتتألم وتقوم من مواتها لتقف بين يدي الرب وتحت مظلته الأثيرية. هي باختصار دهشة.
ولما انفصل الفن رسميا عن الدين في القرن الثامن عشر، بقيت روابط. بدأ الفنانون يوصفون بأنهم أفراد «خالقون» [اعتدنا أن نترجم كلمة creative في هذا السياق إلى «المبدعون» ولكن من معانيها «الخلق» بل لعله معناها الأساسي]، وكانت صفة الخلق من قبل مدخرة رسميا للرب وحده. ومع ظهور التوقيع أمكن للفنانين أن يحظوا بمكانة كالتي تمتاز بها جماعة دينية. فلقد بين التوقيع أن العمل الفني لم يعد نتاج صنايعي/حرفي مجهول، ولفت النظر إلى قوى الصناع السحرية، الذي أحال الوضيع من الزيوت والأصباغ أشياء آسرة الجمال، وبث الحياة في عوالم الخيال. عبادة التوقيع ظاهرة حديثة، ومع ذلك، ولأنها تعزز احترام الفنانين، فإنها تنطوي على رابط قديم بين الفن والقداسة.
متاحف الفن اختراع حديث هي الأخرى. وفي العصور الوسطى كانت الأعمال الفنية لا تكاد تظهر إلا في سياقات دينية، لكنها بدأت تظهر بعد ذلك في مجموعات خاصة تعرف ب» خزائن الفضول cabinets of curiosity « (أو الفوندركامرن Wunderkammern بالألمانية). كانت تتمازج في تلك المجموعات اللوحاتُ والمنحوتات مع غيرها من الأشياء التي تعد رائعة أو إعجازية: عينات حيوانية، حفريات، أصداف، ريش، أسلحة غريبة، وكتب مزخرفة. كان الفن استمرارا للعلم: كان ممارسة بشرية تنتج ما تمكن مقارنته بالغرائب التي يجري العثور عليها في العالم الطبيعي.
سادت هذه الروح حتى القرن التاسع عشر. فكانت أولى مقتنيات المتحف البريطاني تضم كل شيء من العظام الحيوانية إلى اللوحات الإيطالية. وفي كتاب شامل عنوانه «عالم العجائب: سجل الأشياء المدهشة في الطبيعة والعلم والفن» (صدر عام 1883)، نصادف موادا من قبيل السمك الكهربائي، والنباتات المضيئة، والانفجارات البركانية، والنيازك، ومناجم الملح، والبحر الميت، وعظام الديناصورات، وتتناثر هنا وهناك عفو الخاطر مواد من قبيل الزجاج البندقي، ومنحوتات نيوزيلاند الخشبية، وضريح ماوسولوس Mausolus. كان مؤسس السيرك الذي دأبت في طفولتي على الاختلاف إليه هو المخرج الاستعراضي والساحر بي تي بارنوم الذي تولى الإشراف على المتحف الأمريكي في نيويورك في عام 1841. عرض فيه بورتريهات لمشاهير، وتماثيل شمعية، ونموذجا مصغرا لشلالات نياجرا، وفي الوقت نفسه عرض على الجمهور المبهور التوأم «السيامي» تشانج وإنج بانكر، وشخصا ضئيل الحجم يطلق عليه اسم الجنرال توم عقلة الإصبع. وكانت دعاية المتحف عبارة عن إعلان مضاء نصه «أعظم عرض على وجه الأرض» ـ وهو نفس الشعار الذي سوف يستخدمه لاحقا للدعاية لسيركه الجوال على الطرقات. قد يكون الرابط اليوم بين السيرك والمتحف غير واضح لأحد، ولكن الرابط في تلك الأيام كان طبيعيا للغاية. كانت المتاحف ـ بوصفها معابد الدهشة ـ حاويات للغرائب، فكانت للبورتريه الجيد واللوحة الشمعية والشذوذ البيولوجي أماكنها فيها.
غير أن القرن لم ينته إلا وقد افترق العلم والفن. وبدأت المدن الكبرى تفتتح معاهد مخصصة للفن، يتوافد الناس عليها فيروا اللوحات دون أن تقاطعهم أجنحة الفراشات والنساء الملتحيات والأجنة الحيوانية المشوهة في البرطمانات. ونحن اليوم لا نخطئ فنرى المتاحف بيوتا للفضول، لكنها تبقى أماكن للدهشة. تبقى محاريب للفن نذهب إليها لتثير فينا العجب.
ملحد مثلي كان بحاجة إلى وقت قبل أن يدرك أنه شخص روحاني. إنني أذهب بانتظام إلى المتاحف فأقف في إجلال وصمت قبالة الأعمال الفنية التي تعجبني. وكنت مؤخرا أجري دراسات سيكولوجية مع «أنجيليكا سيديل» زميلتي من جامعة سيتي في نيويورك لاستكشاف هذا النوع من الفتنة العاطفية.
