نظرية الاقتصاد الحر وتفرد التجربة الألمانية

زكريا فكري -
نظام الاقتصاد الحر يعني عدم التدخل بشكل مباشر للتأثير على السوق وتركه لمبدأ العرض والطلب، فهو نظام كلاسيكي ليبرالي.
يضع النظم والقوانين التي يسير عليها الاقتصاد ولا تتدخل الدولة

إلا في حدود، بمعنى أن تركز الدول والحكومات فقط على أمور تتعلق بالبنية الأساسية والخدمية من مواصلات وطرق واتصالات وتعليم أساسي وصحي، بينما التجارة والصناعة والزراعة واسواق المال والاستيراد والتصدير.. إلى آخره من انشطة ينظمها القانون ولا تتدخل فيها الدولة بالتأثير أو الدعم إلا عند الضرورة وعندما يكاد يفلت النظام العام من الأطر المحددة له، كأن يتماهى مع الاحتكار أو يتحايل على القانون. وتنفق الدولة من حصيلة ايراداتها السيادية والضرائبية على الخدمات والبنية الاساسية التي يستفيد منها المواطنون.
إذن فالاقتصاد الحر مصطلح يشير إلى الأسواق المتحررة من تدخلات الحكومات وقيودها، بالإضافة إلى القدرة العملية على الحفاظ على النظام القانوني وحماية الممتلكات العامة ويكون خاليا من القوى الخاصة أو الشخصية، وإذا كان الاقتصاد الحر يقوم على عدم تدخل الدولة في الأنشطة الاقتصادية وترك السوق يضبط نفسه بنفسه، فإن الليبرالية التي قامت عليها الفكرة ذاتها تعتمد بالأساس على الحرية الفردية.
وخلاصة الأمر إن اقتصاد السوق هو اقتصاد العرض والطلب والمنافسة الحرة وتحرير الأسعار من أي قيد عدا ما تفرضه المنافسة الحرة غير الاحتكارية، ويعتمد بشكل أساسي على الملكية الخاصة للافراد والمؤسسات ورأس المال.
وهذا النظام الرأسمالي الليبرالي لم يهتز كما اهتز أبان الازمة المالية العالمية التي شهدها العالم في عامي 2007 – 2008، بل ان النظام الاشتراكي وامتداده عبر دول العالم – قبل تفكيك الاتحاد السوفييتي – لم يستطع هذا النظام الشمولي القائم على الجماعة دون الفرد (عكس الليبرالية) النيل من فكرة الاقتصاد الحر والنظام الليبرالي بصفة عامة كما نالت منه ازمة الرهن العقاري وافلاس البنوك وازمة الديون الاوروبية والتي لا زالت تداعياتها مستمرة حتى اليوم، وقد بلغت الازمة ببعض المفكرين وخبراء الاقتصاد إلى المطالبة بإيجاد نظام جديد كبديل عن هذا النظام الرأسمالي الذي بدا وكأنه يتهاوى رغم التدخل بسياسات ساعدت على إعادة بعض الثقة لأسواق المال ووقف عملية التدهور في معدلات النمو الاقتصادي، إلا أن – هذه السياسات – لم تستطع حل مشكلة واحدة من المشاكل التي رافقت وقوع الأزمات أو تبعتها، بل قادت إلى تعرية مشكلة العجز الكبير في ميزانية الحكومة الفدرالية الأمريكية ومعظم الحكومات الأوروبية، وارتفعت الأصوات المحافظة في أمريكا وأوروبا مطالبة بخفض العجز في الميزانيات الحكومية باعتباره المدخل لحل المشاكل، والأداة الأقدر على إعادة هيكلة الاقتصاديات الوطنية ووضعها مجددا على طريق النمو والازدهار. واتهم البعض نظام السوق الحر بأنه غير كفء وغير عادل وليس صالحا وليس في مقدوره أن يعمر طويلا بعد ان تسبب في فقدان ملايين العمال وظائفهم وتدمير حياة عشرات الملايين من الفقراء حول العالم، ورغم كل ذلك إلا أن العديد من الاكاديميين والاقتصاديين لا يتوقعون سقوط نظام الاقتصاد الحر قريبا.. ولكنه حتما سيسقط كما يقول الدكتور محمد عبد العزيز ربيع أحد خبراء الاقتصاد العرب في واشنطن الذي توقع في حوار مع (ال سي ان ان) أن تسير الأمور من سيء إلى أسوأ، وأن يمر العالم بأزمة اقتصادية كبيرة تأتي في أعقاب فشل سياسة التقشف وذلك قبل أن تتجه الشعوب إلى البحث عن بديل وتبدأ في الارتياح لفكرة التضامن العالمي ضد الظلم والفقر والجهل، ومن أجل تحقيق عدالة اجتماعية لا تستثني أحدا.