طلبنا من الأشخاص الذين نجري عليهم التجربة أن يتخيلوا أن الموناليزا تعرضت لحريق دمرها ولكن هناك نسخة مثالية منها لا يستطيع حتى الخبراء أنفسهم تمييزها عن الأصل. فلو أن لهم أن يختاروا مشاهدة أحد شيئين: إما رماد الموناليزا الأصلية أو النسخة المثالية منها، فماذا يختارون؟ ثمانون في المائة من عينتنا اختاروا الرماد: والظاهر أننا نستهين بالنسخ ونعزو إلى الأصول أهمية سحرية. في دراسة أخرى، علقنا على الجدار مستنسخات من لوحات وقلنا لبعض المشاركين إنها أعمال أصلية لفنانين مشهورين ولبعضهم إنها أعمال مزيفة. ونفس اللوحات كانت تبدو أضخم فيزيقيا عند نسبتها إلى فنانين مشهورين. كما وجدنا أيضا أن الصور تبدو أفضل وأكثر إدهاشا عند تعليقها على الجدار: فحينما نرفع رءوسنا لنرى عملا، فإنه يثير فينا المزيد من الإعجاب.
في منتصف القرن الثامن عشر: افترض الفيلسوف «إدموند بيرك» وجود صلة بين الاستطيقا [الجماليات] والخوف. وفي سياق مماثل ذهب الشاعر «راينر ماريا ريلكه» إلى أنه «ليس الجمال شيئا، إلا ابتداء الهلع». ولاختبار هذا الربط بين الجمال والخوف، قمت مؤخرا أنا و «كيندول إسكاين» و»نتالي كاسينيك» وكلاهما عالما نفس في جامعة سيتي بإجراء تجربة أخرى. أخذنا أولا مجموعة فرعية من المشاركين وعرضنا عليهم فيلم رعب يظهر فيه بغتة زومبي وسط طريق ريفي ظاهر الوداعة. ثم عرضنا على جميع المشاركين بعض اللوحات التجريدية الهندسية لـ «إيل ليسيتزكي» وطلبنا منهم تقييمها، فإذا بالذين تم ترويعم من المشاركين يرون هذه اللوحات أكثر تأثيرا وجمالا وإلهاما من غيرهم. وهذه الصلة بين الخوف والفن ترجع إلى المكوّن الروحي من مكونات الدهشة. ومثلما يخاف الناس من الرب، يمكن أن تكون للفن سطوته. فهو يوقفنا في مساراتنا مطالبا إيانا بانتباه كالخشوع.
بوسعنا أن نرى ـ عند جمعنا بين هذه الخيوط ـ أن العلم والدين والفن يتحدون في الدهشة. كلٌّ يخاطب حواسنا، يثير الفضول، ويغرس الإجلال. وبدون الدهشة، يصعب الاعتقاد بأننا يمكن أن ننخرط في هذه المساعي المتميزة في إنسانيتها. ويذهب «روبرت فولر» ـ أستاذ الدراسات الدينية بجامعة برادلي بإلينوي ـ إلى أنها «إحدى الخبرات الإنسانية الأساسية المفضية إلى الإيمان بالنظام الخفي». هذا النظام الخفي ـ في العلم ـ قد يحوي الكائنات المجهرية مثلما يحوي قوانين الطبيعة الخفية. وفي الدين يحوي القوى فوق الطبيعية والكائنات السماوية. والفنانون يبتكرون سبلا تؤتينا مناظير طازجة للعالم الذي نعيش فيه.
يظهر الفن والعلم والدين مؤسساتٍ فريدة في إنسانيتها. وفي هذا إشارة إلى أن للدهشة علاقة بتفرد الإنسان، كما يثير أسئلة حول منشأ الدهشة وأصولها. هل الدهشة تتطور؟ هل نحن الكائنات الوحيدة التي تعرف الدهشة؟
ذهب ديكارت إلى أنها فطرية في البشر، بل لقد قال في واقع الأمر إنها أكثر عواطفنا أصالة. ورائدة العلوم البيئية «راشيل كارسون» اعتبرت الدهشة إحساسا فطريا يسود على نحو خاص لدى الأطفال. ومن بين الاحتمالات البديلة أن تكون الدهشة منتجا ثانويا طبيعيا لقدرات أكثر أساسية مثل انتباه الحواس والفضول والاحترام (والأخير من هذه القدرات الأساسية ذو أهمية حاسمة في الهيراركيات الاجتماعية). فالأشياء الاستثنائية تؤجج هذه الاستجابات الثلاثة مجتمعة وفي وقت واحد فتخلق حالة اسمها الدهشة.
هناك حيوانات أخرى تعرف الدهشة أيضا. فقد كانت عالمة الحيوانات «جين جودول» تراقب بعض قردة الشمبانزي في جومبي فلاحظت ذكرا يومئ بتأثر إلى شلال مياه جميل، ثم قبع على صخرة قريبة وظل فاغر الفم زهاء عشر دقائق وهو ينظر إلى سيول الماء المنصبة. رأت جودول وفريقها مثل هذه الاستجابات في مواقف عديدة. فخلصت إلى أن لدى قردة الشمبانزي إحساسا بالدهشة، بل وتكهنت بوجود شكل بدائي من الروحانية لدى أبناء عمومتنا القردة.
وهذا يضعنا أمام لغز. لو أن الدهشة موجودة في البشر وفي الثدييات العليا، فلماذا كان العلم والفن والدين تطورات حديثة في تاريخ سلالتنا؟ إن البشر المحدثين موجودون تشريحيا منذ مائتي ألف عام، ولكن أقدم دليل على طقوس دينية يرجع إلى قرابة سبعين ألف عاما في صحراء كالاهاري وأقدم رسومات كهفية (في قشتالة بأسبانيا) عمرها أربعون ألف عاما. والعلم حسب ما نعرفه أصغر من ذلك بكثير، فقد لا يتجاوز عمره بضع مئات السنين. ويجدر بنا أن نلاحظ أن هذه المساعي غير أساسية من أجل البقاء، بما يعني أنها قد لا تكون منتجات مباشرة للانتخاب الطبيعي. فالفن والعلم والدين من جملة الأشكال الفائضة، بمعنى أن فيها تساميا بالغايات العملية للحياة اليومية. ولعل التطور لم ينتخب قط وغايته من الانتخاب هي الوصول إلى الدهشة.
ولو أن الدهشة سمة تتجاوز سلالتنا، فلماذا لا نرى القردة تذهب في زفة بالسيارات إلى الكنائس كلَّ أحد؟ الإجابة هي أن العاطفة وحدها لا تكفي. هي تغرس فينا الإحساس بالاستثنائي، لكن لا بد من براعة ذهنية وإبداع لافتين من أجل مجاراة هذه الأشياء الاستثنائية باستنباط أساطير تفسر نشأتها، وإجراء تجارب، وإنتاج أعمال فنية. القردة نادرا ما تبتكر، فالدهشة عندها طريق مسدود. وكذلك كانت بالنسبة لأسلافنا. لقد كان البشر، على مدار الفترة الكبرى في تاريخنا، يتنقلون في جماعات بحثا عما يحفظ بقاءهم، وهو ما لم يتح فرصة كافية لاستنباط نظريات أو إبداع أعمال فنية. وفي الوقت الذي ازددنا فيه سيطرة على بيئتنا، تزايدت الموارد، مما زاد من أحجام الجماعات، وازدياد الاستقرار، واتساع أوقات الفراغ، وتقسيم العمل. وعندئذ فقط أمكن للدهشة أن تؤتي ثمارها.
يعكس الفن والعلم والدين نضج سلالتنا الثقافي. قد يرضى الأطفال بمنظر في السيرك. لكن الكبار قد يضجرون منه، ويتوقون إلى ما هو أشد عمقا وخصوبة وتنويرا. وخبرة الدهشة قد تستخدم ـ لدى العقل الناضج ـ في الإلهام برسم أو بأسطورة أو بفرضية علمية. وهذه أشياء تقتضي الصبر، مثلما تقتضي وجود جمهور لا يقل لهفة إلى المضي إلى ما وراء حالة العجب الأولية. وإن تأخر وصول هذه المؤسسات الأكثر إنسانية مما عداها ليشي بأن سلالتنا احتاجت لبعض الوقت قبل أن تبلغ هذه المرحلة. لقد كنا بحاجة إلى التسيد على بيئتنا بما يكفي لتجاوز ضروريات البقاء الأساسية، قبل أن نستعمل الدهشة.
لو أن هذه القصة صحيحة، فالدهشة لم تتكون لتحقيق أي غرض. إنما هي بالأحرى منتج ثانوي لميول طبيعية، أما ما ينتج عنها من نتائج إنسانية عظيمة فليست نتائج حتمية. لكن الدهشة هي الدافع العرَضي الكامن وراء أعظم منجزاتنا. الفن والعلم والدين اختراعات لتغذية الشهية التي تثيرها فينا الدهشة. وهي أيضا تصبح مصادر للدهشة بطريقتها الخاصة، إذ أنها تولِّد إبداعا بلا حدود، وتساؤلا لا يتوقف. وكل من هذه المؤسسات يتيح لنا أن نتسامى على حيوانيتنا إذ ينقلنا إلى عوالم مخبوءة. ونحن في حصادنا ثمار الدهشة، حققنا استقلالنا كسلالة.
نشر المقال في «أيون» بتاريخ 21 يونيو 2013

كاتب المقال أستاذ الفلسفة بجامعة سيتي بنيويورك. أحدث كتبه بعنوان «ما وراء الطبيعة البشرية»

iNewsArabia.com > سياسة > عمان | سياسة