اذن هي العدالة المجتمعية التي يفتقر اليها نظام الاقتصاد الحر.. وهناك تجربتان تدللان على اهمية هذا البعد او المنظور الاجتماعي للفكرة.. التجربة الاولى هي التجربة الألمانية التي لم تترك للنظرية المجال كي تهيمن على المجتمع بل قامت بتعديلها لمصلحة المجتمع وفقا لمفهوم العدالة والتدخل الحميد للدولة،أما التجربة الثانية فهي عكس التجربة الألمانية تماما وهي التجربة المصرية والتي بموجبها أرادت الدولة إطلاق العنان لاقتصاد السوق والتخلص من القطاع العام فخلقت مشاكل مجتمعية عانى منها الأفراد طويلا.
التجربة الالمانية نفذها لودفيج إيرهارت الاقتصادي الالماني الذي تولى منصب المستشارية في ألمانيا الغربية عام 1963 ولمدة 3 سنوات وهو صاحب نظرية «اقتصاد السوق الاجتماعي» التي عملت المعجزة الاقتصادية الألمانية بعد خروج ألمانيا مدمرة تماما من الحرب العالمية الثانية وله مؤلف شهير هو «الرفاهية للجميع».
فبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية اتبعت ألمانيا اقتصاد السوق الاجتماعي الذي وضعه لودفيج إيرهارت، فأسس المجتمع المدني شركات تساهمية للإنتاج وإعادة البناء تعززها في ذلك المصارف والبنوك، منها على سبيل المثال شركات مثل مرسيدس بنز وفولكسفاجن وباير للأدوية والصناعات الكيميائية، وشركات مساهمة للحديد والصلب مثل كروب وسيمنز وكلها شركات تعززها شركات أهلية تبدأ بعدد 5 أشخاص وتكبر وتنمو مع الأيام والسنين لتضم بعد ذلك عددًا كبيرًا من العمال. تقوم تلك الشركات المتوسطة بإنتاج قطع تحتاجها المصانع الكبيرة فتشتريها منهم مرسيدس مثلا وتركبها في سياراتها ومن ضمنها: الزجاج، والمقاعد ، وزيوت التشحيم، والإطارات، وتقوم تلك الشركات المساهمة المتوسطة أيضا بإنتاج العديد من المنتجات التي يحتاجها الأفراد كالصابون والأثاث والسيراميك والكتب والأدوات اليدوية.
اما في الأزمات الاقتصادية حيث يتم تسريح العمال والموظفين، تشجع الحكومة الأشخاص على إنشاء مشروعات صغيرة يواصلون حياتهم من خلالها ويكون تشجيع الحكومة في صورة قروض صغيرة أو متوسطة بفائدة بسيطة.
اذن هذه هي التجربة الالمانية القائمة على فكرة «اقتصاد السوق الاجتماعي» التي سرعان ما انتقلت إلى العديد من دول العالم ومنها على سبيل المثال مصر والتي زارها بنفسه لودفيج إيرهارت في الستينات عندما كان وزيرا للاقتصاد في المانيا حيث قام بمساعدة المصريين وقتها في وضع تصورات للمجتمع الصناعي المصري الوليد وقتئذ وطالبهم بالتوسع في اقتصاد السوق الاجتماعي.
وفي مصر – التجربة الثانية – حيث قطع شوطا طويلا على مدار الستينات اعتمدت فيه مصر على نظرية المانيا في السوق الاجتماعي الحر – وهي نظرية بعيدة تماما عن مفهوم الاشتراكية كما قد يتصور البعض -.. إلا أن مصر راعت هنا العمل وفق نظام ملكية الدولة للمشروعات الكبيرة المنظمة فأسست اقتصاد صناعي مدعوم منها – حالت ظروفها في الستينات دون السماح بنشاط كبير للسوق الحر – وبعد أن أوجدت قاعدة صناعية كبرى ومتنوعة جاءت في عام 1995 لتعلن اطلاق الاقتصاد وفقا لنظرية العرض والطلب والتخلص من القطاع العام والقاعدة الصناعية التي اوجدتها بالبيع، وتشجيع العاملين على التقاعد المبكر نظير مكافآت مالية..الى آخره من الاجراءات التي اوجدت فيما بعد ما يسمى بحالة من الارتباك عانى منها الاقتصاد المصري ولا يزال يعاني حتى الآن.
اذن فوجود الدولة وتدخلها عند الضرورة مهم للغاية ولا يمكن ترك الأمور إلى السوق يفعل في المواطنين ما يشاء.. تلك هي خلاصة الوضع الحرج الذي بات يعاني منه اقتصاد السوق اليوم ونتيجة الازمات التي يتعرض لها.. وتلك أيضا خلاصة وضع كل من حاول اللحاق بهذه الفكرة الليبرالية الكلاسيكية دون تطوير أو تعديل كما حدث في مصر لينتصر النموذج الالماني العقلاني الذي راعى المجتمع والفرد معا.

iNewsArabia.com > سياسة > عمان | سياسة
نظرية الاقتصاد الحر وتفرد التجربة الألمانية,